حكايات صافى هانى 1

قعدت على أرض المطبخ الباردة، ضامة ركبي لصدري، وبدأت أربط الخيوط اللي كانت تايهة مني لسنين.
ليه كريم كان بيرفض يخليني أقابل أي حد من زمايلي القدام؟
ليه كان بيتشنج كل ما سيرة المستشفى تيجي؟
ليه أصر ننقل من شقتنا القديمة اللي جنب المستشفى ونيجي هنا في أطراف المدينة بعيد عن كل الناس؟
وليه مدحت سليم قفل المستشفى فجأة وباع نصيبه وسافر برة مصر بعد الحادثة بست شهور؟
الصبح طلع، وأول ما سمعت حركة كريم في الشقة، عملت نفسي نايمة على الكنبة في الصالة وغطيت نفسي ببطانية خفيفة. سمعته بيلبس، بيشرب قهوته على عجل، وبيمشي من غير حتى ما يقول كلمة صباح الخير.
أول ما صوت الباب الخارجي اتقفل وصوت خطواته اختفت في مدخل العمارة، قمت فورًا.
غسلت وشي بمية ساقعة عشان أفوق، بصيت لملامحي في المراية. الست المهملة اللي كريم كان شايفها، العاجزة اللي كان بيوصفها قدام مديره، مكنتش إلا ضحية تخدير نفسي طويل. لكن الدكتورة اللي جوايا، اللي كانت بتدخل عمليات إنقاذ حياة تحت أصعب الظروف، بدأت ترجع تدب في عروقي بصرامة وإصرار مكنتش حسيتهم من سنين.
مسكت الموبايل، وطلبت الرقم المكتوب على كارت حسام منصور.
الرنة الأولى.. التانية.. وفي التالتة فتح الخط، وصوت حسام الهادي الوقور جه من الناحية التانية: “ألو.. مين معايا؟”
أخدت نفس عميق وثبت صوتي: “أنا دكتورة مريم.. دكتورة مريم ممدوح.”
الخط سكت لحظات، وبعدين سمعت صوت حسام بيتغير تمامًا، بقى جاد وحاسم: “دكتورة مريم.. كنت مستني تليفونك، بس مكنتش متوقع تكلميني بالسرعة دي.”
“أستاذ حسام.. إنت رجعت إمبارح عشان نسيت الموبايل بجد؟ ولا كنت عايز تشوفني؟” سألته من غير أي مقدمات.
تنهد حسام تنهيدة طويلة من ورا السماعة، وقال بصوت واطي: “لو قلتلك إني مكنتش ناسي الموبايل، وإني كنت مستني كريم ينزل عشان أطلعلك بس هو نزل ورايا فجأة.. هتصدقيني؟”
قلبي دق بعنف: “عايز مني إيه يا حسام بيه؟ وعلاقتك إيه بالموضوع ده كله؟”
رد حسام بجملة واحدة هزت أركان البيت: “ابني ياسين مكنش لوحده في حادثة المستشفى من سنين يا دكتورة.. والراجل اللي خبط بنتك ليلى، كريم جوزك عارفه بالاسم، ومستشفى النيل مكنتش مجرد مكان شغل.. دي كانت مسرح لجري\مة اتدفنت بفلوس كتير، والنهاردة لازم نتقابل برة البيت من غير ما كريم يعرف.. الحقيقة أكبر بكتير من الترقية اللي كريم بيموت عشان ياخدها.”
