صالونات حكايات رومانى مكرم 1

انا اتخطبت صالونات وهو قبل مايخطبني عارف اني بشتىغل وبعد ما اتعودنا ع بعض قالي اقعدي من الشغل مع العلم ماليش اخوات شباب وبابا كبير ف السن يعني بصرف ع نفسي

رفضت فضل يتخانق

قولتله لما نتجوز مش هشتىغل بس دلوقت مينفعش اسيب شغىلي انا بصرف ع نفسي لقيته رد وقال وابوكي ده لزمته اي اصلا شاطر بس قاعد وسطينا كل ما اجيلك وخلاص

 

هو من النوع بتاع انا راجل في بيتي بس وضحك رديت عليه قولتله ابويا ده ارجل منك ومن عيلتك كلها ابويا ده كتر الف خيره اصلا انه بيجهزني عشان واحد زيك يتجوزني وانا مش عاوزه اتجوز واحد زيك

 

أول ما قفلت المكالمة، إيدي كانت بتترعش من العصبية… مش خوف، لا… قهرة.

أنا عمري ما كنت من البنات اللي بتستقوى بصوتها، ولا اللي بتحب المشاكل، بس اللحظة اللي سمعته فيها بيقول عن أبويا:

“قاعد وسطينا وخلاص”

حسيت إن في حاجة جوايا اتكسرت.

 

رميت الموبايل على السرير وقعدت أبص للسقف.

كنت مخنوقة بطريقة عمري ما حسيتها قبل كده.

إزاي واحد كنت بحاول أقتنع بيه… يشوف أبويا بالحجم ده؟

 

أبويا اللي طول عمره بيصحى الفجر يلف على الشغل، ويرجع ضهره واجعه، ومع ذلك عمره ما خلاني أحتاج من حد جنيه.

أبويا اللي بعد وفاة أمي بقى الأب والأم مع بعض.

أبويا اللي كان بيستخبى في البلكونة يدخن علشان مانشفش دموعه وهو بيحسب مصاريف جهازي.

 

وفجأة يطلع واحد داخل حياتنا من شهرين… يقول “لزمته إيه”؟

 

كنت هقوم أروح أقوله لأبويا كل حاجة… بس اتجمدت لما سمعت صوته بينادي من الصالة:

 

“يارا… الشاي برد يا بنتي.”

 

مسحت دموعي بسرعة وخرجت.

لقيته قاعد على الكنبة القديمة، لابس النضارة اللي لازقها بشريط من الجنب، وبيتفرج على الأخبار بصمت.

 

بصلي وابتسم:

“مالك يا حبيبتي؟”

 

هزيت راسي بسرعة:

“مفيش.”

 

أبويا كان بيقرأني من عيني.

طول عمره كده.

 

وطبعًا خد باله إن صوتي متغير، بس عمل نفسه مش واخد باله.

وده اللي وجعني أكتر.

 

قعدت جنبه وأنا بحاول أبلع الغصة.

فجأة مد إيده بكوباية الشاي وقال بابتسامة بسيطة:

 

“ماتزعليش نفسك من أي حاجة… أي راجل يزعلك قبل الجواز، هيبهدلك بعده.”

 

اتخضيت وبصيتله بسرعة.

هو عرف؟!

 

ابتسم نص ابتسامة وقال:

“صوتك كان عالي شوية وإنتِ في الأوضة.”

 

اتكسفت وسكت.

لكن اللي كسرني فعلًا… إنه ما سألش.

ما حاولش يعرف خطيبي قال إيه.

كأنه خايف يسمع حاجة تزعلني أكتر.

 

بعد شوية قال بهدوء:

“لو مش مرتاحة… سيبيه.”

 

بصيتله بدهشة:

“بسهولة كده؟ الناس هتتكلم.”

حكايات رومانى مكرم

ضحك بخفة وقال:

“الناس عمرها ما سابت حد في حاله. بس الجواز الغلط هو اللي بيفضل ياكل في عمر البني آدم.”

 

كنت هرد… لكن تليفوني رن.

 

كان هو.

 

بصيت للاسم شوية… وبعدين رديت.

 

أول ما فتح الخط قال ببرود: “إنتِ اتجاوزتي حدودك النهارده.”

 

ضحكت من الصدمة:

“أنا؟”

 

قال بعصبية مكتومة: “آه إنتِ. مهما حصل، ماتغلطيش فيا ولا في أهلي.”

 

قلت وأنا بحاول أتحكم في أعصابي: “وإنت عادي تغلط في أبويا؟”

 

سكت ثانية… وبعدين قال الجملة اللي خلتني أفهم كل حاجة:

 

“بصي يا يارا… من دلوقتي لازم تعرفي إن جوزِك أهم من أهلك.”

 

حسيت الدم بينسحب من وشي.

 

لسه ما بقيناش متجوزين… وبدأ يفصلني عن أهلي؟

أمال بعد الجواز هيعمل إيه؟

 

قلت بحدة: “أنت فاكرني واحدة مالهاش غيرك؟”

 

رد بثقة مستفزة: “أي بنت بتسيب بيت أبوها علشان بيت جوزها… دي سنة الحياة.”

 

وقبل ما أرد… سمعت صوت ست في الخلفية بتقول: “قولها بقى… لو مش عاجبها الباب يفوّت جمل.”

 

سكتُّ.

 

قلبي دق بعنف.

 

الصوت كان واضح جدًا… أمه كانت قاعدة معاه وبتسمع المكالمة كلها.

 

وهو… سايبها تتدخل.

 

بل بالعكس… كان حاطط المكالمة سبيكر.

 

إيدي تلجت.

وساعتها بس استوعبت إن الراجل ده عمره ما هيكون شريك… ده داخل الجوازة باعتبارها معركة لازم يكسبها.

 

قلت بهدوء مخيف: “خلي مامتك تسمع كويس… أنا اللي مش عاجبني.”

 

وقفلت السكة في وشه.

 

ثواني… وبدأت الاتصالات تنزل ورا بعض.

هو… أمه… أخته.

#الكاتب_رومانى_مكرم

لحد ما جاتلي رسالة صوتية من رقم أخته.

 

فتحتها… وسمعتها بتقول باستهزاء:

 

“بصي يا شاطرة… إنتِ شكلك ناسية نفسك شوية. أخويا متقدم لبنات أحسن منك بكتير، بس رضي بيكي علشان موظفة ومحترمة. ماتكبريش نفسك أوي.”

 

كنت هبعت رد يقطعهم… لكن قبل ما أكتب، لقيت باب الشقة بيخبط

فتحت عيني على وسعهما، ونبضات قلبي تسارعت لدرجة أنني شعرت بها في حلقي. نظرت إلى أبي الذي اعتدل في جلسته والتفت نحو الباب بملامح هادئة لكنها تحمل تساؤلاً قلقًا.

نهضت بسرعة قبل أن يتحرك هو، وقلت بصوت حاولت جاهدة أن يكون طبيعيًا: “خليك مرتاح يا بابا، أنا هشوف مين.”

مشيت خطوات نحو الباب، والخبط المستمر لم يتوقف، بل كان يزداد حدة وكأنه يصر على اقتحام خصوصيتنا. نظرت من العين السحرية، فانقبض قلبي؛ كان هو، وبجواره ابن عمه الذي رأيته مرة واحدة يوم الخطوبة. ملامح خطيبي كانت محتقنة بالغل، وعيونه تشتعل غضبًا.

فتحت الباب نصف فتحة، ووقفت بصلابة لم أعهدها في نفسي من قبل.

قلت بنبرة حادة ومنخفضة حتى لا يسمعنا أبي: “إنت إزاي تيجي هنا بالطريقة دي؟ وإزاي تخبط على الباب كده؟”

دفع الباب بيده بيد ثقيلة ليوسّع لنفسه، ودخل خطوة داخل الصالة وهو يقول بصوت عالٍ ملأ المكان: “أنا جيت عشان أعرفك مقامك، وأعلمك إزاي تقفلي السكة في وشي وأمي قاعدة سامعة!”

في تلك اللحظة، تحرك أبي من مكانه. رغم مرضه وكبر سنه، ورغم ظهره المنحني، إلا أنه وقف بيني وبينهم كالسد المنيع. نظر إليهما بهدوء شديد، وهدوء أبي دائمًا كان مرعبًا لمن يعرفه.

قال أبي بنبرة رصينة متزنة: “يا بني، البيوت ليها حرمة، وإحنا ناس بنعرف الأصول. اللي عنده كلمة يجي يقولها بالراحة، مش جاي تكسر علينا الباب.”

التفت خطيبي نحو أبي، وبدلاً من أن يتراجع أو يخجل، قال بوقاحة مدفوعة بشحن والدته له: “يا عم الحج، بنتك اتطاولت عليا وعلى أهلي، وفاكرة نفسها هتمشي كلامها من أولها. أنا راجل، والست اللي ما تسمعش كلامي من وهي في بيت أبوها، متلزمنيش. وأنا جاي آخد الدهب بتاعي حالا مش مستني للصبح.”

نظرت إليه والذهول يشل لسانى. لم يكن همّه الكرامة ولا الحب، كان كل ما يشغله هو فرض السيطرة واسترداد المال؛ معركة مادية ونفسية بحتة.

ابتسم أبي ابتسامة حزينة، لكنها مليئة بالأنفة. التفت إليّ وقال بهدوء: “ادخلي يا يارا هاتي علبة الدهب بتاعته.”

وقفت مكاني متسمرة، وقلت بدموع متحجرة: “يا بابا ده بيغلط فيك وفينا وفي بيتنا!”

قال أبي بصوت حازم لا يقبل النقاش: “هاتي الحاجه يا بنتي.. الرخيص ما يتشالش في بيوت الغاليين.”

دخلت الغرفة، وإغلاق الباب خلفي كان كأنه يعزلني عن كابوس طويل. فتحت الدرج، وأخرجت علبة القطيفة الحمراء. نظرت إليها ولم أشعر بذرة ندم واحدة، بل شعرت بحمل ثقيل ينزاح عن صدري. أخذت العلبة وخرجت سريعًا.

مددت يدي بالعلبة إليه، فخطفها من يدي وفتحها ليتأكد من محتوياتها بسرعة مهينة، وكأنه يتعامل مع باعة في سوق، لا مع ناس شاركهم الخبز والملح.

نظر إليه ابن عمه وشعر بالحرج من تصرفه، فجذبه من يده وقال بصوت منخفض: “خلاص يا عماد، الحاجه معاك اهي، يلا بينا.”

وقبل أن يلتفت ليخرج، نظر إليّ عماد وقال بتشفٍّ: “أهو الدهب رجع، وريني بقى مين هيرضى بواحدة زيك، أبوها مش قادر يشيل مسؤوليتها وشغالة عشان تصرف على نفسها.”

هنا تدخل أبي، ووضع يده على كتفي، ونظر في عيني عماد مباشرة، وقال بكل قوة: “بنتي في حفظ الله وحفظي، والشغل شرف للرجال وللبنات السند اللي زي يارا. إنت يا بني جيت تطلب نسبنا عشان شفتها محترمة، وخرجت من هنا عشان إنت مش شبه الأصول اللي ربيتها عليها. الباب يفوت جمل.. زي ما والدتك قالتلك.”

تغيرت ملامح عماد، وشعر أن كلماته المسمومة لم تكسرنا كما كان يتمنى. التفت وخرج مسرعًا، ونزل السلم يجر أذيال الخيبة والخزي، وخلفه ابن عمه الذي كان يحاول مواراة خجله.

أغلقت الباب خلفهما بالمفتاح، وسندت ظهري عليه. أنفاسي كانت متلاحقة، لكن دقات قلبي بدأت تهدأ. نظرت إلى أبي الذي كان يقف مكانه، ينظر إليّ بنظرات مليئة بالحب والحنان.

مشيت نحوه وارتميت في حضنه. بكيت بكل ما في داخلي من قهر، وبكيت شفقًا على تعبه، وبكيت فرحًا لأن الله أنقذني من براثن هذا الإنسان قبل فوات الأوان.

كان أبي يربت على ظهري بيده المرتعشة، ويقول بصوت دافئ: “يا بنتي، أنا عايش الدنيا دي كلها عشانك. وعمري ما هسمح لواحد جاهل يقلل منك أو يحسسك إنك حمل تقيل. أنا ضهرك وسندك لحد آخر نفس في عمري.”

رفعت رأسي ونظرت إلى نضارته المربوطة بالشريط، وإلى وجهه المتعب الذي تملأه التجاعيد، ورأيت فيه أعظم رجل في الكون.

وفي تلك اللحظة بالذات، رن هاتفي مرة أخرى. نظرت للشاشة، كان رقمًا غريبًا هذه المرة، لكنه لم يكن منهم. أخذت نفسًا عميقًا، وقررت أن أرد لكي أنهي كل شيء، لكن الصوت الذي جاءني من الطرف الآخر جعلني أتجمد تمامًا…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *