يوم فرحى حكايات رومانى مكرم 1

يوم فرحى… رجعت بيت حماتي آخد سلسلة الدهب بتاعتي، وسمعت جملة خلتنى اتجمد مكانى:

(أول ما تبصم… هنبيع شقتها). وقفت مصدومه قدام الباب… طلعت موبايلي بسرعه وبقيت اسجل كل كلمة. تاني يوم فركشت الفرح… بس وقتها لسه ماكنتش أعرف إن عريس الغفلة سبقني… وزوّر إمضتي.”

 

“أول ما تتجوز… عنتر هيغفلها ويمضيها على تنازل وبيع للشقة كلها باسمه… وبعدها نبيعها فوراً ونقفل كل الديون اللي علينا ونرتاح.”

الجملة دي سمعتها وأنا واقفة ورا باب شقة حماتي… قبل فرحي بيوم واحد.

كنت راجعة بيتي في السيدة زينب، وفجأة افتكرت إني نسيت سلسلة الدهب بتاعتي على طربيزة الصالون عندهم.

وده ماكنش مجرد حتة دهب…

أمي الله يرحمها كانت بايعة غوايشها وعاملاهالي مخصوص وهي تعبانة قبل ما تتوفى بكام شهر، وكانت مطرزة عليها وردتين صغيرين محفورين من ورا، وقالتلي وقتها:

“دي للراحة… ودي للرزق.”

عشان كده رجعت من نص الطريق.

تاني يوم كان فرحي على عنتر… بعد قصة حب وكفاح استمرت خمس سنين.

السرادق والكوشة في المطرية كانوا جاهزين، والفستان متعلق في أوضتي، وأكتر من مية وخمسين واحد من أهل الحتة والحبايب أكدوا حضورهم.

أما شقتي اللي في شبرا… فكانت شقا عمري وأغلى حاجة أملكها.

اشتريتها بعد سنين طفح دم وشغل، وقرض قطم ضهري من البنك، وجزء من القرشين اللي أمي سابتهالي قبل ما تكل تكلها.

عنتر كان دايمًا يقولي:

“هي باسمك دلوقتي يا صابرين… بس بعد الجواز اللي معايا معاياكي وكل حاجة هتبقى بتاعتي وبتاعتك، إحنا واحد.”

وكنت هبلة وبعتبرها كلمة حب وسند.

طلعت للدور الثالث, ولسه هحط إيدي على الجرس…

سمعت صوت حماتي “أم عنتر”.

كانت بتدش الكلام بصوت عالي، ومش في بالها واصل إنّي واقفة على السلم برة.

قالت:

“صابرين بتعشق تراب رجلين عنتر، وهتبصم على عقد بيع الشقة كلها وهي مغمضة من غير ما تحس… الشقة لوحدها تعملها ملايين في الحتة دي، البيعة دي هتنقذ أخوه الكبير من الحبس وتسدد كل قرش عليه.”

وضحت أخت عنتر وهي بتموت من الضحك:

“وكمان نعملها دفتر توفير مشترك تودع فيه ورث أمها، وساعتها أقدر أجيب العربية الكيا اللي نفسي فيها وأقهر بيها أصحابنا… البت دي جاية برزقها لينا يا أمي.”

حسيت ركبي سابت ومش شايلاني.

دا من ساعة واحدة بس…

حماتي كانت واخداني في حضنها وبتبوس راسي وتقولي:

“إنتِ بنتي اللي ما خلفتهاش يا صابرين.”

وأخته كانت بتدمع من الفرحة وتقول إنها مش مصدقة إني هبقى فرد من العيلة.

وفجأة…

لقيتهم بيقطعوا فروتي وبيتكلموا عني كأني “سبوبة” أو صيد ثمين وطالعين منه بـ “شقة ملك”.

حماتي كملت ووشها مكشوف:

“بعد الدخلة مش هتعرف تفتح بقها ولا تتراجع… هي بتخاف من كلام الناس والطلاق في أول يوم… ولو عصلجت بعد ما نبيع الشقة، بالسلامة… الطلاق أسهل منه مافيش، والمهم الشقة بقت في جيبنا.”

قالت أخته:

“عنتر مجهز كل ورق التنازل والبيع… هيقولها دي أوراق تابعة لشركة الإسكان عشان يدخلوا الغاز والكهرباء باسمه… وهتمضي من غير حتى ما تلمح المكتوب.”

قلبي كان هيقف من الغدر.

فتحت شنطتي براحة من غير ما أعمل صوت، وشغلت تسجيل الصوت في الموبايل، ولزقته في الباب.

لكن اللي سمعته بعدها… كان الخازوق الأكبر.

قالت أخته:

“أنا بس خايفة عنتر يصعب عليه الحب اللي بينهم ويجيله تأنيب ضمير عشان هياخد شقتها كلها.”

ردت حماتي بمنتهى الجبروت والبرود:

“هيفوق ويبقى زي الفل أول ما فلوس البيع والشراء تدخل جيبه… وبعدين فكرة لحس الشقة كلها وطردها كانت فكرته هو من الأول والآخر.”

في اللحظة دي…

عرفت إن عنتر مش مغسول دماغه ولا ضحية لأمه.

دا كان هو راس الحية والشريك الكبير في كل حاجة.

قفلت التسجيل، وحطيت الموبايل في الشنطة، ونزلت على السلم جري وأنا مش شايفة قدامي.

ونسيت السلسلة…

أول مرة في حياتي أنسى ذكرى أمي.

بصيت لنفسي في مراية مدخل العمارة…

وشفت واحدة وشها مخطوف وأصفر زي الليمونة من الصدمة…

بس استعوضت ربنا وقررت أقف على رجلي.

أول ما ركبت الميكروباص…

رن موبايلي.

كان عنتر.

“وصلتي يا قلبي؟… بكره هنقفل علينا باب واحد ونبدأ حياتنا.”

#حكايات_رومانى_مكرم

بصيت على نور بلكونة أمه…

وقلت بنبرة هادية تخوف:

“عنتر… إنت بتحبني بجد ولا بتحب شقتي؟”

سكت كام ثانية… وتلعثم…

وقال:

“أكيد بحبك يا بنتي… بتسألي الأسئلة دي ليلة الفرح ليه؟”

قلت:

“ولا حاجة… ريح نفسك وتصبح على خير.”

وقفلت السكة في وشه.

ومشيت…

وأنا لسه ماكنتش أعرف إن التسجيل ده… مجرد أول خيط في اللعبة.

لأن الحقيقة اللي هصطدم بيها تاني يوم الصبح…

هتكون مصيبة أخطر بكتير…ووو

…

**الجزء الثاني: كابوس في مصلحة الشهر العقاري**

نزلت من الميكروباص ورجلي مش شايلاني، دخلت شقتي في شبرا—الشقة اللي دفع ثمنها دم قلبي وصحة أمي الله يرحمها. قفلت الباب ورايا بالمفتاح والترباس، وسندت ضهري عليه وبكيت بكاء عمري كله ما بكيته. خمس سنين قصة حب وكفاح، خمس سنين وأنا بحوش القرش على القرش مع إنسان كنت فاكراه سندي، وطلع هو وأهله مستنيين اللحظة اللي ينهشوا فيها لحمي.

طول الليل عيني ما غفلتش. صوت حماتي وأخته وعنتر وهو بيقول “أكيد بحبك يا بنتي” كان بيرن في ودني زي الفحيح. الفستان الأبيض كان متعلق قدامي، بدل ما أشوفه فرحة عمري، بقيت أشوفه كفن لكرامتي وأماني.

الساعة دقت تمانية الصبح. المفروض إن الكوافير بعد كام ساعة، والناس بتبدأ تتجمع. مسكت موبايلي، وبعت رسالة واحدة لعنتر وأمه وأخته في “جروب العيلة” اللي كانوا عاملينه: **”الفرح لغي، وكل شيء قسمة ونصيب، وكل واحد يروح لحاله.”**

قفل تليفوني ما كملش ثواني وبدأ ينفجر مكالمات. عنتر، حماتي، أخته، حتى خيلاني وأعمامي اللي وصلتهم الأخبار من أمه. قفلت الموبايل خالص. مش هسمع كدب تاني، ومش هبرر لحد دلوقتي. أنا لازم أحمي نفسي الأول.

نزلت بسرعة ورحت على مجلس المدينة ومصلحة الشهر العقاري القريبة من الشقة. قلت لنفسي لازم أعمل “استعلام” على الشقة وأتأكد إن ما فيش أي إجراء غريب حصل، أو على الأقل أعمل محضر إثبات حالة أو استشارة محامي عشان أمنع أي تلاعب ممكن يحصل بكره وبعده بناءً على اللي سمعته.

وقفت في الطابور، وقلبي بيدق بعنف. وصلت للموظف المسؤول، واديتله بطاقتي وعقد الشقة الأخضر المسجل.

“لو سمحت يا أستاذ، عايزة أعمل استعلام حظر تصرف أو أتأكد إن الشقة ما اتعملش عليها أي توكيل أو بيع.”

الموظف أخد العقد والبطاقة، وبدأ يكتب على الكمبيوتر ببرود قاتل وهو بيشرب الشاي. وفجأة، حرك نظارته لفوق، وبصلي بنظرة غريبة واستغراب:

“أنتِ يا آنسة صابرين اللي في البطاقة دي؟”

قلتله بخوف: “آه أنا.. في حاجة يا فندم؟”

قال وهو بيلف الشاشة ناحيتي: “يا بنتي الشقة دي مش باسمك عشان تعملي عليها استعلام.. الشقة دي اتباعت من أسبوع!”

حسيت إن الأرض لفت بيا، والسقف كان هيقع فوق دماغي.

“بتقول إيه يا أستاذ؟! أسبوع إيه؟ الشقة دي ملكي وعقدها معايا أهو!”

الموظف طلع دفتر السجلات الكبيرة وضغط على الكيبورد وقال: “العقد اللي معاكي ده قديم.. من ست أيام بالظبط، اتسجل هنا عقد بيع نهائي وتنازل من صابرين عبد الحميد (اللي هي أنتِ) للأستاذ عنتر ممدوح. والامضاء والتبصيم بتوعك موجودين وموثقين رسمي، وبشهادة اتنين شهود!”

صرخت وسط صالة الشهر العقاري والناس كلها اتلمت حواليا: “تزوير! والله العظيم تزوير! أنا ممضيتش على حاجة، ولا جيت هنا من سنة! ده غفلني وزور إمضتي!”

الموظف حاول يهديني: “يا آنسة، الورق سليم وصورتك وبطاقتك وكل حاجة متدبسة في الطلب.. لو في تزوير يبقى لازم تروحي النيابة فوراً وتعملي بلاغ طعن بالتزوير وتطلبي خبير خطوط.”

طلعت من الشهر العقاري وأنا بجر رجلي، الدنيا اسودت في عيني. عنتر ماستناش لما نتجوز ويمضيني زي ما أمه قالت! عنتر كان سارق نسخة من بطاقتي، وبحكم إنه كان بيساعدني في إجراءات إدخال المرافق زمان، قدر يوصل لصور مستندات ملكيتي، وزور إمضتي وبصمتي بطريقة محترفة قبل الفرح بأسبوع عشان يضمن إن الشقة بقت في جيبه سواء وافقت أو رفضت بعد كده!

في اللحظة دي، فتحت الموبايل وأنا في قمة انهياري. لقيت أكتر من خمسين مكالمة فايتة، ورسالة من عنتر بيقول فيها بجاحة:

**”فركشتي الفرح يا صابرين؟ طب لمي هدومك بقى واطلعي من الشقة دي بالذوق، لأن الشقة دي بقيت ملكي قانوناً، والبيعة للمشتري الجديد هتتم العصر، وهتمشي بفضيحتك وسط الحتة كلها!”**

وقفت في وسط الشارع، الدموع جفت في عيني وحل مكانها غل ونار. بصيت للموبايل، وافتكرت تسجيل الصوت اللي سجلته بالليل على باب حماتي.. التسجيل اللي فيه أخته بتقول: *”عنتر مجهز كل ورق التنازل والبيع.. وهتمضي من غير ما تلمح المكتوب”* وأمه بتقول *”فكرة لحس الشقة كلها كانت فكرته هو”*.

التسجيل ده رغم إنه بيتكلم عن نية مستقبلية، بس هو الدليل الوحيد اللي هيثبت المؤامرة والنية، وهيقلب التربيزة على راس الحية وأمه.

مسكت تليفوني، وطلبت رقم محامي من أصدقاء والدي الله يرحمه، وقلتله بنبرة مرعبة:

“أستاذ صبري.. أنا اتنصب عليا وشقا عمري راح.. وعايزة أرفع قضية تزوير وجناية النصب، ومعايا دليل هيدخل عيلة كاملة السجن.”

المحامي قال لي: “تعاليلي المكتب فوراً يا بنتي.. بس قبل ما تيجي، اوعي تخشي الشقة، واقفي في مكان عام.. عنتر زمانه رايح الشقة دلوقتي ومعه بلطجية أو المشتري الجديد عشان يطردوكِ ويثبتوا وضع اليد!”

وفعلاً، وأنا بتكلم مع المحامي، جالي إشعار من كاميرا المراقبة الصغيرة المخفية اللي أنا مركباها فوق باب شقتي في شبرا وربطاها بموبايلي.. فتحت البث المباشر، وشفت منظر خلاني أبتسم ابتسامة توعد..

شفت عنتر، ومعه أمه، وأخته، وراجل غريب لابس بدلة (غالباً المشتري)، ومعاهم نجار بيحاول يكسر قفل الباب بتاعي..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *