بعد دقائق فقط من توقيع أوراق3

نظر المحامي إلى شاشة هاتفه، وتغيرت ملامحه الهادئة فجأة إلى جدية شديدة. رفع يده مشيرًا لريكاردو بأن يتوقف عن التوقيع للحظة، ثم أجاب على المكالمة.

كان الصمت في الصالة ثقيلًا ومطبقًا، ولم يكن يُسمع سوى صوت أنفاس ريكاردو المتهدجة وشهقات فيوليتا المستمرة. تراجع المحامي خطوتين إلى الخلف، وبدأ يستمع للطرف الآخر بتركيز، ويكتفي بعبارات مقتضبة: «نعم… متى حدث هذا؟… هل المستندات جاهزة؟… حسناً، أرسلها فوراً».

أغلق الهاتف، والتفت إليّ وعيناه تحملان نظرة لم أفهمها في البداية. اقترب مني وهمس بصوت منخفض:

«سيدتي، لدينا تطور جديد خطير. المتصل هو المدير المالي الرئيسي لمجموعتنا… يبدو أن ريكاردو لم يكن الوحيد الذي يتلاعب بالحسابات الفرعية للشركة».

شعرت بوخزة قلق، لكنني حافظت على ثباتي. وقلت بصوت مسموع:

«ماذا هناك يا أستاذ كارلوس؟ تحدث أمام الجميع، لم يعد هناك ما نخفيه».

نظر المحامي إلى ريكاردو، ثم وجه نظراته مباشرة نحو أمه، السيدة ماريا، التي تيبست في مكانها فجأة وابتلعت ريقها.

قال المحامي بنبرة حاسمة:

«قبل نصف ساعة، أطلق النظام الأمني للبنك إنذارًا آخر يتعلق بطلب تحويل ضخم من الحساب الاستثماري المغلق لوالد إيلينا الراحل… الحساب الذي لا يملك حق الوصول إليه سوى إيلينا حصريًا. شخص ما حاول كسر الوديعة وسحب مبلغ خمسة ملايين بيزو باستخدام توكيل عام قديم وملغى».

اتسعت عينا ريكاردو بذهول حقيقي، والتفت نحو أمه وصاح بصوت مرتجف:

«أمي؟! ما الذي فعلتِهِ؟!»

انهارت السيدة ماريا تمامًا، وسقطت على ركبتيها وهي تخفي وجهها بيديها وتصرخ:

«كان هذا حقي! لقد عشت معها ثلاث سنوات وخدمتها كابنة لي! عندما أخبرني ريكاردو أنه سيتطلق ويترك البيت، ذهبت إلى البنك بالتوكيل القديم الذي نسيت إيلينا إلغاءه قبل سنتين… ظننت أن المال سيتحول قبل أن تكتشف المحكمة شيئًا! أردت تأمين مستقبلنا بعد أن تطردنا!»

نظرتُ إليها باشمئزاز لم أشعر به من قبل. التوكيل الذي تتحدث عنه كنت قد منحته لها ذات مرة بحسن نية كاملة، لتسيير بعض الأمور المالية للشركة عندما كنت في المستشفى أتعافى من وعكة صحية شديدة. لم أكن أتصور أن جشعها سيعميها إلى حد محاولة سرقة إرث والدي الراحل.

قلت لها بنبرة هادئة ولكنها تحمل غضبًا يزلزل الأرض:

«لقد ألغيتُ ذلك التوكيل قانونيًا منذ ستة أشهر يا سيدة ماريا، بمجرد أن بدأت أشك في تصرفات ابنك. محاولتك اليوم ليست مجرد خطأ… إنها جناية تزوير واستخدام مستند ملغى لسرقة أموال مجمّدة».

التفت المحامي إليّ وقال:

«الشرطة البنكية أوقفت المعاملة فورًا، والآن هناك دورية شرطة في طريقها إلى هنا بناءً على بلاغ تلقائي من قسم مكافحة الاحتيال في البنك. الأمر تجاوز حدود التسوية الودية التي كنا نعرضها الآن».

ساد الذعر المكان. فيوليتا بدأت تصرخ مجددًا مطالبة برحيلها لأنها لا علاقة لها بعائلة ريكاردو المجنونة، بينما انهار ريكاردو تمامًا، وأمسك بالقلم ووقع على وثيقة التنازل وإقرار الديون وهو يبكي ويده ترتجف، ثم ألقى بالقلم على الأرض قائلاً بنحيب:

«وقعتُ على كل شيء! أرجوكِ يا إيلينا، خذي الخاتم، خذي البيت، خذي كل ما تملكين… لكن لا تدعي الشرطة تأخذ أمي! هي لم تكن تعي ما تفعل!»

في تلك اللحظة بالذات، دوت أصوات صفارات إنذار الشرطة بالخارج، وانعكست الأضواء الحمراء والزرقاء عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة لقصر كويواكان، لتعلن أن وقت الكلام قد انتهى، وأن الحساب الحقيقي قد بدأ للتو.

نظرتُ إلى ريكاردو، ثم إلى أمه، ثم إلى فيوليتا، وقلت:

«لقد اخترتم نهايتكم بأنفسكم… والآن، افتحوا الباب للشرطة».

لكن قبل أن يتحرك رجال الأمن لفتح الباب، انطفأت أنوار المنزل بالكامل وفُصل التيار الكهربائي عن الحي بأكمله، ليغرق الجميع في ظلام دامس…

ساد الظلام الدامس في أرجاء قصر كويواكان، وتوقفت الشاشة المضاءة فجأة ليختفي كشف الحساب البنكي، ولم يتبقَ سوى الأضواء الحمراء والزرقاء المنبعثة من سيارات الشرطة في الخارج، وهي تخترق النوافذ الزجاجية الاستعمارية لتلقي بظلال متحركة مخيفة على وجوه الجميع.

تعالت الصرخات في العتمة؛ صرخت فيوليتا وهي تحاول تلمس طريقها نحو الباب، وتعثرت السيدة ماريا بنحيب هستيري وهي تنادي على ابنها، بينما صرّ ريكاردو على أسنانه وصاح بذعر:

«إيلينا! ما الذي يحدث؟ هل قطعتِ الكهرباء لتمنعينا من الخروج؟!»

صوت رجال الأمن الفيدراليين كان حازمًا في الظلام، وضغطوا على أزرار كشافاتهم اليدوية لتنطلق خطوط ضوئية بيضاء حادة اخترقت العتمة. قال أحدهم بصوت جهوري:

«الجميع يثبت في مكانه! لا أحد يتحرك!»

في تلك اللحظة، دفع رجال الشرطة الباب الخارجي بقوة ودخلوا الصالة، وبأيديهم كشافاتهم أيضًا. تقدم الضابط المسؤول، ونظر إلى المشهد المرتبك: أوراق متناثرة، صناديق كرتونية، وعائلة منهارة.

وجه الضابط كلامه للمحامي وكشاف هاتف المحامي يضيء وجهه:

«تلقينا بلاغًا عن محاولة سحب غير قانوني باستخدام توكيل ملغى من البنك القريب، والسيستم أظهر أن مقدمة الطلب تقطن في هذا العنوان. من هي السيدة ماريا؟»

أشارت الإضاءة نحو أم ريكاردو التي كانت تجلس على الأرض مستندة إلى أريكة، ووجهها شاحب كالموتى. تقدم الشرطيان نحوها، ورفعاها من ذراعيها برفق ولكن بحزم.

صاح ريكاردو وهو يحاول الاعتراض:

«سيدي الضابط، أرجوك! أمي امرأة عجوز ومريضة، أنا من أتحمل المسؤولية! لقد وقعتُ على التسوية، وأعدتُ الأموال للشركة!»

تدخل محاميّ كارلوس فورًا، ووجه إضاءة كشافه نحو الأوراق الموقعة على الطاولة وقال:

«أيها الضابط، المتهم ريكاردو وقع بالفعل على إقرار باختلاس ثلاثة ملايين بيزو والتنازل عن العقار. ولكن محاولة السرقة والتزوير التي قامت بها السيدة ماريا هي قضية جنائية منفصلة تمامًا تخص مصرف المكسيك الفيدرالي، وليست مجرد خلاف عائلي».

التفتت فيوليتا للضابط وصرخت بدموع مصطنعة وهي تحاول استغلال الموقف:

«سيدي الضابط! أنا لا علاقة لي بهؤلاء اللصوص! أنا مجرد ضحية، ريكاردو خدعني واستغلني، وأنا مستعدة للإدلاء بشهادتي ضده وضد أمه في المقابل أن أخرج من هنا الآن!»

نظر إليها ريكاردو بنظرة مليئة بالصدمة والاحتقار، وأدرك أخيرًا — بعد فوات الأوان — أن المرأة التي خانني لأجلها، وباع بيته وتاريخه من أجل إرضائها، كانت أول من طعنه في ظهره عند أول بادرة خطر.

التفت الضابط إليّ، وقال باحترام:

«سيدة إيلينا، بصفتكِ المالكة القانونية للمنزل والشركة المتضررة، نحن بحاجة لجهوزيتكِ غدًا صباحًا في النيابة العامة لتقديم المستندات الأصلية وإتمام البلاغ».

أومأتُ برأسي بهدوء، وقلت بصوت واثق:

«المستندات كلها جاهزة مع المحامي يا سيدي، ولن أتطرق لأي تسوية ودية في الحق الجنائي».

ساق رجال الشرطة السيدة ماريا وهي تبكي وتتوسل، وخلفها ريكاردو الذي انحنت قامته تمامًا وفقد كل ذرة وسامة أو غطرسة كان يتفاخر بها باكرًا في المحكمة. أما فيوليتا، فقد أخذ رجال الأمن الفيدراليون بياناتها واحتجزوا حقيبتها وجهاز التخزين الرقمي تمهيدًا لاستدعائها الرسمي في قضية التجسس الصناعي.

بدأ العمال في نقل الصناديق الفارغة للخارج، ولم يتبقَ في الردهة الواسعة سوى أنا ومحاميّ.

أخرجتُ تنهيدة طويلة كنتُ أكتمها منذ ثلاثة أشهر كاملة. نظرتُ إلى قصر كويواكان الظالم، وشعرت لأول مرة بجدرانه تتنفس الحُرية الحقيقية بعد أن تطهرت من الخيانة.

التفتُّ إلى الأستاذ كارلوس وقلت:

«انتهى الجزء الصعب… أليس كذلك؟»

نظر إليّ المحامي، وأعاد الخاتم الألماسي ذا الثلاثة ملايين بيزو إلى علبته المخملية، ثم ابتسم ابتسامة غامضة وقال:

«قضية ريكاردو وأمه انتهت تقريبًا يا سيدة إيلينا… لكن قبل أن نغادر، هناك حقيقة أخيرة بخصوص شقيق فيوليتا والشركة المنافسة التي نقلت إليها الملفات، حقيقة ستغير مجرى كل شيء في الغد».

عقدتُ حاجبيّ ونظرتُ إلى المحامي كارلوس بوجل: «حقيقة تخص شركة شقيق فيوليتا؟ ماذا تقصد؟ أليست مجرد شركة ناشئة تحاول سرقة عملائي؟»

أخرج كارلوس مستندًا أخيرًا من جيب حقيبته الداخلي، وسلّطه تحت ضوء كشّافه اليدوي، وقال بنبرة هادئة حملت صدمة لم أكن أتوقعها:

«الشركة مسجلة باسم شقيقها كواجهة قانونية فقط يا سيدة إيلينا… لكن المموّل الخفي والشريك بنسبة 70% في تلك الشركة، والذي ضخّ الأموال لسرقة تصاميمكِ وتدمير LNA… هو شريككِ التجاري الأكبر، وعضو مجلس الإدارة في شركتكِ: السيد ألبرتو».

شعرتُ وكأن الأرض دارت بي. ألبرتو؟ صديق والدي الراحل، والرجل الذي كنتُ أعتبره بمثابة عمّ لي ومستشار مالي أمين!

تابع كارلوس:

«ألبرتو كان يعلم أنكِ قوية، وأنكِ لن تفرّطي في إرث والدكِ بسهولة. لذلك، استخدم ريكاردو وفيوليتا كأحجار شطرنج. فيوليتا كانت تنقل التصاميم بعلم ألبرتو، وريكاردو كان يسرق الحسابات الفرعية بتسهيل غامض من الإدارة المالية التي يسيطر عليها ألبرتو، والهدف كان إفلاس شركتكِ لتجدي نفسكِ مجبرة على بيع حصتكِ له بالبخس».

ضحكتُ بصوت مسموع في وسط الظلام، لكنها كانت ضحكة قوة، لا ضحكة انكسار.

قلتُ وعيناي تتوقدان إصرارًا:

«إذن، كانوا يظنون أنني صيد سهل… زوج خائن، وعشيقة جاسوسة، وشريك خبيث. ظنوا أن طلاقي الصباحي سيكون جنازتي الفنية والمالية».

أخذتُ العلبة المخملية التي تحتوي على الخاتم ذي الثلاثة ملايين بيزو من يد المحامي، وأغلقتها بقوة وضعتها في حقيبتي، ثم نظرتُ إلى جدران منزل كويواكان الاستعماري الذي عاد إليه التيار الكهربائي فجأة، ليتلألأ القصر بأنواره كاملة وكأنه يعلن بداية عصر جديد.

قلتُ لكارلوس وأنا أتجه نحو الباب الخارجي بخطوات ثابتة وثقة لا تهتز:

«ريكاردو وعائلته وفيوليتا أصبحوا في قاع السقوط… وغدًا في الساعة التاسعة صباحًا، سأعقد اجتماعًا طارئًا لمجلس الإدارة. سأدخل وأنا أحمل هذا الخاتم، وملفات التجسس، وأمر النيابة العامة».

التفتُّ للمرة الأخيرة قبل أن أغلق خلفي باب القصر، وتابعتُ بابتسامة منتصرة:

«لقد أرادوا إنهاء قصتي… لكنهم لا يعلمون أنني الليلة، أعدتُ كتابة البداية الحقيقية فقط».

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *