حماتى عزمتنى 2
شاورت لمروة بإيدي عشان تهدا وتتنفس، وقلت لها بصوت واطي ومسموع: “ردي عليه يا مروة، وافتحي الإسباكر.. بس إياكي صوتك يرعش أو يحس إنك خايفة، اسمعي هو عايز إيه الأول.”
مروة بلعت ريقها بصعوبة، وضغطت على زرار الرد وفتحت المايك، وإيدها كانت بتترعش لدرجة إن التليفون كان هيقع منها. أول ما الخط فتح، مكنش صوت أحمد الطبيعي.. كان صوت بني آدم تاه منه عقله، صوت مليان غل وعصبية ونهجان عالي كأنه بيجري:
“إنتي فين يا مروة؟ محمود معاكي؟”
مروة بصت لي وهي مرعوبة، فهزيت راسي بمعنى “جاوبي عادي”، فقالت بصوت متحشرج: “آه يا أحمد.. أنا ومحمود سبنا البيت ونازلين، إنت فيين وإيه اللي بتعمله ده؟”
أحمد زعق بصوت هز سماعة التليفون: “محمود ده حسابه معايا بعدين عشان وقف قصادي عشان خاطر حتة حُرمة! أنا بكلمك إنتي عشان عارف إنك لقطة ومبتفوتكيش فايتة.. صبر فين يا مروة؟ صبر خرجت من البيت ومعاها شنط هدومها، وأنا قالب عليها الدنيا في بيت أهلها وفي كل حتة ومش لاقيها.. أظن إنتي كنتِ دايماً حاطة عينك في حياتها وعارفة عن مشاويرها وشغلها أكتر مني، انطقي يا مروة، البت دي راحت فين؟!”
مروة بصت لي وعينيها بتترجاني أتكلم، فأشرت لها بصباعي على بوقي بمعنى “اسكتي”، وشاورت لها بإيدي التانية إنها تنكر. مروة لمت شتات نفسها وقالت: “وأنا هعرف منين يا أحمد؟ أنا مالي ومال مرتك! إحنا في مصيبتنا.. أمك خربت بيتي وخلت محمود يطلقني، وأنا دلوقتي رايحة لبيت أبويا ودموعي على خدي، هدور لك على مرتك فين بس في ليلتكم السودة دي؟!”
أحمد سكت لحظة، ونبرة صوته بقت أرعب وأهدى، وقال ببطء يقطع النفس: “ماشي يا مروة.. بس وحياة أمي، لو عرفت إنك مخبية عليا حاجة، أو إنك عارفة طريقها ومقولتيش، ليكون حسابي معاكي أنتي ومحمود أشد من حسابي معاها.. أنا وراها والزمن طويل، ومش ههدا ولا هيرتاح لي بال إلا لما أجيبها من شعرها وأجرجرها لحد رجل أمي تبوسها قدام العمارة كلها.. اقفلي!”
الخط قطع، والصمت حل في الصالة.. مروة رمت التليفون على الكنبة وقعدت تعيط وتهز في جسمها: ” شوفتي؟ شوفتي الوعيد؟ أحمد اتعمى يا صبر، الحاجة ثريا غسلت مخه وسقته سم لحد ما مبقاش شايف قدامه.. إنتي لازم تمشي من هنا، أحمد مش هيسكت، ولو تتبّع خطواتك أو سأل حد من صحابك في الشغل هيوصل للشقة دي!”
وقفت بكل ثبات، ورحت المطبخ عملت كوبايتين ليمون دافي، وجيت قعدت جنبها وحطيت الكوباية قدامها وقلت بنبرة خالية من أي خوف: “يشرب ليمون الأول ويهدي أعصابك يا مروة.. أحمد ميعرفش يعمل حاجة، أحمد آخره صوت عالي وزعيق عشان يرضي نرجسية أمه، إنما كفعل؟ هو أجبن من إنه يواجه ست وقفت في وشه وقالت له لأ.”
مروة بصت لي بذهول: “إنتي حاطة في بطنك بطيخة صيفي وإحنا في كارثة؟ يا بنتي ده قالب الدنيا عليكي!”
ابتسمت بمرارة وقلت لها: “يا مروة، السنين اللي عشتها في البيت ده علمتني أقراهم كويس.. الحاجة ثريا ميهمشاهاش أحمد، يهمها لقطة “السيطرة”، إنها تكسر أي ست تدخل بيتها عشان تفضل هي الآمرة الناهية. وأحمد طول عمره “ابن أمه”، مبيتحركش إلا بـ ريموت كنترول من وراها. عارفة هو قالب الدنيا عليا ليه دلوقتي؟ مش عشان بيحبني ولا عشان متمسك بيا.. هو بيدور عليا عشان يداري خيبته قدام أمه وسلايفه بعد ما لويت إيد أمه ومشيت وكشفت حقيقته قدام الكل.”
سكت شوية وبصيت للشقة الجديدة، وكلمت مروة بثقة: “أنا مش هسيب شقتي، ولا هجري أستخبى في مكان.. أنا تعبت وشقيت في شغلي عشان أأمن نفسي لليوم ده، والشقة دي متأمنة بـ كاميرات وبواب وحراسة، والمنطقة هنا مش زي حتتنا القديمة.. هنا النفس بحساب، ولو فكر بس ييجي يلطش عند الباب، الأمن هيحبسه قبل ما يلمح طيفي.”
مروة شربت بوق ليمون وبدأت تهدا، وقالت بنبرة ندم: “أنا أسفة يا صبر.. أسفة على كل مرة وقفت فيها مع الحاجة ثريا ضدك، وعلى كل كلمة مصمصت فيها شفايفي عشان أرضيها.. كنت فاكرة إن بكده هبقى في الأمان وهتحبني، ومكنتش أعرف إن الدور هييجي عليا وأتطرد من بيتي بكلمة منها!”
طبطبت على إيدها وقلت: “المهم إنك فوقتي يا مروة.. وعَرَفتي إن اللي يبيع مرة يبيع ألف، والبيت اللي ملوش كبير عاقل بيخرب على دماغ الكل.. إنتي هتقعدي معايا هنا الليلة دي، لحد ما الصباح رباح، ونشوف محمود جوزك هيعمل إيه مع أمه وأخوه.”
عدت الساعات تقيلة ومملة.. مروة نامت من كتر التعب والعياط على الكنبة في الصالة، وأنا دخلت أوضتي بس عيني مغمضتش. كنت براجع شريط حياتي مع أحمد، من أول يوم خطوبة لحد القلم اللي كتمته في الهوا الليلة دي.. كنت بسأل نفسي: هل أنا ندمانة؟ والإجابة كانت دايماً تطلع من جوايا: “لأ.. والحمد لله إني فوقت قبل ما العمر يجري بيا أكتر من كده.”
على الساعة ٥ الفجر، والشمس لسه بتشقشق بنورها الضعيف، صحيت على صوت إشعار غريب في تليفوني..
فتحت الشاشة لقيت رسالة مبعوتة لي من رقم غريب على الواتساب.. فتحت الرسالة، ولقيت صورة مبعوتة.. أول ما شوفت الصورة، دمي اتجمد في عروقي، والنفس اتقطع من صدري..
الرسالة كانت صورة لـ بابا وماما في بيتها، وأحمد قاعد في وسطهم وبيبتسم ابتسامة خبيثة، ومكتوب تحت الصورة:
“نورت بيت حمايا الغاليين يا صبر.. مستنيكي تيجي تاخدي مامتك وباباكي من هنا، عشان عيب يقضوا بقية عمرهم في القسم بسبب الشيكات اللي باباكي كان ماضيها ليا عشان يجهزك!”
تلفوني كان هيقع من إيدي، والدموية هربت من وشي كله. قعدت على السرير وأنا حاسة بإن الأوضة بتلف بيا. الشيكات! إزاي غابت عن بالي الحكاية دي؟
أبويا، الراجل الطيب الغلبان اللي ملوش في اللف والدوران، يوم جوازي من أحمد مكنش معاه يكمل بقية الأجهزة، وأحمد وقتها عمل فيها شهم وابن أصول وقال له: “عيب يا عمي إحنا واحد، أنا هشتري الحاجة دي وأنت هتمضي لي على شيكات على بياض كضمان لحد ما ربنا يفرجها عليك وتدفعهم براحتك.” أبويا وافق بحسن نية، ومرت السنين وأحمد كان دايماً يقول لي: “شيكات إيه يا هبلة اللي أسأل أبوكي عليها؟ ده أبويا التاني والشيكات دي أنا قطعها من زمان!”
طلع مقطعهاش.. طلع شايلها لليوم الأسود ده، زي الحية اللي بتستني اللحظة المناسبة عشان تبخ سمها.
قمت من على السرير زي المجنونة، وخرجت الصالة وأنا بفرك في إيدي وعقلي شغال زي الماكينة. مروة صحيت على صوت حركتي السريعة، فركت عينيها وقالت بخضة: “في إيه يا صبر؟ وشك قالب أصفر كده ليه؟ أحمد عمل إيه؟”
رميت لها التليفون في حجرها وقلت بصوت بيترعش من الغضب: “شوفي ابن الحاجة ثريا.. شوفي الندل الواطي واصل لفين!”
مروة قرت الرسالة وشافت الصورة وحطت إيدها على صدرها: “يا نهار مش فايت! الشيكات؟ ده جاحر ومخطط لكل حاجة! طب هتعملي إيه يا صبر؟ أحمد مش هيرحم أبوكي، ده لو ودا الشيكات دي القسم، أبوكي ممكن يروح فيها، الراجل صحته على قده وميستحملش بهدلة الأقسام!”
“مش صبر اللي تتلوي إيدها يا مروة.. مش بعد ما وقفت ورفعت راسي قدام أمه، هاجي دلوقتي وأركع له!”
نطقت الجملة دي وأنا بحاول أجمع شتات نفسي. دخلت الحمام غسلت وشي بمية ساقعة عشان أفوق، ووقفت قدام المراية وبصيت لعينيا.. مكنش ينفع أضعف، الأب والأم خط أحمر، وأحمد لعب في المنطقة الغلط اللي هتكون نهايته فيها.
خرجت لبست هدومي بسرعة، مروة وقفت وقالت لي: “أنا جاية معاكي يا صبر، مش هسيبك لوحدك في المحنة دي، ومحمود جوزي زمانه بيدور عليا وهخليه ييجي معانا عشان يقف لأخوه.”
قلت لها بحسم: “تنسي محمود وتنسي أي حد دلوقتي.. إحنا هنروح، بس مش هنروح نعيط ونبوس الأيادي. أحمد فاكر إنه ماسك عليا ذلة، وميعرفش إن اللي بيته من إزاز ميحدفش الناس بالطوب.”
نزلت أنا ومروة وركبنا العربية، وطول الطريق وأنا بكلم محامي زميلي في الشغل، بيفهم في القضايا دي كويس. شرحت له الموقف بسرعة، فقالي بالنص: “يا صبر، الشيكات على بياض دي س*لاح ذو حدين، لو ثبت إنها شيكات ضمان لجواز أو إن مفيش معاملة تجارية حقيقية بين أحمد وباباكي، بنعمل حاجة اسمها ‘طعن بالصورية وخيانة ائتمان’.. بس ده بياخد وقت في المحاكم، والندل اللي معاكي ده شكله عايز يجرجر الراجل للقسم دلوقتي عشان يكسر عينك، فانتي لازم تكسري عينه بحاجة تخليه يسلم الشيكات دي في إيدك فوراً.”
الحل كان عندي.. في فلاشة صغيرة شايلاها في محفظتي من سنتين.
أحمد بحكم إنه شغال في شركة مقاولات كبيرة، كان ساعات بيجيب شغل البيت ويدخل يقعد بالليل يراجع حسابات ودفاتر. وفي ليلة من السنين اللي فاتت، كان سيب لاب توب الشركة مفتوح وبيرغي في التليفون مع أمه، وأنا بالصدفة البحتة لمحت ملفات وأرقام وحسابات لـ “مواد بناء ومناقصات” مضروبة، وأرقام بتدخل جيبه من ورا أصحاب الشركة كـ “عمولات تحت التربيزة”.. صورت كل الورق ده وحطيته على فلاشة، مكنتش ناوية أأذيه، كنت دايماً أقول ده جوزي وأبو بيتي، بس كنت شايلاها للزمن.. وأهو الزمن جه!
وصلنا بيت أبويا على الساعة ٧ الصبح. طلعت السلم وقلبي بيدق زي الطبل، فتحت الباب بالمفتاح ودخلت..
المنظر كان يقهر.. أبويا قاعد على الكرسي حاطط راسه بين إيديه وعينيه دبلانة، وأمي قاعدة جنبه بتعيط وتدعي، وأحمد.. أحمد كان قاعد حاطط رجل على رجل على الكنبة، وفي إيده كباسة شاي بيشرب منها بكل برود، وأول ما شافني دخلت، ابتسم ابتسامة النصر وقام وقف:
“أهلاً يا ست صبر.. أهلاً يا شريفة يا بنت الأصول اللي بتلوي إيدين حماتها. أظن دلوقتي عرفتي مقامك؟ وعرفتي إن الله حق؟”
مروة دخلت ورايا وزعقت فيه: “إنت إيه يا أخي؟ معندكش دم ولا دين؟ جاي تتبلى على راجل في مقام أبوك عشان تكسر مرتك؟”
أحمد بص لمروة باحتقار وقال: “انتي تخرسي خالص يا مروة، حسابك مع محمود لما يجيلك، إنما هنا الكلام مع الست هانم مراتي اللي نسيت نفسها.” والتفت ليا وكمل بنبرة تشفي: “الشيكات دي قيمتها مكتوب فيها نص مليون جنيه يا صبر.. شوفي بقى هتحضري الفلوس دي منين، ولا هتيجي معايا دلوقتي حالا زي الشاطرة، تروحي بيت أمي، وتبوسي إيدها ورجلها قدام مروة وقدام سلايفك كلهم، وتعتذري لها، وترجعي شقتنا القديمة ورجلك فوق رقبتك، والشقة الجديدة اللي فرحانة بيها دي تكتبيها باسمي عشان أضمن إنك مش هتعملي ديل تاني!”
أبويا قام ودموعه على خده وقال بصوت يقطع القلب: “يا بنتي.. أنا أسف يا صبر، أنا اللي عملت فيكي كده بغبائي.. اطلعي مع جوزك يا بنتي ومتبهدليش أبوكي على كبر، أنا مش حمل حبس ولا بهدلة.”
رحت عند أبويا، بوست إيده ورأسه وقلت له بصوت قوي مسموع: “ارفع راسك يا بابا.. إنت مغلطتش، ومفيش كلب في الدنيا يقدر يمس شعرة منك طول ما أنا عايشة.”
التفت لأحمد، وقربت منه لحد ما بقت عيني في عينيه، وطلعت الفلاشة الصغيرة من محفظتي وحطيتها قدام عينه وقلت له ببرود وابتسامة سخرية: “عارف إيه دي يا أحمد؟”
أحمد حواحبه اتعقدت وقال باستخفاف: “إيه دي؟ هتذليني بفلاشة عليها أغاني؟”
ضحكت ولقنت عليه الكلام: “لأ.. دي عليها صور الدفاتر والمناقصات المضروبة بتاعة شركة المقاولات.. عليها اللعب في حسابات حديد التسليح والأسمنت اللي إنت وصاحبك المهندس كنتوا بتاخدوا تمنها في جيبكم.. وعليها أرقام الحسابات والتحويلات اللي بتثبت إنك سرقت من صاحب الشركة فوق الـ ٢ مليون جنيه.. تفتكر لو الفلاشة دي وصلت لمكتب رئيس مجلس الإدارة الساعة ٩ الصبح، إنت هتقضي بقية عمرك فين؟ أبويا هيدخل السجن في ق*ضية مدني شيكات ضمان، إنما إنت هتدخل السجن بقض*ية جناية اختلاس وسرقة وتزوير.. يعني هتنور ليمان طرة يا ابن الحاجة ثريا!”
أحمد الضحكة اختفت من على وشه تماماً، وشه اتقلب ألوان، وإيده اللي كانت ماسكة كوباية الشاي بدأت تترعش لدرجة إن الشاي دلق على بنطلونه.. بص للفلاشة وبص لي، ومبقاش عارف ينطق كلمة واحدة!
وفجأة، وإحنا واقفين في قمة الصمت والتوتر ده.. الباب اتفتح ودخل محمود جوز مروة، وكان معاه المفاجأة التانية اللي غيرت مجرى القاعدة كلها!