حكايات امانى السيد 2
وقفت حماتي مكانها مش عارفة تتحرك، عينيها كانت بتلف في الصالة كأنها بتدور على مخرج، ونبرة صوتها اللي كانت كلها كبرياء وغرور فجأة اتهزت. بصت لفستان عمتي اللي متعلق وراها، وبصت للركنة اللي في صالتها، وعرفَت إن اللعبة اللي لعبتها عليا اتقلبت فوق دماغها.
حماتي بنبرة محروقة وبتحاول تداري خوفها: “إنتِ فاجرة ومقشوطة يا هالة! بقا عشان حتتين قماش وكام كباية تروحي تبوظي جوازة أخت جوزك؟ وتجيبي أبوكي والمحاكم؟ ده إنتِ ما دخلتيش بيتنا من شهرين ولحقتي تفرقعي فينا كده؟”
قمت وقفت بكل ثبات، عدلت طرحتي وبصيتلها في عينها: “اللي بيبوظ جوازة بنتك هو طمعك يا ماما، مش أنا. أنا جيتلك بالذوق وقولتلك هاتي حاجتي، وإنتِ اللي قولتلي ‘أنسي وبلاش قلة ذوق’. شقا أهلي ودهبي مش هسيبهم يضيعوا عشان تمنظري بنتك. قدامك لحد العصر، لو حاجتي ما طلعتش شقتي، بابا والمحامي هيكونوا هنا، والبوليس هيعمل إثبات حالة قبل ما أهل العريس يوصلوا بليلة.”
سبتها واقفة بتغلي من الغيظ وطلعت شقتي. أول ما قفلت الباب، قلبي كان بيدق زي الطبل، بس كنت حاسة بنصر لأول مرة من أسبوعين. قعدت مستنية ومراقبة الوقت، والساعة كانت بتمر كأنها سنة.
على الساعة اتنين الضهر، سمعت خبط رزع على الباب. فتحت، لقيت أحمد واقف وشحارير الغضب والغل طالعة من عينه. دخل وزق الباب وراه بغل، وكان وشه أحمر وعروقه بارزة.
أحمد بزعيق هز الحيطان: “إنتِ إتجننتي يا هالة؟ بقا تنزلي لأمي وتهدديها بالبوليس وأبوكي؟ إنتِ فاكرة نفسك متجوزة مين؟ إنتِ بتلوي دراعي أنا وأمي في بيتنا؟”
وقفت قصاده ومنزلتش عيني من عينه: “أنا مبلويش دراع حد يا أحمد، أنا باخد حقي. أمك سرقتني جهاراً نهاراً وإنت وقفت تتفرج عليا وتقولي ‘عديها وعيشي على الأرض’. لو إنت مش راجل وقادر تحميني وتحمي حاجتي، يبقا أهلي هما اللي هيحموني.”
أحمد رفع إيده وكأنه كان هيضربني، بس مسك نفسه في آخر لحظة وصوته اتهز من الغيظ: “أهلك؟ طيب وربنا وما عبدت يا هالة، لو ما اتصلتي بأبوكي دلوقتي وقولتيله مفيش حاجة وميجيبش المحامي، ليكون يمين طلاقك طالع دلوقتي، وهرميكي في الشارع بهدومك دي، وأهو وريني أبوكي والمحامي هيعملوا إيه!”
الكلمة نزلت عليا صدمة، جوزي بيهددني بالطلاق عشان عايزني أسيب حاجتي ودهبي لأمه وأخته! الدموع تجمعت في عيني بس رفضت تنزل. حسيت بقساوة منه مكانتش على البال.
وقبل ما أنطق بكلمة، سمعنا صوت دوشة وصريخ جاي من السلم، وصوت حماتي بتزعق وتلطم على وشها… تليفون أحمد رن في نفس اللحظة، رد ووشه فجأة بقى أبيض كأنه لسه شايف ميت…
أحمد نزل التليفون من على ودنه وإيده كانت بترتعش، وبصلي بنظرة مفيهاش الغضب بتاع من شوية، كان فيها ذهول وخوف حقيقي. الصريخ على السلم كان بيعلى، وصوت حماتي كان واصل لحد جوه شقتنا وهي بتصوت وتندب.
أحمد جري على الباب وفتحه، وأنا جريت وراه عشان أشوف إيه المصيبة اللي حصلت تحت وقلبت البيت في ثواني. نزلنا جري على السلم، ولقينا باب شقة حماتي مفتوح على آخره، والجيران بدأت تطلع على الصوت.
دخلت ورا أحمد، لقيت حماتي قاعدة في وسط الصالة، واقعه على الأرض بتلطم على وشها وتعيط بنهير، والشنط والأكياس اللي كانت مجهزاها لأخت جوزي متطورة في كل مكان. وأخت جوزي، العروسة، قاعدة في الركنة (اللي هي ركنتي) وشعرها منكوش وبتعيط بهستيريا.
أحمد جري على أمه وسندها: “في إيه يا أمي؟ إيه اللي حصل؟ ومين اللي كان بيكلمني على التليفون ده؟”
حماتي بصتلي بعين كلها غل وكسرة في نفس الوقت، وشاورت عليا بأصابع بترتعش: “وش النحس! الداخله علينا بالخراب! العريس يا أحمد… العريس اتصل وقال مفيش نصيب، ومش جايين بليل، وكل شيء قسمة ونصيب!”
أحمد وقف مذهول: “ليه يا أمي؟ إيه اللي حصل فجأة؟ ده إحنا متفقين على كل حاجة، والخطوبة كانت من أسبوعين والنهاردة قراية الفاتحة والشبكة!”
أخت جوزي صرخت من وسط دموعها: “الناس عرفوا يا أحمد! في حد اتصل بأم العريس وقالها إن الدهب والشبكة اللي لبستهم في الخطوبة مش بتوعي، ودول بتوع سلفتها وأخدناهم منها غصب، وقالولهم إننا ناس بتوع مظاهر وبنستلف جهاز غيرنا عشان نتمنظر بيه، والست الكبيرة أم العريس قفلت مع ماما وقالتلها إحنا مانشرفناش نناسب ناس بتغش وعايشة على المنظرة الكدابة!”
حماتي قامت وقفت وهجمت عليا زي المجنونة، وأحمد مسكها بالعافية: “أنتِ اللي عملتي كده يا هالة! أنتِ اللي كلمتيهم وبوظتي جوازة بنتي! يخرب بيتك وبيت أبوكي، بقا عشان حتتين خشب وطقمين كوبايات تفضحينا وتكسري بفتحة بنتي؟”
وقفت في مكاني، الصدمة كانت لسه مأثرة عليا، بس وربنا ما كنت أعرف حاجة عن الحوار ده، ولا أعرف رقم أم العريس أصلاً! بصيت لحماتي وقولتلها بثبات: “والله العظيم ما حصل، وأنا معرفش رقمهم ولا اتصلت بحد، أنا قولتلك هجيب بابا بكرة، ما قولتش هكلم أهل العريس!”
أحمد لف ليا، وعينيه كانت حمرا وعروق رقبة بارزة، ومسكني من دراعي بقوة وجعاني: “أنتِ كدابة يا هالة! مفيش حد يعرف حوار الدهب والركنة ده غيرنا إحنا الأربعة! أمي وأنا وأنتِ وأختي! مين اللي هيوصلهم الكلام ده غيرك عشان تنتقمي؟”
في اللحظة دي، وصوت الزعيق مالي الشقة، لقيت سلفتي التانية (مرات أخو أحمد الكبير اللي مسافر بره) داخلة من باب الشقة، وكانت علامات التشفي باينة في عينيها رغم إنها بتحاول تداريها. مشيت خطوتين ووقفت في وسط الصالة.
سلفتي ببرود: “جرى إيه يا جماعة؟ صوتكم جايب لآخر الشارع، والناس واقفة على السلم عيب كده.”
حماتي بصتلها وزعقت: “تعالي يا شيماء شوفي الخراب المستعجل اللي اسمها هالة عملته! اتصلت بأهل العريس وبوظت الجوازة!”
شيماء حطت إيدها في وسطها وبصت لحماتي بكل جراءة وقالت: “لا يا حماتي، ظلمتِ البت، هالة ملهاش دعوة، وماتعرفش رقم الناس دول أصلاً.”
أحمد ساب دراعي وبص لشيماء باستغراب: “وأنتِ إيش عرفك يا شيماء؟”
شيماء ضحكت بتهكم وقالت: “لأني أنا اللي كلمت أم العريس وقولتلها على كل حاجة!”
الدنيا لفت بحماتي وبقت مش قادرة تقف على رجلها، وأحمد بقا بيبص لشيماء ومش مصدق: “أنتِ يا شيماء؟ أنتِ اللي تخربي بيت أختي؟ ليه؟ عملتلك إيه؟”
شيماء وشها اتقلب وبان فيه غل سنين مكبوت: “عملتلي كتير! نسيتوا يا حماتي لما جيتوا تجوزوا بنتك الكبيرة من سنتين، ونزلتِ شقتي وأخدتِ منها السجادة العجمي والستائر الستان عشان تفرشيهم هنا قدام أهل العريس، ولما طلبتهم منك بعد الجواز قولتِ لي ‘عيب وجوزك مسافر ومحدش بيدخل عندك والظروف بتتغير’، وراحت السجادة والستائر لبيتها ومشوفتهمش تاني؟ ونسيتِ لما جوزي بعتلي غويشتين دهب من السفر، جيتِ أخدتيهم مني بحجة إنك هتمري بضائقة مالية، وروحتي بيعتيهم عشان تجهزي بنتك دي؟”
شيماء بصت لأخت جوزي وقالتلها بغيظ: “أنا سكتِ سنين عشان جوزي ميزعلش، وقولت بكرة ربنا يعوضني. بس لما شوفتكم بتعيدوا نفس الفيلم المعفن مع هالة الغلبانة دي اللي مالهاش شهرين في البيت، وبتسرقوا ركنتها ودهبها عيني عينك وبتطالبوها تسكت، عرفت إنكم ناس مابتشبعش ولازم تقفوا عند حدكم! اتصلت بأم العريس وقولتلها بنتها لابسة شبكة سلفتها، وقاعدة على ركنة سلفتها، عشان تعرف إنكم ناس بتوع مظاهر وفقر، وماتدبسش ابنها معاكم!”
حماتي صرخت صرخة مكتومة وجريت على شيماء تضربها، وأحمد دخل بينهم يفركش الخناقة، والبيت اتقلب لساحة معركة وصوت شتايم وصريخ يهز جبال.
وقفت في وسط المعمعة دي، باصة لأحمد اللي كان من شوية بيهددني بالطلاق عشان يرضي أمه وأخته، وبصيت لحماتي اللي ربنا ردلها عملها في نفس اللحظة ومن نفس الكأس اللي شربتني منه. حسيت إن الشقة دي مبقتش مكاني، وإن الستات دي والراجل ده مينفعش أأمنلهم على يوم واحد من عمري.
طلعت من شقة حماتي وهما بيقطعوا في بعض، وطلعت شقتي فوق. وقفت في وسط الصالة الفاضية، وطلعت تليفوني، واتصلت ببابا… ونبرة صوتي كانت حاسمة ومفيهاش تراجع: “أيوة يا بابا… تعالي دلوقتي، وماتجيبش المحامي بس، هات معاك عربية نقل كبيرة عشان هننقل جهازي كله النهاردة!”
قفلت مع بابا، ودخلت الأوضة لمت هدومي كلها في شنطتين كبار، ووقفت مستنية على نار.
بعد حوالي ساعة، لقيت الباب بيتفتح بعنف، ودخل أحمد، وشه كان خالي من الدم، وعينيه كلها شر وتحدي، وشاف الشنط محطوطة على السرير…