حكايات امانى السيد 2

قرب مني بخطوات بطيئة وقال بصوت متلجلج ومبحوح: “السلام عليكم.. إيه ده؟ إنتي.. إنتي بقيتي عاملة كده إزاي؟”

قمت من مكاني بمنتهى الرزانة، وقربت منه ببطء، وقفت قدامه وبصيت في عينه وقالتله بهدوء ثلجي: “حمد الله على السلامة يا ابن الناس. نورت بيتك.”

مد إيده يحضنني وهو مشدوه، بس أنا أخدت خطوة ورا بذكاء، ومديت إيدي سلمت عليه سلام رسمي بالإيد، وقلتله: “أكيد تعبان من السفر، ادخل خد دش وغير هدومك عقبال ما أحضرلك العشا.”

الكرة دي كانت أشد عليه من سكين! النظرة اللي في عينه كانت مزيج من الانبهار والرعب. حس إن الشغف والعمى اللي كنت فيه اتجاهه اتمسح، وإن الحب اللي كان بيضمنه ببلاش وبطيبة قلب، بقى وراه سور عالي جداً محتاج يحارب عشان يوصله تاني.

دخل الحمام وغير هدومه، ولما خرج لقى السفرة متوضبة بأحسن أكل، متزوقة زي أرقى المطاعم. قعد ياكل وهو عينه مابتفارقنيش، ومبقتش عارف يفتح بؤه بكلمة عن اللي حصل زمان.

أول ما خلص أكل، قام وقرب مني ومسك إيدي، وقال بصوت مليان ندم ورجاء: “أنا عارف إني ظلمتك زمان.. وعارف إن كلامي معاكي في التليفون كان قاسي.. بس أنا والله العظيم اتعلمت الدرس، والشنط اللي معايا دي كلها ليكي إنتي.. إنتي وبس، محدش له قشرة فيها غيرك.”

بصيت للشنط اللي على الأرض، وبعدين بصيت في عينه وقلتله بابتسامة غامضة: “جميل إنك تعلمت الدرس.. بس الشنط والهدايا دي كان زمان ممكن تفرحني وتهديني.. إنما دلوقتي، الشنط دي كفارة عن اللي فات، مش ثمن للي جاي. لسه الحساب بينّا طوييييل يا ابن الناس، ولسه اختبارك الحقيقي بدأ دلوقتي!”

سمع كلامي وعينيه اتوسعت من الذهول، بقيت قدامه زي اللغز اللي مش عارف يفك شفرته. كان متوقع إن الكلمتين الحلوين مع كم شنطة هديا هيغسلوا كل الوجع، وإن المياه هترجع لمجاريها ببساطة، بس لاقى سد عالي من الكبرياء والبرود مش قادر يتخطاه.

سحب كرسي وقعد قدامي، وشكله بقى أصغر وأضعف بكثير من الراجل اللي كان بيكلمني في التليفون بقمة الفوقية واللامبالاة، وقال بصوت مخنوق: “حساب إيه يا بنت الناس اللي لسه طويل؟ أنا البعاد كان هيموتني، وطول السفر وأنا بفكر فيكِ وبقول أمتا أنزل وأراضيها! أنا جيبتلك أحدث موبايل، وجايبلك دهب وهدوم براندات من أنضف الأماكن.. عملت كل اللي طلبتيه وأكتر، عايزة إيه تاني يرجّعك ليا زي زمان؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *