قام من عليـ،،ـها 1
قام من عليـ،،ـها والتقط قميصه ليرتديه وقال بزهول وانفعال انطقي إزاي؟ .. إزاي أنتِي لسه بنت؟ .. و أحمد يبقي ابنك ازاى ؟ ردي عليا ……
وصرخ فيها بإنفعال
انتفضت بخوف من صياحه المتكرر عليها فخرج صوتها قائلة بخفوت :- ابني!
صاح بغضب :- أنتِي هتجننيني؟ أومال إيه دة؟ استني استني هو أحمد ابن علي أصلاً؟
هزت رأسها بتأكيد قائلة :- اه والله ابنه، ابنه.
ضرب على الحائط بجوارها قائلاً بجنون :- إزاي؟ إزاي ابنه؟ مريم ! اتكلمي أنا على آخري.
أردفت بخفوت :- طيب ممكن تطلع برة الأول.
زفر بحنق قائلاً باستسلام:- ماشي يا مريم أنا هستناكي برة لما نشوف اخرتها إيه؟
قال ذلك ثم خرج ينتظرها بالصالة ريثما تتبعه، و ما هي إلا دقائق معدودة حتى ظهرت أمامه تسير بخطوات متمهلة، و تنكس رأسها للأسفل، ومن ثم جلست قرابته قائلة بوجع وهي تحدق بسجادة الأرضية :- قبل ما أتكلم يا ريت تنفذ كلامك و تطلقني لأن استحالة أعيش معاك تاني.
أردف بمهاودة ليعرف ما المخفي خلف تلك الجدران التي بنتها دون أن يعلم أحد بوجودها من الأساس:- ماشي هعملك اللي أنتِي عاوزاه، بس الاول قوليلي إزاي دة حصل؟
مسحت عبراتها التي لم تستطع التحكم فيها تلك المرة و خاصة أمامه هو، و شردت في نقطة ما وهي تسترجع تلك السنوات حيث بداية ألمها وهي، عندما أخبرها والدها بأنها ستتزوج من ابن عمها علي، و عندما اعترضت لم يعبأ لعدم موافقتها البتة، بل خطط كل شيء مع أخيه حتى تمت الزيجة بشكل مفاجئ للطرفين .
بعدما انتهى الزفاف صعدا للشقة الخاصة بهم والتي سيمكث بها للغد قبل أن يغادر للأسكندرية حيث مقر عمله هناك حيث يعمل مهندساً لإحدى الشركات الضخمة .
ارتجفت أوصالها بخوف من القادم لطالما رفضت تلك الزيجة التي لم تكن في الحسبان و أتت فجأة. ارتجف قلبها الصغير في قفصها الصدري، فكم تمنت في أحلامها الوردية أن تكون زوجة أخيه وليس هو. شهقت بخوف عندما سمعت صوته الأجش قائلاً :- أدخلي يا مريم هتقعدي عندك كتير!
هزت رأسها بضياع وهي تشعر و كأنها تُساق لمنصة الإعدام. صدح هاتفه بالرنين وما إن نظر لشاشته و رأى المتصل زفر بضيق و نظر لها قائلاً بتهرب :- أدخلي جوة يا مريم على ما أرد على التليفون.
خرج للشرفة ليرد على الهاتف قائلاً بهدوء :- أيوة يا بسمة.
أتاه صوتها قائلة بغضب :- جرا إيه يا دلعدي ما بتردش على التليفون ليه؟
تحولت ملامح “علي” إلى الجمود وهو يستمع إلى صوت “بسمة” الغاضب عبر الهاتف، بينما كانت “مريم” تقف في داخل الغرفة، تستمع إلى نبرة صوته المنخفضة والمتحفظة التي لم تعتدها منه. كانت نبضات قلبها تتسارع، ليس فقط خوفًا من الغد، بل من شعور غامض بأن هناك سرًا كبيرًا يحيط بهذا الزواج المفاجئ.
أغلق “علي” الهاتف بعد مشادة قصيرة لم تتبين “مريم” تفاصيلها، ودخل إلى الغرفة وعيناه تتجنبان النظر إليها مباشرة. بدا مشتتًا، وعلامات الضيق ترتسم على جبينه. التفت إليها وقال بنبرة جافة وخالية من أي مشاعر:
* “مريم… أنا لازم أسافر إسكندرية حالاً. في شغل مستعجل ومش هينفع أستنى للصبح.”
نظرت إليه بذهول، ولم تنطق بكلمة. لم تكن تدري هل تشعر بالراحة لرحيله المفاجئ أم بالمهانة من تركه لها في ليلة زفافهما. لم ينتظر ردها، بل جمع حقيبته على عجل وغادر الشقة، تاركًا خلفه علامات استفهام لا حصر لها، وفتاة لم تدرك بعد حجم المؤامرة التي حُيكت حولها.
مرت الأشهر، ولم يكن “علي” يأتي إلى المنزل إلا لمامًا، وفي كل مرة كان يتعامل معها كغريبة، بل كان يتعمد النوم في غرفة منفصلة، مدعيًا الإرهاق الدائم وضغط العمل. كانت “مريم” تعيش في حيرة وقهر، لكنها فضلت الصمت تجنبًا للمشاكل بين العائلتين، حتى جاء ذلك اليوم الذي تلقت فيه اتصالاً صاعقًا من المستشفى.
تعرض “علي” لحادث سير مروع على طريق الإسكندرية. هرعت “مريم” برفقة عائلته إلى المستشفى، وهناك كانت الصدمة الأولى في انتظارهم. لم تكن العائلة وحدها من تقف أمام غرفة العناية المركزة، بل كانت هناك امرأة أخرى تبكي بنحيب وتصرخ باسمه… كانت “بسمة”.
وقبل أن يستوعب الجميع الصدمة، خرج الطبيب ليعلن وفاته، لتنفجر “بسمة” قائلة بمرارة وسط ذهول الحاضرين:
* “مات وسابني… مات وساب ابنه اللي في بطني! أنا مراته الرسمية بقالي سنة، وتجوز بطلب من أبوه عشان يغطي على حاجة تانية!”
سقطت الكلمات كالصاعقة على “مريم”. التفتت عيون العائلة نحوها بذهول وتساؤل، بينما كانت هي واقفة في مكانها كالصنم، تحاول استيعاب ما تسمعه. لم تكن زوجة حقيقية له يومًا، والآن تكتشف أنه متزوج من أخرى، وأن هناك طفلاً في الطريق.
بعد انتهاء مراسم العزاء، وبسبب الضغوط العائلية الشديدة وخوفًا من الفضيحة وتشتت الطفل، أُجبرت “بسمة” على التنازل عن الطفل بعد ولادته مباشرة لصالح العائلة مقابل مبلغ مالي ضخم، وتم تسجيل الطفل “أحمد” باسم “مريم” رسميًا بطلب من والد “علي” لتظل الحقيقة مدفونة داخل جدران البيت.
عادت “مريم” من شرودها، والتفتت إلى زوجها الحالي الذي كان يستمع إليها بجنون وعيناه متسعتان من فرط الصدمة، والدموع لا تزال تنساب على وجنتيها، وقالت بنبرة مكسورة:
* “عرفت إزاي؟ علي مات من غير ما يلمسني… وأحمد ابن علي بس مش ابني أنا… أنا شيلت ذنب وسر مش بتاعي عشان أرضي أهلي، ودلوقتي جه الوقت اللي أخلص فيه من الكابوس ده… طلقني.”
اتسعت عينا زوجها بذهول ألجم لسانه لثوانٍ، شعر وكأن الأرض تميد به بعد سماع تلك الحقيقة التي قلبت كل موازينه. نظر إليها بعينين تلمعان بدموع الندم والصدمة، ثم ضرب كفاً بكف وتمتم بصوت متحشرج:
* “يعني كل السنين دي… كل ده وأنتِ شايلة السر ده لوحدك؟ وظلمتك… أنا ظلمتك يا مريم!”
لم تجبه “مريم”، بل ظلت على وضعها، منكسة رأسها، وعيناها مثبتتان على الأرض، وكأنها استهلكت آخر ذرة طاقة لديها في سرد هذا الماضي الأليم. تنهدت بوجع وقالت بنبرة حاسمة:
* “الكلام خلاص ملوش فايدة يا ابن عمي. أنا قولتلك الحقيقة مش عشان تصعب عليا، ولا عشان أستعطفك… أنا قولتها عشان تطلقني وأنت مرتاح، ومتحسش إنك ظلمتني لما تسبني.”
وقف من مكانه بخطوات متثاقلة، واقترب منها ثم جثا على ركبتيه أمامها ليكون في مستوى نظرها. حاول أن يمسك يدها، لكنها سحبتها منه بسرعة وكأن سلكاً كهربائياً أصابها. زفر بألم وقال بنبرة رجاء لم تعهدها فيه من قبل:
* “مريم، أرجوكي فكري تاني. أنا اعميت… الغيرة والشك أعموا عيني. لما عرفت إنك لسه… أنا عقلي طار، ومبقتش شايف قدامي. سامحيني، أنا مستعد أعوضك عن كل ليلة عشتيها في خوف أو قهر.”
رفعت رأسها وأطلقت ضحكة ساخرة امتزجت بالبكاء، ونظرت في عينيه مباشرة قائلة:
* “تعوضني؟ تعوضني عن إيه ولا إيه؟ عن نظرات الشك اللي كنت بشوفها في عينك؟ ولا عن الإهانة؟ أنا عشت مع علي سنة كاملة في بيت واحد وأنا غريبة، وجيت عشت معاك عشان أهرب من لقب أرملة وكلام الناس، فلقيت نفسي في سجن ألعن! أنا مش عاوزة تعويض… أنا عاوزة حريتي وبس.”
في تلك الأثناء، قطع حديثهما المشحون صوت بكاء صغير من الغرفة المجاورة. كان “أحمد” قد استيقظ من نومه ويبحث عن أمه. انتفضت “مريم” من مكانها بسرعة، ودخلت إلى الغرفة لتضم الصغير إلى صدرها وتجفف دموعه، وهي تهمس له بكلمات حانية لتهدئته.
وقف الزوج عند باب الغرفة، يراقب المشهد بقلب ممزق. تذكر كيف كان يعامل هذا الطفل بجفاء أحياناً، ظناً منه أنه يذكره بـ”علي”، ولم يكن يعلم أن “مريم” التي لا تربطها بالطفل أي صلة دم، كانت تحنو عليه وترعاه بأمومة حقيقية عجزت عنها والدته البيولوجية.
التفتت إليه “مريم” وهي ما زالت تحتضن الصغير، وقالت بنبرة جامدة لا رجعة فيها:
* “أحمد هيفضل معايا… عيلة علي باعوه بالفلوس زمان، وأنا اللي ربيته وكبرته وهو ميعرفش أم غيري. مش هسمح لأي حد ياخده مني.”
نظر إليها بقلب مثقل بالهموم، وأدرك أن شرخاً بهذا العمق لن يلتئم بين ليلة وضحاها، وأن غضبه وانفعاله في البداية قد هدموا آخر جسر كان يمكن أن يربطه بها. أومأ رأسه ببطء، وقال بصوت خفيض:
* “ماشي يا مريم… أنا هسيبك الكام يوم دول تهدى، ومش هضغط عليكي. بس الطلاق مش هطلق، مش قبل ما تديني فرصة أخيرة أصلح فيها اللي انكسر.”
خرج من الغرفة ومن الشقة بأكملها، تاركاً خلفه باباً مغلقاً، وقلباً يرفض الغفران، وسراً لم يعد سراً، بل أصبح بداية لمعركة جديدة لم تكن “مريم” تتوقع خوضها.
