بعد دقائق فقط من توقيع أوراق 2

ارتجفت يد ريكاردو وهو يسقط الورقة الرسمية على الأرض، بينما تقدم المحامي الخاص بي بخطوات ثابتة ليلتقطها، واضعًا إياها داخل حقيبته بعناية.

أمسكت أمّه بذراعه وهي تهزّه بعنف، وصوتها يرتفع بنبرة هستيرية:

«ريكاردو! تحدث! قل لي إنها تكذب! كيف يمكن أن نطرد من المنزل؟ أين سنذهب في منتصف الليل؟!».

لكن ريكاردو لم ينطق بكلمة. كان ينظر إلى الشاشة المضاءة بكشف الحساب البنكي، وجسده يتيبّس كأنه تلقى ضربة فيزيائية.

في تلك اللحظة، تحولت الأنظار كلها إلى فيوليتا. كانت تنظر إلى الخاتم الألماسي في يدها وكأنه جمرة مشتعلة. تراجعت خطوتين إلى الخلف، ونبرة صوتها الرقيقة المعتادة تحولت إلى حدة مشوبة بالخوف:

«ريكاردو… أنت أخبرتني أنك شريك بالنصف في هذه الشركة! أخبرتني أن منزل كويواكان ملكك بالكامل وأن زوجتك السابقة مجرد واجهة قانونية! هل أموال هذا الخاتم مسروقة؟!».

التفتّ إليها وابتسمت بهدوء، ثم قلت:

«ليست مسروقة بالمعنى التقليدي يا فيوليتا… بل هي أموال اختلاس موثقة بنظام البنك الإلكتروني. وبما أنكِ موظفة تسويق في شركتي — أو بالأحرى، كنتِ موظفة حتى الساعة العاشرة من صباح اليوم قبل أن يتم فصلكِ لإخلالك بأخلاقيات العمل — فأنتِ تعلمين جيدًا عقوبة استغلال أصول الشركة».

صاحت فيوليتا بغضب وهي توجه إصبعها نحوي:

«أنا لا علاقة لي بحساباته! هو من اشترى الخاتم وهو من قدمه لي! لن آخذ صندوقًا كرتونيًا ولن أضع فيه شيئًا، أنا خارجة من هنا!».

تحركت خطوة واحدة لتقترب من الباب، لكن أحد رجال الأمن الفيدراليين الذين يقفون خلفي تقدم بخطوة حازمة وسد الطريق بجسده الضخم، قائلاً بنبرة صارمة:

«عذرًا يا آنسة. لا أحد يغادر هذا المبنى حتى ينتهي الخبير القانوني من جرد وتفتيش الحقائب والصناديق. أي قطعة أثاث، أو تحف، أو مجوهرات تم شراؤها بأموال شركة LNA خلال الأشهر الثلاثة الماضية تُعتبر محجوزة تحفظيًا».

انفجرت أم ريكاردو بالبكاء، وسقطت على أقرب مقعد جلدي وهي تندب حظها، وتصرخ في وجه ابنها:

«هذا هو مستقبلك الذي وعدتني به؟ تركت المرأة التي كانت تدفع فواتير علاجي وتكرمنا لأجل هذه؟ انظر إليها، تريد الهروب وتركك بمفردك!».

تحرك ريكاردو أخيرًا. خطى نحوي، واختفت كل علامات الغطرسة والانتصار التي كانت تزين وجهه أمام المحكمة صباحًا. امتدت يده ليمسك بطرف ثوبي، وعيناه ممتلئتان بالرجاء:

«إيلينا… أرجوكِ. لنتحدث على انفراد. أنا أخطأت، أعترف بالخطأ. لكن لا تفعلي هذا بعائلتي أمام الغرباء. أنتِ تعرفين أنني أحبكِ، وما حدث مع فيوليتا كان مجرد نزوة… لولا ضغوط العمل لما فعلت ذلك. دعينّا نصلح الأمر، يمكننا إلغاء الطلاق!».

نظرت إلى يده الممتدة بنفور، وتراجعت خطوة للخلف ليفصل بيننا المحامي.

قلت له بصوت مسموع للجميع:

«نزوة؟ النزوة لا تستمر لثلاثة أشهر خلف ظهري يا ريكاردو. النزوة لا تتضمن التخطيط لسرقة حسابات شركتي لتبهر بها عشيقتك في مطاعم لا كونديسا. والطلاق أصبح باتًا ورسميًا، ولا رجعة فيه».

أشرت للمحامي، فتقدم وأخرج وثيقة أخرى من حقيبته، ووضعها على الطاولة أمامهما.

تابعتُ قائلة:

«هذا بلاغ رسمي مقدم للنيابة العامة بتهمة الكسب غير المشروع واختلاس أموال شركة تجارية. أمامك الآن خياران لا ثالث لهما يا ريكاردو… إما أن تسلم الخاتم فورًا للمحامي ليعاد تسييله وإرجاع الثلاثة ملايين بيزو للحساب، وتوقع على إقرار رسمي بجدولة الديون المتبقية عليك لعائلتك… أو تخرج من هنا الليلة برفقة رجال الأمن إلى قسم الشرطة مباشرة بتهمة جنائية».

ساد الصمت المكان بالكامل. لم يعد يُسمع سوى صوت شهقات أمه المكتومة.

نظرت فيوليتا إلى ريكاردو، ثم نظرت إلى رجال الأمن، وفي حركة سريعة ومليئة بالأننانية، نزعت الخاتم من إصبعها وألقته على الطاولة بعنف وهي تقول:

«خذي خاتمكِ اللعين! أنا لا أريد مشاكل مع القانون، ولا أريد ريكاردو ولا عائلته!».

التفتت لترحل، لكن المحامي وضع يده فوق الخاتم وقال ببرود:

«لحظة يا آنسة فيوليتا… بقيت فقرة واحدة في البلاغ تخصكِ أنتِ شخصيًا».

التفتت بجسدها كله وهي تشعر فجأة أن الأرض تهتز تحت قدميها…

اتسعت عينا فيوليتا وبدأت أنفاسها تتسارع وهي تنظر إلى المحامي، ثم إليّ. تراجعت خطوة للخلف وقالت بصوت يرتجف:

«فقرة تخصني؟ عن ماذا تتحدث؟ أنا لم ألمس أموال شركتكِ، ولم أكن سوى موظفة أؤدي عملي! ريكاردو هو من كان يغدق عليّ بالهدايا!»

تقدم المحامي خطوة، وأخرج من ملفه جهاز تخزين رقمي صغير (فلاش ميموري) ووضعه بجانب الخاتم الألماسي على الطاولة، ثم قال بنبرة هادئة ومخيفة في آن واحد:

«الآنسة فيوليتا تظن أن دورها اقتصر على تلقي الهدايا… لكن القسم التقني في شركة “LNA” قام بمراجعة الحواسيب والملفات التي كنتِ تشرفين عليها في قسم التسويق خلال الأشهر الثلاثة الماضية. لقد عثرنا على تحويلات لبيانات العملاء، وتصاميم حصرية غير منشورة، تم إرسالها من بريدكِ الإلكتروني المهني إلى شركة منافسة ناشئة… شركة مسجلة سرًا باسم شقيقكِ الأكبر».

صعقت فيوليتا، واختفت كل ذرة كبرياء كانت تبقت في وجهها. تراجعت حتى اصطدمت بالحائط، بينما التفت ريكاردو نحوها وعيناه تتسعان بذهول صدمة جديدة:

«فيوليتا؟ ما هذا الذي يقولونه؟ أنتِ أخبرتني أن تلك التصاميم كانت مجرد أفكار قديمة لا تحتاجها الشركة!»

ضحكتُ بسخرية، ونظرت إليهما معًا:

«كم أنت مغفل يا ريكاردو… كنت تظن أنها أحبتك لوسامتك أو لباقتك؟ فيوليتا استغلت وجودك في حياتي وفي الشركة لتبني مشروع عائلتها الخاص. كانت تسرق أسرار عملي بتسهيل غير مباشر منك، بينما كنت أنت مشغولاً بالتخطيط لكيفية إبهارها بأموالي».

التفتُّ إلى المحامي وأومأت له، فتابع قائلاً بصوت صارم:

«هذه الجريمة تندرج تحت بند “التجسس الصناعي وسرقة الأسرار التجارية”، وعقوبتها السجن وغرامات مالية تفوق قيمة هذا الخاتم بأضعاف. البلاغ المقدم للنيابة يشملكِ أنتِ وريكاردو كشريكين في عملية احتيال واحدة أضرت بالشركة».

انفجرت فيوليتا بالبكاء، وسقطت على ركبتيها تتوسل:

«أرجوكِ يا إيلينا! أنا مستعدة لإعادة كل شيء… كل الملفات، وكل التصاميم، وسأجعل شقيقي يغلق شركته! لا تدمرّي مستقبلي، أنا ما زلت في بداية حياتي!»

في تلك اللحظة، نهضت أم ريكاردو من مقعدها، ولم توجّه غضبها إليّ هذه المرة، بل اندفعت نحو فيوليتا كالمجنونة، وصرخت فيها:

«أيتها المخادعة! دمرتِ حياة ابني وسرقتِ بيتنا، وتسببتِ في طردنا إلى الشارع! أنتِ السبب في كل ما حدث لنا!»

تدخل رجال الأمن فورًا وفصلوا بينهما قبل أن تتطور المشادة إلى اشتباك بالأيدي. كان المشهد أمامي يمثل قمة العدالة الشاعرية؛ العائلة التي كانت بالأمس تحتفل بـ “تحرر” ابنها والترحيب بالعشيقة الجديدة، تمزق نفسها الآن من الداخل بسبب الجشع والخيانات المتبادلة.

التفتُّ إلى ريكاردو، الذي بدا كجثة هامدة واقفة في وسط الصالة، وقلت له:

«الوقت ينفد يا ريكاردو. الصناديق فارغة، وعمال الإخلاء ينتظرون. إما أن توقع الآن على التنازل الكامل عن أي مستحقات، وتسليم الخاتم، والإقرار بالديون الموثقة لتجنب الاعتقال الفوري الليلة… أو أترك القانون يأخذ مجراه ويبدأ رجالي بتنفيذ أمر الإخلاء بالقوة».

نظر ريكاردو إلى أمه الباكية، ثم إلى فيوليتا التي كانت تنظر إليه بنظرات مليئة بالكره واللوم، وأخيرًا نظر إليّ… وأدرك أن المرأة التي ظنها ضعيفة ومستسلمة صباح اليوم في المحكمة، قد أحكمت الحبل حول عنقه تمامًا.

أمسك بالقلم بوشاح منكسر، واقترب من الطاولة ليوثق نهايته بيده… وفي تلك اللحظة، رنّ هاتف المحامي الخاص بي، ليعلن عن مفاجأة أخرى لم نكن ننتظرها في تلك الليلة…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *