جوزي “أشرف. . . .
النيابة أمرت بحبس أشرف 4 أيام على ذمة التحقيق بتهمة التعدي واقتحام مسكن والشروع في قتل، والشنطة الملعونة اللي كان جايبها معاه كان فيها حبل وزجاجة مية نار.. الراجل اللي عشت معاه تسع سنين كان ناوي يشوهني ويخلص عليا لمجرد إني رفضت أكون الضحية في روايته.
أستاذ رأفت كلمني بعد التحقيق وقالي: “هناء، أشرف كدة انتهى جنائياً، المحضر اتقفل ومرفوع للجنايات، وقضية الخلع محجوزة للحكم الأسبوع الجاي.. أنتِ وبنتك في أمان.”
كنت قاعدة في الصالة، ومريم نايمة في حضني.. المفروض أكون مرتاحة، بس كان في حاجة ناقصة، كلمة أشرف وهو مغلول في الصالة كانت بترن في ودني: “أنا حياتي اتدمرت وأمي هي اللي زنت عليا عشان أتجوز شيرين عشان من توبنا.”
يوم السبت الصبح، لقيت تليفوني بيرن.. الرقم كان غريب، بس رديت.
سمعت صوت حماتي “زكية”.. بس مكنش الصوت القوي اللي سمعته من ورا الباب الموارب، ولا الصوت العيان اللي كانت بتمثله في المحكمة.. ده كان صوت واحدة مكسورة، بتنهج بجد وبتعيط: “الحقيني يا هناء.. أنا بتموت يا بنتي.. أشرف هيروح في داهية، وشيرين وأهلها جم الأسبوع اللي فات وخدوا كل حاجة من الشقة، حتى دهبي وفلوس المعاش سرقوها بعد ما عرفوا إن أشرف اتمسك.. أنا قاعدة بطولي ومش قادرة أتحرك، تعاليلى يا هناء، ربنا يخليكي، أنا ماليش غيرك.”
بلعت ريقي.. الغضب اللي جوايا خلاني عايزة أقفل السكة في وشها، بس النضج والذكاء اللي أنقذوني المرة الأولى قالوا لي: “روحي.. الست دي عندها السر اللي هيقفل اللعبة دي للأبد.”
أخذت أستاذ رأفت معايا عشان أكون مأمنة نفسي، ورحنا على المنيرة.. بيت العيلة القديم.
لما وصلنا، لقيت باب الشقة مفتوح على آخره.. الشقة اللي كانت من أسبوعين مفروشة ورد وكوشة ومفارش متأجرة لشيرين، كانت تضرب تقلب. الكراسي مكسرة، الدواليب مفتوحة ومتبهدلة، والحاجة زكية كانت مرمية على السرير في أوضتها، وشها أصفر، ولابسة عباية قديمة مبهدلة.
أول ما شافتني، دموعها نزلت وحاولت تقوم تحب على إيدي: “سامحيني يا هناء.. أنا اللي عميت عينه، أنا اللي قولتله هناء غلبانة وملهاش ضهر، وشيرين أبوها غني وهتعليك.. شيرين وأهلها لما عرفوا إنك سحبتِ الفلوس وإن أشرف محبوس، جم هنا وكسروا الشقة وخدوا كل الأوراق والفلوس اللي أشرف كان مخبيها عندي.”
قعدت على الكرسي قصادها، وحطيت رجل على رجل بكل برود وقولت لها: “أوراق إيه يا حاجة زكية؟”
الحاجة زكية بلعت ريقها وبصت لأستاذ رأفت بخوف، وبعدين بصتلي وقالت: “أشرف مكنش بيخونك عشان شيرين وبس يا هناء.. أشرف كان شغال مع ناس في مقاولات من ورا ظهرك، وكان بيستغل اسمك ووظيفتك في الشركة اللي أنتِ شغال فيها عشان يمرر عقود وأوراق مناقصات مضروبة.. الأوراق دي كانت متشالة في الدولاب هنا، وشيرين خدتها عشان تبتز بيها أشرف وتخليه ميتكلمش عن الفلوس والدهب اللي سرقوهم!”
أستاذ رأفت وقف فجأة وعينيه وسعت: “أنتِ بتقولي إيه يا ست أنتِ؟ يعني أشرف مكنش بس بيخطط للجواز.. ده كان بيعمل غسيل أموال وتزوير باسم هناء؟”
الحاجة زكية هزت راسها وهي بتعيط: “أيوا.. كان بيقول إن هناء لو عرفت أو حصل مشكلة، لبسها هي القضية واطلع أنا منها بالوصلات اللي معايا.. سامحيني يا بنتي، أنا مكنتش أعرف إنه ناوي يوصل للقتل ومية النار.. أنا كنت فاكراها جوازة تانية وبس!”
جسمي كله سقع.. الصدمة المرة دي كانت فوق احتمالي. الراجل مكنش بس عايز يطلقني وياخد البنت، ده كان هيلبسني قضية تزوير توديني السجن مؤبد عشان يفضى له الجو مع توبه الجديد!
أستاذ رأفت بصلي وقالي بلهجة حاسمة: “هناء.. إحنا لازم نتحرك فوراً.. شيرين وأهلها معاهم قنبلة موقوتة لو قدموها للنيابة على إنك أنتِ اللي زورتِ، هتبقي في موقف صعب جداً.. لازم نوصل لشيرين قبل ما تتصرف في الأوراق دي.”
التفتت لحماتي وبصيت لها بنظرة أخيرة، نظرة خالية من أي مشاعر، وقولت لها: “أنا هسيبك لندمك يا حاجة زكية.. أنتِ وابنك كنتم عايزين ترموني في السجن، بس ربنا وقعكم في شر أعمالكم.. وباب الشقة الموارب ده، هو اللي هيلم عليكي حسرتك.”
خرجت من الشقة وأنا وبجري مع أستاذ رأفت على السلم.. اللعبة مبقتش مجرد خلع ونفقة ومحاضر تعدي.. اللعبة بقت سباق مع الزمن.. يا إما هجيب شيرين والأوراق اللي معاها وأثبت إن أشرف هو اللي ورا كل حاجة، يا إما أشرف هينجح من ورا القضبان إنه يسحبني معاه للقاع.
الخطوة الجاية هي المواجهة الأخيرة مع شيرين.. والمفاجأة اللي مستنيانا في شقتها هتقلب كل التوقعات في الجزء الأخير.
نزلت من بيت حماتي وأنا حاسة إن الأرض بتلف بيا. أستاذ رأفت كان بيتكلم في التليفون بسرعة وهو بيفتح باب العربية: “أيوة يا فندم، إحنا محتاجين إذن فوري من النيابة بمعاينة وتفتيش، أو على الأقل قوة تتحرك معانا.. الموضوع فيه تزوير عقود ومناقصات تابعة لشركات مساهمة.”
ركبت جنبه وأنا بفرك في إيدي، الغضب اتمحى ومبقاش فيه غير غريزة البقاء.. غريزة الأم اللي بتحارب عشان متتسجنش وتتسحب من حضن بنتها.
سألته بصوت مرعوب: “هنعمل إيه يا أستاذ رأفت؟ شيرين دي ممكن تكون دمرت الأوراق أو قدمتها!”
رأفت بصلي وهو بيدوس بنزين بأقصى سرعة متجهاً لمنطقة “حدائق الأهرام” حيث شقة شيرين وأهلها: “شيرين مش غبية يا هناء.. الست اللي تنزل تسرق شقة حماتها وتاخد الدهب والأوراق دي ست بتأمن نفسها.. هي واخدة الأوراق كرت إرهاب عشان أشرف لو فكر يبلغ عنها بتهمة سرقة الدهب والفلوس، تقوله ‘هسجن مراتك وأوديك في داهية’.. هي مش هتقدمها إلا لو اتزنقت.”
الساعة كانت تقريباً 4 العصر لما وصلنا تحت عمارة شيرين. نزلنا، وسبحان الله، كان التوفيق حليفنا؛ لقينا البوكس بتاع الشرطة واقف تحت العمارة، ومعاهم معاون المباحث اللي أستاذ رأفت كلم خاله (المستشار الكبير) عشان يسهل الإجراءات بسرعة بسبب خطورة تزوير أوراق الشركات.
طلعنا كلنا، الضابط والمحامين وأنا.. طرقنا الباب بقوة.
فتحت لنا أم شيرين، ووشها اتمسح منه الدم لما شافت البوليس. دخلنا الصالة، وطلعت شيرين وهي لابسة نفس البلوزة الصفراء اللي شوفتها بيها أول مرة من فتحة الباب الموارب.. بس المرة دي مكنتش بتضحك بدلع، كانت بترتعش وعينيها مليانة رعب.
الضابط زعق بحسم: “جالنا بلاغ رسمي بوجود أوراق ومستندات مزورة تخص شركات عامة، ومسروقات ذهبية من شقة المدعوة زكية عبد الرحمن بالمنيرة.. تطلعوا الأوراق والدهب بالذوق، ولا نقلب الشقة تفتيش ونعمل قضية سرقة وتستر؟”
شيرين بصتلي بغل، وبعدين بصت لأستاذ رأفت وقالت بصوت مهزوز: “أنا ماليش دعوة.. أشرف النصاب هو اللي قالي الشقة ملكي والفلوس دي بتاعتي، ولما عرفت إنه محبوس روحت أخدت حقي.. والأوراق دي هو اللي كان شايلها عند أمه، أنا ماليش ذنب!”
رأفت قرب منها وقال لها: “لو مالكيش ذنب، هاتي الشنطة اللي فيها الأوراق فوراً.. كدة كدة المحكمة هتعرف إن الإمضاءات اللي عليها مش إمضاءات هناء، وبلاغنا عن تزوير أشرف لاسم زوجته متقدم من الصبح.. وجود الأوراق معاكي دلوقتي يخليكي شريكة في التزوير والسرقة.”
شيرين جريت على الأوضة جوة، وطلعت بشنطة جلد سودا كبييييرة.. رمتها على الترابيزة وقالت وهي بتعيط: “أهي.. أهي الأوراق اهي والدهب جوة علبته.. أنا مش عايزة اتمسح بيا الأرض في المحاكم بسبب أشرف وأمه!”
أستاذ رأفت فتح الشنطة، وبدأ يقلب في الأوراق.. عينيه لمعت وبصلي وابتسم ابتسامة النصر: “كل العقود المضروبة هنا يا هناء.. وعليها تزوير واضح لخط إيدك، والأهم إن في ‘أجندة’ صغيرة كاتب فيها أشرف بخط إيده المبالغ اللي كان بياخدها وتواريخ التزوير.. الراجل من كتر وسوسته، كتب حبل المشنقة بتاعه بإيده!”
الضابط تحفظ على الأوراق وعلى شيرين وأمها عشان يروحوا يكتبوا أقوالهم في المحضر.
في اللحظة دي، وأنا واقفة في صالة شيرين، بصيت لها وقولت لها: “عمرك ما كنتِ لايقة على عيلتهم ولا من توبهم.. صح؟ الجملة دي حماتي قالتهالك وأنا واقفة ورا الباب.. أهو توب أشرف وأمه طلع مقطع، ويلبقلك بالظبط يا شيرين.. مبروك عليكي النيابة.”
بعد مرور شهرين..
كنت قاعدة في بلكونة شقتنا الجديدة في التجمع.. شقة صغيرة بس هادية، النور ماليها والشمس بتدخلها من كل حتة. مريم كانت قاعدة على الترابيزة الصغيرة بتلون وتضحك بصوت عالي وهي بتسمع أغنيتها المفضلة.
أستاذ رأفت كلمني في التليفون، وصوته كان كله فرحة: “مبروك يا هناء.. حكم الخلع صدر رسمياً النهاردة.. وأشرف أخد حكم 5 سنين سجن مشدد في قضية التزوير والشروع في القتل، ووالدته الحاجة زكية اتحكم عليها بسنة مع إيقاف التنفيذ بسبب السن، وشيرين وأهلها لبسوا قضية سرقة وردوا الدهب والفلوس.”
قيدت التليفون، ودموعي نزلت.. بس المرة دي مكنتش دموع قهر ولا خوف.. دي كانت دموع نصر وراحة.
بصيت لمريم وقولت لها: “مريم.. الحفلة خلصت يا حبيبتي.. وإحنا اللي كسبنا.”
مريم سابت الألوان، وجريت عليا، حضنتني جامد وقالت: “أنا بحبك يا ماما.. وبحب شقتنا الجديدة عشان بابها دايماً مقفول بالترباس ومحدش يقدر يضايقنا.”
ابتسمت وأنا ببص للسما..
فهمت إن الحياة ساعات بتبعتلك صدمة تهد حياتك القديمة، مش عشان تدمرك، بس عشان تصحيكي وتخليكي تشوفي الحقيقة.. أشرف ساب باب الشقة موارب عشان يدخل حياته الجديدة بالكدب، بس الباب الموارب ده.. كان هو السبب اللي خلاني أهد المعبد على دماغه، وأبني لنفسي ولبنتي حياة حقيقية، نظيفة، ومفيهاش كدب.
**تمت الحكاية.**
