تزوجني على زوجته2

رفعت رأسها وقالت بصوت ثقيل هز أركان المكان:

— لقد أخذتُ حقي وحق بناتي بالقانون والشرع… والان جاء دور الحساب الشفهي.

ثم خطت خطوة إلى داخل الشقة، وتجاوزت زوجي المصطنع بالذهول، وتوقفت أمامي مباشرة. نظرت إلى يدي التي كانت مرتعشة، وقالت بنبرة لا تحمل أي رحمة:

— هل تتذكرين حين قَبّلتُ يدكِ هنا يا هدى؟ هل تتذكرين حين قلتُ لكِ اتقي الله فيّ وفي بناتي؟

لم أستطع الصمود، وسقطت على ركبتي أمامها، تماماً كما سقطت هي أمامي في ذلك اليوم الأسود، وأمسكت بأطراف عباءتها وأنا أبكي بحرقة:

— سامحيني… أرجوكِ ارحميني وارحمي هذا الطفل، لا ترميني في الشارع!

ابتسمت ابتسامة باردة، وسحبت عباءتها من يدي بعنف وقسوة، تماماً كما سحبتُ يدي منها، وقالت:

— هذا ليس شأني… ابحثي لكِ عن مكان آخر.

ثم التفتت إلى زوجي وقالت كلمتين أخريين كشفت بهما عن المفاجأة الأكبر التي لم تكن في الحسبان… المفاجأة التي أراقت آخر قطرة أمل في حياتنا جميعاً.

وقفت كلماتها في الهواء كالسيف المجرد، بينما كان جليساً على الأرض مذهولاً، شاحب الوجه كالموتى. لم تكن تكتفي باسترداد حقها المالي والشرعي فقط، بل كانت ملامحها تشي بأن هناك خنجراً آخراً تسدده إلى قلبينا معاً.

التفتت إلى زوجي الذي كان يقف كالصنم، وعيناه مجمّدتان على أوراق ملكية البيت والأرض، وقالت بنبرة هادئة لكنها أشد هولاً من الصواعق:

— تحسّرتَ سنواتٍ طويلة على الولد الذي يحمل اسمك ويكون امتداداً لك، وطردتني أنا وبناتي لأنني لم أمنحك الذكر… لكنك لم تسأل نفسك يوماً: أين ذهبت تلك البنت الرابعة التي حملتُ بها قبل طلاقي بأسابيع؟

توقف الزمن في تلك اللحظة. اتسعت عينا زوجي بذهول مرعب، وترنح في مكانه وكأنه تلقى ضربة قاتلة على رأسه. صرخ بصوت خرج مكسوراً ومبحوحاً:

— بنت رابعة؟! ماذا تقولين؟ أنتِ لم تذكري شيئاً عن حملٍ عند طلاقنا!

ابتسمت ابتسامة ملؤها المداراة والقسوة، وقالت:

— كيف أذكر لك وأنا أُطرد كالكلاب من بيتي؟ كيف أخبرك وأنا أرى زوجتك هذه تتفنن في الشماتة بي، وأنت تصدق أكاذيبها وتجلس مستمتعاً بكسرتي؟ خرجتُ من هنا وأنا أحمل في أحشائي طفلتك الرابعة… وضعتها بعيداً عنك، في ذلك المنزل الصغير الذي شهد ضياعي، وتربت بين أختها وبين القهر الذي زرعتموه في حياتنا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *