تزوجني على زوجته2

وبينما كان صراخي يملأ الأرجاء وأنا أحاول التملص من يديه، سُمع صوت اصطدام قوي عند الباب الخارجي للعمارة، يتبعه صوت صراخ عالي في الشارع… صوت جارة تصيح بأعلى صوتها:

— الحقوا يا ناس! فيه حريق طالع من الشقة اللي تحت!

تصاعدت أدخنة سوداء كثيفة من أسفل الباب، وبدأت رائحة الحريق تملأ أرجاء الشقة لتخنق الأنفاس. تركني زوجي فجأة وهرع نحو الباب وهو يصرخ باسم بناته، بعد أن ظنّ أن فاطمة وبناتها كُنّ بالأسفل. فتح الباب ليتفاجأ بألسنة النيران تتصاعد من شقة الطابق السفلي —الشقة التي شهدت ظلمنا وقهرنا لها لسنوات.

ركضتُ بانهيار ونشيج ندم ونار الخوف تتآكلني، رفعتُ طفلي بين ذراعيّ وهرولتُ خلفه عبر السلم والدخان يعمي أعيننا. حين وصلنا إلى الشارع، كان الجيران يهرعون بإسطوانات الإطفاء، وقفنا نلهث والرعب يعصر قلوبنا… ولكن المفاجأة كانت أن الشقة السفلية كانت خالية تماماً! لم تكن فاطمة ولا بناتها بالداخل، فقد غادرن العقار فور إبلاغنا بقرارات المحكمة، وكانت تلك النيران مجرد ماس كهربائي بسبب إهمال ترك الأجهزة في البيت المهجور منذ أشهر.

احترقت الشقة السفلية بالكامل، واحترقت معها كل أوهامي.

في اليوم التالي، وقفنا في الشارع نراقب رجال الشرطة والمحكمة وهم ينفّذون قرار الإخلاء للبيت بأكمله. أخرجوا أثاثنا ومتعلقاتنا وألقوها على الرصيف. وقف زوجي يتأمل صنيع يده وهو يرى ملكه يزول، وبناته يبتعدن عنه إلى الأبد بعد أن رفضت فاطمة كل محاولاته للتراجع أو التوسل ورضيت بالبعد والستر، وقررت أن تُربّي بناتها الأربع بعيداً عن رجلٍ بَاعَهُنَّ لأجل الوهم.

نظَر إليّ زوجي للمرة الأخيرة بنظرات خاوية، لم يبقَ فيها حب ولا كره، بل رماد إنسان انتهى. رمى عليّ يمين الطلاق في منتصف الشارع وأمام جميع الجيران، ثم استدار ومضى هائماً على وجهه، يجرّ خطاه كالمجانين أثراً لبناته اللاتي لن يراهن مجدداً، ولم يُسمَع عنه خبرٌ بعد ذلك اليوم.

بقيتُ وحدي على الرصيف، أضمّ الطفل إلى صدري وأبكي بحرقة تفتت الصخر. تذكرتُ كبرياءي المزيف، ورغبتي في حرق قلب امرأة يتيمة لا حول لها ولا قوة، وكيف تبدلت الأيام في لحظة عين: صرتُ أنا الطليقة، المطاردة بالندم، التي تجلس على الأسفلت بلا بيت، ولا سند، ولا مأوى، ويدور بي الزمان لأتذوق نفس الكأس التي أسقيتها إياها، قطرةً بقطرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *