تزوجني على زوجته2

تجمّد الدم في عروقي وأنا أسمع وقع تلك الخطوات الثقيلة وهي تقترب من باب الشقة. كان صوت الهاتف ينبض بالنغمة المتقطعة بعد أن أغلقت هي الخط، وصوت بكاء الطفل يزداد حدة في الغرفة المجاورة، وكأن الجدران نفسها تطبق على أنفاسي.
تراجعتُ إلى الخلف بخطوات مرتعشة حتى ارتطم ظهري بحائط الصالة. انقبض قلبي حين توقفت الخطوات تماماً أمام الباب. ثوانٍ من الصمت الخانق مرت، ثم سُمع صوت مفتاح يدور في قفل الباب ببطء شديد…
انفتح الباب، لكن لم تكن هي التي تقف هناك.
كان زوجي.
دخل وعيناه حمراوان كالدم، ملامحه مشوهة بالتعب والذعر، ويحمل في يده حقيبة صغيرة. نظر إليّ والظرف المفتوح ما زال ملقى على الطاولة، ثم قال بصوت متحشرج:
— كنتِ تتحدثين مع أحد؟ سمعتُ صوتكِ وأنا أصعد السلم.
تلعثمتُ والكلمات تتهارب من لساني:
— كـ… كانت هي… اتصلت بي الآن!
تسمّر في مكانه، وسقطت الحقيبة من يده على الأرض. قفز في عينيه بريق جنوني واقترب مني بغضب، أمسك بكتفيّ حتى كادت عظامي تتكسر وقال بصراخ:
— من؟! زوجتي؟ ماذا قالت لكِ؟ من أين اتصلت؟ أين هي وبناتي؟!
بقيتُ أشهق بالبكاء وأنا أردد:
— لم تقل أين هي… قالت إنها عادت، وقالت إنها ستأخذ البيت وكل شيء، وأنها ستأتي غداً صباحاً!
أفلخ قبضته عني وتراجع خطوتين، وسقط على أقرب كرسي وهو يضع يديه على رأسه. بدأ يضحك ضحكة هستيرية مكسورة، ضحكة رجل فقد عقله وتوازنه. رفع رأسه ونظر إليّ بنظرات ملؤها الازدراء وقال:
— حقها… حقها أن تأخذ كل شيء. هل تظنين أن الله ينسى المظلوم؟ لقد أمضيتُ الأشهر الماضية أبحث عنها كالمجنون، وفي كل مكان أذهب إليه، كنتُ أجد أثراً لما فعلناه بها. هل تعلمين أين كانت تعيش في الأسابيع الأولى بعد طلاقها؟
سكت لثوانٍ وكأنه يستحضر كابوساً، ثم أكمل بصوت مبحوح:
— كانت تنام مع بناتي في حجرة صغيرة ملحقة بمسجد قديم في أطراف المدينة، تعمل في تنظيف المسجد وإعداد الطعام للمحتاجين فقط لتجد لقمة عيش تسد بها رمق بناتها! بناتي اللاتي كُنّ يعشن في عزّي، كُنّ يبتن على البلاط البارد بسبب كذبكِ وجشعي وخوفي الزائف على كبريائي!
كان كلامه يقع عليّ كالسياط. لم أستطع النطق بحرف، فالذنب كان أكبر من أي اعتذار، والندم أتى بعد فوات الأوان.
