حكايات زهره الربيع 3

في صباح اليوم التالي، وتحديداً في ساحة المحكمة الإسكندرية الابتدائية، كان المشهد النهائي يكتمل بأقسى صور العدالة الإلهية.

حضرتُ برفقة المحامي الخاص بالمجموعة لإنهاء الإجراءات، في حين كانت الحجة سعاد تقف خلف قضبان الحاجز في انتظار بدء جلسة المعاينة والتجديد في قضايا التزوير الضريبي والشيكات بدون رصيد التي رفعها دائنوها الجدد. كانت تبدو هرمة، منكسرة، وقد تداعت كل أسوار الكبرياء والتسلط التي بنتها لسنوات على حساب كرامتي وقمصان ابني.

ماجد كان يقف في زاوية الممر، وحيداً، بلا شركة، وبلا مال، وبلا عائلة. نورهان لم تحضر حتى لرؤية أمها، وعائلة النويري كانت قد طوت صفحتهم للأبد بعد أن استردت كافة حقوقها بالقانون.

عندما رأتني سعاد أقترب، مدّت يدها المرتعشة من بين القضبان وقالت بصوت خافت مكسور:

* “سما.. سامحيني يا بنتي.. قولي للنيابة إننا تصالحنا.. أنا مريضة ومش هتحمل الحبس!”

نظرتُ إليها بثبات، وفي عينيّ شريط كامل من السنوات الخمس الماضية: إهاناتها اليومية لي ولأهلي، وتقليلها من شأني، وزقها العنيف لابني زياد على رخام القاعة، ومحاولتها سرقة عرق عمري تحت مسمى “الأصول”.

قلتُ لها بصوت هادئ، حاسم، يشبه صدمة الحقيقة التي أخرجها زياد بالميكروفون أمام الجميع:

* “الأصول مش كلام يتقال في صالونات الفنادق يا سعاد.. الأصول إنك تحترمي اللقمة اللي بياكلها طفل، وتحترمي عرق الناس اللي شغالين بشرف. أنتِ اللي بنيتي بيتك على الظلم، والنهارده بيتك وقع على دماغك.”

التفتُّ إلى ماجد الذي اقترب بخطوات متباطئة، وأخرجتُ من حقيبتي صور المستندات القديمة الخاصة بإرثه المسلوب وركبتها في يده:

* “دي حقوقك الشرعية اللي أمك سرقتها منك قبل ما تتجوزني.. كانت مسيطرة عليك بفلوسك أنت! بس للأسف أنت اخترت تكون تابع وظالم زيها بدال ما تكون راجل بيحمي مراته وابنه. الفلوس دي استردها بالقانون لو فاضل منها حاجة.. لكن حياتك معايا انتهت للأبد.”

سقطت الأوراق من يد ماجد، ونظر لأمه بصدمة وذهول جعلته يقف مذهولاً لا ينطق بحرف، بينما انطلقت صافرة الحاجب ليعلن بدء الجلسة واقتياد سعاد إلى المنصة.

تركتهم خلفي ومشيتُ بثقة وثبات نحو البوابة الخارجية للمحكمة، حيث كان الهواء النقي يملأ صدري.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *