بعد بكرا اول يوم عيد الاضحي 2
نظر إليّ حسام بذهول وكأنه يرى وجهي لأول مرة، ملامح الصدمة كانت تكسو وجهه وهو يستمع إلى نبرة صوتي الحازمة التي خلت تماماً من الانكسار والدموع. سألني بصوت خفيض:
* “شروط إيه يا إنجي؟ أنتي عايزة إيه بالظبط؟ أنا مستعد أعمل أي حاجة بس ترجعي معايا ومتخربيش بيتنا في أيام مفترجة زي دي”.
أخذت نفساً عميقاً، وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، أخرجت من حقيبتي علبة صغيرة ووضعتها على الطاولة أمامه. فتح حسام العلبة ليرى عقد ملكية الشقة، ومعه “وصولات الأمانة” والمبالغ التي كنت قد ساعدته بها في بداية زواجنا لتجهيز المنزل من واقع عملي الخاص.
نظرت في عينيه مباشرة وقلت بمنتهى الهدوء:
* “أولاً يا حسام، الشقة دي اللي والدتك بتقول إني ضيفة فيها وإنك هتطلقني وتطردني منها، أنا ليا فيها النص ماديّاً، ومن بكرة الصبح هنروح للشهر العقاري وتكتب لي نص الشقة بيع وشراء قانوني، ده حقي وحق تعبي اللي كنت دايماً بأجله عشان مبينش إن في فرق بيننا”.
ابتلع حسام ريقه بتوتر، وبدا عليه الإحراج الشديد، لكنه أومأ برأسه وقال: “حاضر يا إنجي، من بكرة الصبح هنعمل ده، وأنا أصلاً عمري ما فكرت أظلمك ولا أطردك، ده كلام أمي وهي غلطانة”.
تابعت شرطي الثاني دون أن أمنحه فرصة للمقاطعة:
* “ثانياً، ودا الشرط الأهم.. طنط على عيني وعلى راسي، لكن من هنا ورايح ليها جناحها الخاص أو غرفتها، ومفتاح الشقة ميبقاش معاها، وم تتدخلش في الكبيرة ولا الصغيرة في حياتنا. الأكل والشرب هيدخل لها لحد عندها معززة مكرمة، لكن إدارة البيت ده تخصني أنا لوحدي، ولو لمت حواجبها في وشي أو في وش أهلي تاني، أنا مش هسيب البيت يا حسام.. أنا هطردها هي، وبقوة القانون وبأصل الملكية اللي هكتبه بكرة”.
أحس حسام بمدى الجدية في كلامي، وعرف أن الخيار أمامه إما أن يخسر زوجته وبيته بالكامل، أو يضع حداً قاطعاً لتدخلات والدته التي كادت أن تدمر حياته. تنهد وقال بقلة حيلة: “موافق يا إنجي.. موافق على كل شروطك، أنتي استحملتي كتير وده حقك عشان تأمني نفسك وتعرفي إنك صاحبة بيت مش ضيفة”.
قاطعت حديثنا أمي وهي تدخل الصالون حاملة الشاي، فتبدلت ملامحي فوراً إلى الابتسامة الطيبة، وجلسنا نتناول الشاي وكأن شيئاً لم يكن. اتفقت مع حسام أنني لن أعود معه في نفس الليلة، بل سأقضي الليلة عند أهلي حتى يذهب هو إلى المنزل ويضع النقاط فوق الحروف مع والدته، على أن يمر عليّ في الصباح الباكر لتوثيق العقود ثم العودة إلى بيتنا.
في تلك الليلة، عاد حسام إلى الشقة. ومن خلال الكاميرات، رأيت المشهد الإضافي من دراما هذه العائلة. كانت حماتي تجلس في الظلام تبكي بحرقة، ليس ندمًا على ما فعلته بي، بل لأن ابنتها سمر قاطعتها وأغلقت الهاتف في وجهها، ولأن ابنها خرج غاضباً بسببي.
بمجرد دخول حسام، وقفت حماتي وقالت بنبرة عتاب مصطنعة:
* “كده يا حسام؟ تسيب أمك يوم العيد لوحدها عشان تروح للست هانم وأهلها؟ دي بدل ما تيجي تبوس على إيدي وتعتذر لي إنها علت صوتها عليا وعملت فتن بيني وبين أختك سمر؟”
نظر إليها حسام بنظرة باردة وجافة للغاية، وقال بصوت حاسم:
* “أنا مش هجادل معاكي يا أمي، ولا هفتح موضوع الفخدة ولا الكفتة ولا الإهانات اللي وجهتيها لمراتي وأهلها. أنا جاي أقولك كلمتين وبس.. إنجي راجعة بكرة الصبح، ومن بكرة الشقة دي هتبقى نصها باسمها قانوناً. ومن بكرة برضه، حضرتك ليكي أوضتك، أكلِك وشربِك وخدمتِك هتوصلك لحد عندك، لكن خطوة واحدة برة أوضتك عشان تتدخلي في البيت أو في مراتي مش هسمح بيها، ولو ده مش عاجبك، شقة سمر بنتك واسعة وتكفي الحبايب، روحي اقعدي عندها”.
صُدمت حماتي صدمة عمرها، ولم تتوقع أبدًا أن يصل الأمر بابنها إلى حد تخييرها بين الالتزام بحدودها أو الطرد، خاصة بعد أن خسرت ورقتها الرابحة عند ابنتها سمر. وقفت مذهولة ولم تنطق بكلمة واحدة، ودخلت غرفتها وهي تجر أذيال الخيبة والهزيمة.
في صباح اليوم التالي، جاء حسام كما وعدني. توجهنا فوراً برفقة محامٍ وقمنا بإنهاء كافة الإجراءات القانونية ونقل ملكية نصف الشقة لي رسميًا. كنت أشعر بالفخر وأنا أمسك الأوراق بيدي؛ لقد استعدت كرامتي، وأمنت مستقبلي، وعلمت حماتي درساً قاسيًا بأن البيوت لها حرمة، وأن كرامة الأهل خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
عدت إلى الشقة وأنا أرتدي كامل أناقتي وثقتي. فتحت الباب بمفتاحي، ودخلت بخطوات واثقة. كانت حماتي تجلس في الصالة، لكنها بمجرد أن رأتني، لم تنطق بكلمة واحدة، بل أشاحت بوجهها ودخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء لم أعهده فيها من قبل.
ابتسمت في سري، وتوجهت إلى المطبخ لأجهز الغداء لي ولزوجي. ظننت أن الأمور قد استقرت تماماً، وأن القصة انتهت عند هذا الحد من الانتصار… لكنني لم أكن أعلم أن هدوء حماتي المفاجئ وانعزالها في غرفتها لم يكن استسلاماً، بل كان يخفي وراءه فصلاً جديداً ومؤامرة أخرى لم تتوقعها مخيلتي…
مرت أيام العيد بسلام ظاهري، وكانت الشقة تعيش في حالة من الصمت التام. حماتي التزمت غرفتها لا تخرج منها إلا للضرورة القصوى، وإذا تقاطعت طرقنا في الممر كانت تشيح بنظرها بعيداً وتتظاهر بعدم رؤيتي. أما حسام فكان يحاول بشتى الطرق تعويضي وإرضائي، وكان يرى في هدوء أمه دليلاً على أن الدرس قد نجح وأن المياه عادت إلى مجاريها.
لكن غريزي كإمرأة كان يخبرني بأن هذا الهدوء مريب، فإمرأة بتركيبة حماتي وشخصيتها المسيطرة لا يمكن أن تستسلم بهذه السهولة، خاصة بعد أن كُسرت هيبتها أمام ابنتها وكُتب نصف البيت باسمي.
في أحد الأيام، بعد مرور حوالي أسبوعين على الحادثة، كان حسام في عمله، وكنت أتابع تنظيف المطبخ وترتيب المنزل. فجأة، سمعت صوت جرس الباب يَرن. ذهبت لأفتح، فوجدت أمامي سمر، شقيقة حسام.
كانت ملامح سمر متوترة ومترددة، ولم تكن تحمل تلك النبرة الحادة التي اعتادت عليها. نظرت إليّ وقالت بنبرة خفيضة:
* “إزيك يا إنجي.. كل سنة وأنتي طيبة”.
رددت عليها بهدوء ووقار: “وأنتي طيبة يا سمر، اتفضلي”.
دخلت سمر وجلست في الصالة، وظلت تفرك يديها بقلق. سألتها إن كانت تريد رؤية والدتها، فتنحنحت وقالت: “أنا هقعد مع ماما طبعاً، بس أنا كنت جاية أتكلم معاكي أنتي الأول كلمتين يا إنجي.. بخصوص اللي حصل في العيد”.
توقعت أن تبدأ بالعتاب أو الدفاع عن والدتها، لكن ما قالته صدماني تماماً. نظرت إليّ وقالت:
* “أنا جيت النهاردة عشان ميبقاش في شيل نفوس بيننا. أنا عرفت إن ماما غلطت في حقك وفي حق أهلك، وأنا نفسي اتقهرت لما عرفت إنها صغرتني قدام جوزي وأخدت حاجة مش بتاعتي. بس أنا جاية أنبهك يا إنجي.. أمي مابتسكتش على حقها، وهي مش طايقة فكرة إنك أخدتي نص الشقة وبقيتي صاحبة كلمة هنا”.
حاولت الحفاظ على برودي وقلت: “والله يا سمر، أنا مأخدتش غير حقي، والبيت بيت أخوكي وهو اللي رغب في كدة عشان يرجعني ويصلح غلطة والدتك”.
تنهدت سمر وقالت وهي تقف متوجهة لغرفة والدتها: “أنا قولت اللي عندي عشان ضميري يرتاح وعشان حسام أخويا ميتأذيش.. خدي بالك من نفسك ومن بيتك الفترة اللي جاية”.
تركتني سمر ودخلت إلى غرفة حماتي، وأغلقت الباب خلفها. جلست أنا في الصالة وعقلي يطبخ الأفكار. “خدي بالك من نفسك ومن بيتك؟” ماذا تقصد سمر؟ هل خططت حماتي لشيء وأخبرت به ابنتها؟ أم أن سمر تلاحظ تحركات غريبة؟
تذكرت فوراً كاميرات المراقبة السرية التي وضعتها في الصالة والممر. طوال الأيام الماضية لم أكن أراجع التسجيلات بدقة لأن حماتي كانت تقضي أغلب وقتها في غرفتها. لكن كلام سمر أثار فيّ الرعب والفضول معاً.
أمسكت بهاتفي وفتحت التطبيق الخاص بالكاميرات، وبدأت أراجع تسجيلات الأيام الثلاثة الماضية بالسرعة المضاعفة، مركّزة على الأوقات التي أكون فيها خارج المنزل لشراء الطلبات أو لزيارة أهلي.
في البداية، لم يكن هناك شيء غريب؛ حماتي تخرج لتشرب الماء أو تدخل الحمام وتعود. لكن عندما وصلت لتسجيل يوم أمس ظهراً، وهو الوقت الذي كنت فيه عند طبيبة الأسنان لمدة ساعتين، رأيت شيئاً جعل دماء في عروقي تتجمد.
رأيت باب غرفة حماتي يفتح ببطء. خرجت وتلفتت حولها في الصالة لتتأكد أن الشقة فارغة تماماً. لم تكن تتحرك بهدوء الشخص المريض أو المكسور، بل كانت تتحرك بخفة ونشاط غريب. توجهت مباشرة نحو غرفتي أنا وحسام!
حاولت فتح الباب، لكنني كنت قد أغلقته بالمفتاح قبل خروجي تحسباً لأي شيء. عندما وجدت الباب مغلقاً، ظهرت على وجهها ملامح غيظ شديد. لكنها لم تستسلم، بل عادت إلى غرفتها وأحضرت حقيبتها الخاصة، وظلت تبحث فيها حتى أخرجت “مجموعة من المفاتيح القديمة”!
وقفت أمام باب غرفتي وظلت تجرب المفتاح تلو الآخر، وبدا عليها الإصرار الأعمى، حتى نجحت في النهاية! دار المفتاح في القفل وانفتح الباب.
دخلت حماتي إلى غرفتي، واختفت عن رؤية الكاميرا (لأنني لم أضع كاميرا داخل غرفة النوم حفاظاً على خصوصيتي مع زوجي). بقيت داخل الغرفة لمدة ثلث ساعة كاملة!
عندما خرجت، كانت ملامحها تتطاير منها الشماتة والانتصار، وكانت تحمل في يدها ورقة مطوية بعناية، وضعتها في جلبابها، ثم أعادت غلق باب الغرفة بالمفتاح القديم كما كان، وعادت إلى غرفتها وكأن شيئاً لم يكن!
تلقيت الصدمة وأنا أتنفس بصعوبة. أعدت اللقطة مرتين وثلاثة ليتأكد عقلي مما تراه عيني. الورقة المطوية! لا توجد أوراق هامة في غرفتي أحتفظ بها سوى شيئين: إما عقود ملكية نصف الشقة التي وثقتها مع حسام منذ أيام، أو وصولات الأمانة القديمة ومستندات عملي الخاص!
قمت فوراً وذهبت إلى غرفتي، فتحت الدولاب وتوجهت إلى الخزنة الصغيرة التي أضع فيها أوراقي خلف الملابس. فتحتها بيدي المرتعشتين.. لتتحول الصدمة إلى حقيقة مريرة:
عقد الشقة الموثق لم يكن موجوداً! لقد سرقته!
جلست على الأرض وأنا أشعر بالذهول. هل وصلت بها الجرأة إلى سرقة عقد رسمي موثق في الشهر العقاري؟ وماذا تظن نفسها فاعلة به؟ هل تعتقد أن اختفاء الورقة يلغي الملكية المسجلة في دفاتر الدولة؟ أم أنها تخطط لشيء أبعد من ذلك بكثير؟
وفي تلك اللحظة بالذات، سمعت صوت مقبض باب غرفة حماتي يفتح، وخرجت سمر ومعها والدتها وهي تودعها بصوت مسموع. وقفت أنا عند باب غرفتي ونظرت إلى حماتي مباشرة. كانت نظراتها إليّ في تلك اللحظة مليئة بالتحدي والشماتة الكامنة، وكأنها تقول لي بعينيها: “وريني هتعملي إيه دلوقتي يا ست إنجي”.
ودعت سمر وخرجت، والتفتت إليّ حماتي وقالت بابتسامة صفراء لم أرها منذ يوم العيد:
* “مالك يا إنجي؟ وشك أصفر وزي الليمونة كدة ليه؟ مش عوايدك يعني.. ادخلي ارتاحي يا حبيبتي، ادخلي”.
أدركت في تلك اللحظة أنني أمام مواجهة من نوع آخر، وأن اللعب أصبح على المكشوف وبالمستندات. تظاهرت بالهدوء التام، ورسمت ابتسامة باردة على وجهي وقلت لها:
* “أبدًا يا طنط، أنا بخير الحمد لله.. أصل كنت بدور على حاجة غالية عليا أوي في الأوضة، ولقيتها خلاص.. وعرفت مكانها بالظبط”.
تغيرت ملامح حماتي قليلاً واختفت ابتسامتها، ثم دخلت غرفتها بسرعة وأغلقت الباب.
أما أنا، فربطت جأشي وجلست على السرير وأمسكت بهاتفي. لم أكن غبية لأواجهها فوراً أو أصرخ، فالصراخ سيعطيها فرصة لإنكار مكان الورقة أو إتلافها. كان يجب أن أطبخ لها فخاً جديداً ينهي هذه الحرب تماماً وبلا عودة، فخاً يجعلها تخرج العقد بنفسها وأمام حسام.. ولكي أبدأ، كان عليّ أولاً أن أكتشف ما هي الخطوة الشيطانية التي تنوي حماتي فعلها بالعقد المسروق…
