كيس حكايات رومانى مكرم 2

وقف حسن مبهوتاً وكأن ملك الموت قبض على لسانه، وجفت الدماء في عروقه وهو ينظر إليّ ولأمناء الشرطة المحيطين بي. أما حماتي، “الست هانم”، فقد نزلت تهرول على السلالم تتلفت حولها كالمجنونة، جلبابها يجر خلفها وكبرياؤها المزعوم يتهاوى تحت أقدام أهل الحارة الذين تجمهروا في الشارع يتساءلون عما يحدث.

صرحت حماتي وهي تتنفس بصعوبة وشفتها ترتجف من الغضب والصدمة:

— “أنتِ بتقولي إيه يا بت أنتِ؟! بيت مين اللي بيتك ومحل مين؟! أنتِ اتجننتي في عقلك ولا الشارع لحس مخك؟! يا حاج إبراهيم! يا حاج إبراهيم الحق المجنونة دي جايبة بلطجية وبتقول البيت بيتها!”

خرج عم الحاج إبراهيم ببطء شديد من غرفته بالداخل.. مشيته كانت متزنة، ووجهه خالياً من أي انفعال، كأنه كان ينتظر هذا الموقف منذ سنين. وقف بجانبي تماماً عند عتبة الباب، وتطلع في وجوههم واحداً تلو الآخر بنظرة ثقيلة جعلت الشارع كله يهدأ في انتظار كلمته.

صاحت سمر وهي تمسك بيده وتحاول استعطافه أو حثه على الكلام:

— “يا بابا قولهم! قول لبت الصعيد دي إن البيت ده بيتك أنت وعيالك! قول للضابط إنها نصابة وجايبة ورق مزور عشان تنتقم من حسن لما طلقها!”

سحب الحاج إبراهيم يده من بين يدي سمر بهدوء شديد، وأزاح عصاه على الأرض، ثم قال بصوت خشن وصارم تردد صداه في الشارع:

— “الورق مش مزور يا سمر.. ولا مريم نصابة. مريم هي صاحبة النصيب والأمر في البيت ده من النهارضة. الأوراق دي أنا اللي كتبتها وبصمت عليها في الشهر العقاري بنفسي.. ومن غير ما حد يجبرني.”

شهقت حماتي وضغطت بيديها على صدرها وكأنها تلقت طعنة نافذة:

— “جرى لعقلك إيه يا إبراهيم؟! تبيع بيتنا وحلال عيالنا للغريبة دي؟! للبت اللي طردناها وعايرناها إنها ملهاش حد؟! تكتب لها شقانا وعرق سنيننا؟!”

رد عليها الحاج إبراهيم بنظرة جامدة كالصخر:

— “عرق سنين مين يا هانم؟! البيت ده أنا شاريه بفلوسي وعرقي من قبل ما أعرفك ومن قبل ما الأستاذ حسن ييجي الدنيا! السنين اللي بتتكلمي عنها هي السنين اللي قعدتي فيها أنتِ وبنتك تتأمري وتفتري على أمانة ربنا اللي دخلت بيتنا! خمس سنين وأنا شايف ابنك قليل الحيلة، عايش تحت ضلك، سايبك تظلمي وتجوري وتفرشي الملاية لبت أصول ما شفتش منها غير كل خير وإحسان!”

التفت الحاج إبراهيم إلى حسن، الذي كان واقفاً يرتجف كالطفل الخائف، وقال له بصوت يحمل خيبة أمل سنين طوال:

— “كنت فاكرك راجل يا حسن.. فاكرك هتعرف تصون بيتك وتعدل بين مرتك وأمك. بس أنت طلعت عيل، هربت واستخبيت في الأوضة يوم ما مرتك اتطردت مظلومة بالهدوم اللي عليها، واستكفيت بإنك تسمع كلام أمك وبنتك! اللي ما يصونش أصوله ولا يحمي مرته، ما يستاهلش يشيل اسمي ولا يستاهل يورث في حلالي قرش واحد!”

بدأ الشارع يتهامس، وأصوات الجيران تعلو بالتأييد لعم الحاج إبراهيم، فقد كانوا شاهدين طوال سنوات على القسوة والافتراء الذي تعرضت له على يد هذه العائلة.

في تلك اللحظة، تقدم الأستاذ رفعت المحامي وفتح الملف الرسمي قائلاً بلهجة قانونية حاسمة:

— “بناءً على التوكيل الرسمي الممنوح للست مريم عبد الرؤوف من المالك الأصلي الحاج إبراهيم الدسوقي، وبناءً على عقود الملكية المسجلة، تم إخطاركم رسمياً بالآتي:

أولاً: إغلاق محل العطارة بالأسفل فوراً وتسليم مفاتيحه للست مريم لترأس إدارته بنفسها.

ثانياً: إمهال الشاغلين للشقق بالدور الثاني والثالث (حسن وأمه وسماح) مهلة مدتها خمسة وأربعون يوماً لإخلائها تماماً، أو توقيع عقود إيجار جديدة بقيمة السوق الحالية تُدفع شهرياً للست مريم!”

صرخ حسن أخيراً محاولاً استعادة أي شيء من رجولته المفقودة:

— “إيجار إيه وإخلاء إيه؟! أنا مش طالع من بيتي! ودي طليقتي، مالهاش تدفعني قرش واحد ولا تتحكم فيا!”

خطوت خطوة واحدة للأمام، ووقفت أمامه مباشرة.. لم أعد أرى فيه ذلك الزوج الذي أملت فيه الحياة والظهر، بل رأيت شخصاً مجرداً من كل نبل. نظرت في عينيه وقلت بنبرة أبرد من الثلج:

— “لا يا حسن.. هتدفع، ورجلك فوق رقبتك! زي ما كنت بشوفك بتاخد حسنتي وعرقي وتستقوى عليا بأمك، النهاردة الدواير تدور. الشقة اللي كنت فاكر نفسك بتطردني منها، بقيت أنا أجرها لك بفلوس! والمحل اللي كنت بتتباهى بيه قدام الحارة، مفاتيحه في إيدي أنا!”

ساد الذهول والموقف أربك حماتي التي بدأت تبكي لأول مرة، ليس حزناً على ما فات، بل خوفاً على مكانتها وكبرياؤها الذي تحطم أمام أهالي الحي بأكمله. التفتت إلى ابنها تضربه على صدره بقلة حيلة وهي تصيح:

— “اعمل حاجة يا حسن! اتصرف يا فالح! شوف المكسورة دي بتعمل فينا إيه!”

لكن حسن لم يكن يملك شيئاً ليفعله. فالقانون كان يقف بجانبي، والمالك الأصلي كان يقف في ظهري، والأوراق رسمية لا تشوبها شائبة.

أخذت مفاتيح المحل الكبير من يد أمين الشرطة بعد أن تم تحرير المحضر بالتمكين وتسليمه لي رسمياً أمام الجميع. أدرت المفتاح في القفل الصدئ، وفتحت باب المحل لأول مرة بصفتي صاحبة الملك والمكان.

التفتُّ إلى حماتي وسلفتي سمر وقلت بابتسامة هادئة وثابتة:

— “الـ 45 يوم بدأوا من الدقيقة دي.. تحبوا تجيبوا الإيجار لحد عندي في المحل، ولا أبعت لكم المحضر يلم العفش في أكياس زبالة ويرميه في الشارع زي ما عملتم معايا؟”

انطلقت همهمات أهل الشارع بالاستحسان، ونكست حماتي رأسها في الأرض لأول مرة منذ أن وطأت قدمي هذا البيت، بينما كان حسن ينظر إليّ بذهول وعجز، مدركاً أن المرأة التي طردها بالأمس بلا شيء، عادت اليوم لتمتلك كل شيء.

مرّت الأيام الأولى كأنها دهر كامل، لكنها لم تكن تشبه أي أيام قضيتها في هذا البيت من قبل. الشارع الذي كان يرمقني بأعين العطف والشفقة، بات يبسط لي الهيبة والاحتفام. محل العطارة الكبير بالأسفل، صاحب اللوحة الخشبية القديمة التي أكلها الدهر، فتحت أبوابه الصاج على مصرعيها من جديد. لم أكن أفتح محلاً تجارياً فحسب، بل كنت أفتح صفحة حساب قديمة، أرد فيها لكل ذرة ظُلم ثمنها، وبالقانون.

جلستُ خلف المكتب الخشبي العتيق، المكتب الذي طالما جلس عليه حماي “عم الحاج إبراهيم” لسنوات طويلة يرقب منه غدر الزمان. وضعتُ أمامي دفاتر الحسابات الجديدة، وعيناي تتابعان حركة الشارع. وفي الأعلى؟ كانت الاصوات والصرخات لا تتوقف. بيت العيلة الذي طالما شهد ضحكات التشفي ونظرات التعالي، بات يسوده التوتر والذعر من القادم.

“الست هانم” حماتي، لم تعد تملك تلك الجرأة لتقف في البلكونة وتربع يديها وتبصق زفرات كبرها على من يمرون تحتها. أصبحت الستائر مغلقة طوال النهار، لا يظهر من خلفها سوى طيف سمر ابنتها وهي تتلصص برعب لتشاهد من يدخل المحل ومن يخرج منه. أما “حسن”.. فطليقي الذي ظن أنه بطلاق وطرد زوجته قد أنهى كابوساً ورماها خلف ظهره، أصبح يخرج ويمر من أمام المحل ناكساً رأسه، يهرب ببنطاله المهلهل وخطواته المترددة من نظرات أهل الحارة التي باتت ترميه بالضعف والخيبة.

في صباح اليوم الخامس عشر من مهلة الخمسة والأربعين يوماً، جاءني الأستاذ رفعت المحامي ومعه أوراق جديدة، حاملة أختاماً حمراء ناصعة من المحكمة.

جلستُ أستمع إليه بكل هدوء وأنا أصب له كوباً من الشاي بنعناع:

— “أهلاً يا أستاذ رفعت.. إيه الأخبار عندك؟”

وضع الأستاذ رفعت ملفاً رسمياً على المكتب، وابتسم بانتصار:

— “الأخبار فوق ما تتخيلي يا ست مريم. الإنذارات الرسمية بدفع الإيجار للمدة الانقضائية سلمت لهم باليد عن طريق المحضرين. وليس هذا فقط.. المحكمة أصدرت قراراً بمنع التصرّف أو البيع لأي عين داخل العمارة، بناءً على دعوى إثبات الملكية والتنازلات الموثقة التي يقدمها عمك الحاج إبراهيم. يعني من الآخر: حسن وأمه وأخته باتوا مستأجرين مع وقف التنفيذ، وإذا لم يدفعوا قيمة الإيجار المحدد في نهاية المهلة، سيصدر بحقهم حكم طرد مباشر وبقوة الشرطة!”

في هذه اللحظة بالذات، دخل “عم الحاج إبراهيم” المحل بخطواته الثقيلة الهادئة، مستنداً على عصاه الأبنوس. نظر إليّ ونظر إلى المحامي، ثم جلس على كرسيه الخشب القش المفضل بجانب الباب.

قال الحاج إبراهيم بنبرة ثابتة لكنها تحمل حزناً غائراً:

— “يا أستاذ رفعت.. أنا مش عاوز أظلم حد، ولا عاوز أطرد عيالي في الشارع. أنا بس عاوزهم يتأدبوا.. عاوزهم يفهموا إن الله حق، وإن القرش اللي طمعوا فيه وعايشين عليه مش مالهم، وإن الظلم لو طال، ييجي يوم ويتقص منه.”

رد الأستاذ رفعت باحترام:

— “حقك يا حاج إبراهيم.. والست مريم ماشية في النور وبأصلها الصعيدي. الأوراق كلها بتثبت إن تصرفاتك قانونية 100%، وهم مالهمش أي منفذ قانوني يهربوا منه، إلا لو وجدوا طوق نجاة أنت اللي تديهولهم.”

لكن طوق النجاة لم يكن في حساسي أو حساباتي. لقد تعلمتُ من سنين القهر أن الرحمة في غير موضعها هي ضعف.

فجأة، وسُمِع صوت خطوات متسارعة تهبط السلالم الرخامية الموصلة للمحل.. كانت خطوات تعرّفت عليها أذني على الفور.

دخلت “الست هانم” حماتي وهي تجر قدميها جراً، يتلوها حسن بملامح وجهه الشاحبة التي خلت من أي مظاهر اللامبالاة، وخلفهما سمر بابتسامتها الصفراء التي غابت وحل محلها الانكسار والخوف. لم تعد تلك الست المتكبرة التي تصيح في الحارة ليسمع الجميع، بل كانت امرأة تبحث عن مخرج من هاوية صنعتها بيديها.

وقفت حماتي أمام المكتب.. نظرت إليّ، ثم التفتت إلى زوجها الحاج إبراهيم، وقالت بصوت مبحوح يحمل ذلاً لم أعهده فيها طوال خمس سنوات:

— “إيه اللي بتعملوه ده يا إبراهيم؟ أنت بتبص للناس وهي بتتفرج علينا وتضحك على خيبتنا؟ تسلم بيتنا للمحروسة دي وتخلي ابنك ورثه يضيع قدام عينيه؟!”

رفع الحاج إبراهيم رأسه ببطء، ولم يتزحزح من كرسيه:

— “بيت مين اللي بتسألي عنه يا هانم؟ البيت ده بيتي أنا، وعرقي أنا. ابنك اللي بتعيطي عليه، طرد الست اللي صانته وخانتيه وعيرتيه بفقرها وجبتيها في الشارع بالهدوم اللي عليها! أنتِ وبنتك سمر خليتوه عيل ملوش كلمة ولا رأي، ولما البت خرجت مكسورة الخاطر، افتكرتم إن ربنا جرى عليه الزمن ونسيها!”

اللتفتت حماتي إليّ، وحاولت الاستعطاف بنبرة مصنعة:

— “يا مريم يا بنتي.. إحنا أهل، والعيش والملح بيننا خمس سنين. حسن غلط، وإحنا غلطنا لما سكتنا، بس مسير الحي يتلاقى.. بلاش تخربي البيت اللي عشتِ فيه، وبلاش تفضحينا قدام الحارة والمحاكم! ارجعي لحسن يا بنتي وكل حاجة تتصلح!”

ابتسمتُ ابتسامة سردت كل أوجاع الخمس سنوات، وقفتُ من خلف المكتب، ووضعتُ يدي على الطاولة، ثم نظرتُ في عينيها مباشرة وقلت بصلابة جعلت جسدها يرتجف:

— “عيش وملح إيه يا ست هانم اللي بتتكلمي عنه؟! العيش والملح اللي كنتِ بترمي لي بواقيه في المطبخ كأني شغالة عندكم؟! ولا الملح اللي كنتوا بترشوه على جروحي كل يوم وأنا بسمع كلامك المسموم ورخامتك أنتِ وبنتك؟!

أنا دخلت البيت ده بعز نفسي بأخلاق الصعيد، وخرجت منه بدعوة مظلوم.. وحقي اللي أخدته ده مش افترا، ده عدل ربنا اللي سخر لي عمي الحاج عشان يرجعه لي!”

ثم التفتُّ إلى حسن، الذي كان يبلع ريقه بعجز، وقلت له:

— “وأنت يا حسن.. فاكر لما كنت بستنجد بيك وبقولك أهلك بيظلموني، وكنت بتوطي رأسك وتسكت أو تقول لي (استحملي دي أمي)؟ فاكر يوم ما طردتني وخرجت من باب الشارع وكنت مستخبي جوه الأوضة خايف تبص في عيني؟

أنت مش راجل يا حسن.. واللي زيك ما يربطش ست أصيلة. طلاقك ليا كان أعظم حاجة عملتها في حياتك، لأنه أحررني من سجنك وسجن أمك!”

صاح حسن بنبرة خائفة ومشتتة:

— “يعني إيه يا مريم؟! عاوزة تطردينا من الشقة؟! عاوزة ترمي أمي وأختي في الشارع؟!”

رد المحامي الأستاذ رفعت بدلاً مني، وهو يبرز إخطار المحكمة النهائي:

— “لا يا أستاذ حسن.. القانون مش بيرمي حد، القانون بيدي كل واحد حقه. أمامك بالضبط ثلاثون يوماً، إما تسدد الإيجار المتأخر بقيمة السوق للست مريم بصفتها المالك والوكيل، إما تتفضلوا بتسليم الشقة هادئين من غير شوشرة، والشرطة هي اللي هتنفذ الحكم!”

انهارت سمر وسقطت على الكرسي تجر أذيال خيبتها، وهي تنتحب:

— “إحنا هنجيب منين الإيجار ده كله كل شهر؟! إحنا كدة هنشحت في الشوارع!”

نظر إليها الحاج إبراهيم بنظرة أخيره حاسمة وقال:

— “اللي أيده في المية مش زي اللي أيده في النار يا سمر. لما كنتوا بترموا مريم في الشارع بحفنة هدوم في شنطة بلاستيك، مكانش فارق معاكم هتنام فين ولا هتاكل منين! دلوقتي دوقتوا نفس الكاس.. والظالم لازم يشرب من نفس المية اللي سقى بيها غيره.”

خرجوا من المحل يجرون أقدامهم في كسرة وهوان لم يشهده أحد في السيدة زينب من قبل. انكسرت شوكتهم، وسقط قناع المتكبرين، وأصبحت العمارة بأكملها تحت إدارتي وحكمي.

التفتُّ إلى الحاج إبراهيم، ونظرتُ في عينيه المليئتين بالرضا. ابتسم لي هزة رأس خفيفة، وكأنه يقول لي: “لقد أديت أمانتي ووفيت بعهدي”.

لكن الأحداث لم تنتهِ عند هذا الحد.. فاليوم الأخير من المهلة كان يخبئ مفاجأة أضخم ستزلزل البيت والحارة بأكملها، مفاجأة لم تكن في حسبان حسن ولا أمه، وستحدد المصير النهائي لهذه العائلة إلى الأبد!

جاء اليوم الخمسون، وهو اليوم المحدد لتنفيذ حكم التمكين والإخلاء النهائي. كانت شمس الصباح تشرق على حارة السيدة زينب بصورة مختلفة؛ لم تكن شمس أغسطس الحارقة التي خرجتُ تحتها مكسورة الخاطر منذ أشهر، بل كانت شمس حقيقة جديدة سطعت لتغسل الظلم وتكشف الحقائق.

في تمام الساعة العاشرة صباحاً، حضرت قوة التنفيذ من قسم الشرطة، يرافقها الأستاذ رفعت المحامي، وجمعٌ من كبار رجال الحارة وعقلائها الذين طلبوا التواجد ليكونوا شهوداً على خاتمة هذه القصة. صعد الجميع إلى الدور الثاني، حيث تقع شقة الشاغلين.

طرق المحضر الباب، ففتحه حسن بملامح شاحبة وعينين أرهقهما السهر وقلة الحيلة. كانت الشقة في حالة من الفوضى؛ الأثاث المتربة، والحقائب المكدسة في الصالة، وحماتي “الست هانم” تجلس على أريكة قديمة وقد هدّها المرض والانكسار، بينما كانت سمر تبكي في الصمت دون أن تجرؤ على رفع عينها في عيني.

تقدم الأستاذ رفعت وقال بلهجة حازمة وقانونية:

— “يا أستاذ حسن.. انقضت المهلة المحددة قانوناً، ولم تقم بسداد قيمة الإيجار المستحق، ولا بتقديم أي سند قانوني يبيح لكم البقاء. نحن هنا لتنفيذ حكم الإخلاء وتسليم العين مالكتها والوكيلة عنها، الست مريم عبد الرؤوف.”

صرخ حسن بصوت خفيض خنقه الرجاء:

— “يا مريم.. علشان خاطر ربنا، علشان السنين اللي بيننا! أسبوع واحد بس ونشوف مكان نروح فيه! بلاش ترمي أمي في الشارع، دي ست كبيرة ومريضة!”

في هذه اللحظة، تقدم عمي “الحاج إبراهيم” بخطواته الثقيلة، ووقف بيننا جميعاً. نظر إلى ابن زوجته وإلى زوجته التي طالما تحكمت في البيت وقست على عباد الله، ثم قال بصوت رزين تردد في أرجاء المكان:

— “يا حسن.. الرحمة مش طلب بنطلبه لما نقع، الرحمة بذر بنزرعه طول ما إحنا قويين علشان نلاقيه لما نضعف. أنت وأمك ما زرعتوش في البيت ده غير القسوة والطمع، ولما مريم كانت بتستنجد بيكم وركعت قدامكم عشان ما تترماش في الشارع الصعيد بعيد عن أهلها، رمتوها بشنطة هدوم وفي كيس زبالة!”

ثم التفت الحاج إبراهيم إليّ وقال:

— “يا مريم يا بنتي.. أنتِ دلوقتي المالك والشرع والقانون في صفك. البيت ده بيتك، والأمر أمرك. افعلي ما يمليه عليكِ أصلك ودينك، ولا تتأثري بدموع متأخرة.”

نظرتُ إلى حماتي المكسورة، وإلى حسن الذي يتوسل بعينيه، وإلى سمر التي كانت تجني ثمار شرها. لقد كان بإمكاني في هذه اللحظة أن أمر ضابط الشرطة بوضع عفشهم في أكياس ونشره في وسط الشارع كما فعلوا معي تماماً، وكان القانون سيحميني، والحارة ستصفق لي.

لكنني تنفستُ بعمق، وشعرتُ بقوة غريبة تسري في صدري.. قوة أصل الصعيد ونخوته التي لا تعرف التشفي أو الدناءة.

التفتُّ إلى ضابط التنفيذ والمحامي، وقلت بصوت هادئ وثابت أذهل الجميع:

— “يا حضرة الضابط.. أنا مش هطرد حد في الشارع. أنا ما تعلمتش أرد الإهانة بإهانة ولا الظلم بظلم.”

شهقت حماتي ورُفعت رأسها بذهول، ونظر إليّ حسن كأنه لا يصدق ما تسمعه أذناه.

واصلتُ كلامي وأنا أنظر إلى حسن وأمه مباشرة:

— “أنا هتنازل عن حكم الإخلاء المباشر، وهكتب لكم عقد إيجار جديد بشروط أصلية ومحددة: الشقة دي تفضلوا قاعدين فيها بشرط دفكم لإيجار شهري عادل يروح لحساب الحاج إبراهيم لضمان مصاريف علاجه وعيشته بعز. أما محل العطارة بالأسفل، فنصفه ملكي بالكامل وإدارته تحت إيدي أنا فقط، وحسن يعمل فيه كعامل بمرتب شهري محدد إذا أحب، أو يفتش له عن شغلانة ثانية تثبت إنه راجل يقدر يعتمد على نفسه!”

ثم التفتُّ إلى سمر وقلت:

— “وأنتِ يا سمر.. الدكان اللي كنتِ بتتفاضلي بيه على خلق الله، بقيتِ بتشوفيني وأنا بديره بعرقي وكرامتي، وعمرك ما هتقدر تحطي إيدك في قرش منه.”

ساد الصمت الشديد الشقة بأكملها، وسقطت دموع حماتي، لكن هذه المرة لم تكن دموع استعطاف، بل كانت دموع خجل وندم حقيقي. تقدمت ونكست رأسها وقالت بصوت خافت:

— “سامحيني يا مريم يا بنتي.. أنا ظنيت إن القوة باللسان والتكبر، ونسيت إن ربنا بالمرصاد. أنتِ طلعتِ أجدع وأرجل مننا كلنا.”

رددتُ عليها بهدوء:

— “المسامح هو ربنا يا ست هانم.. أنا أخدت حقي وكرامتي ورجعت لي، وده يكفيني وزيادة.”

تم توقيع العقود الجديدة والتسوية في نفس اليوم بحضور كبار الحارة والشرطة. وعادت الحياة إلى مجراها في حارة السيدة زينب، لكن بحقيقة جديدة؛ مريم الصعيدية المكسورة، أصبحت هي السند ومالكة العمارة ومديرة المحل، تُحترم من الكبير والصغير، ويدير تجارتها بكرامة وعزة.

أما حسن، فقد تعلم الدرس الأقسى في حياته، وأدرك أن الرجل لا يُقاس بالقسوة والانسياق خلف الباطل، بل بالعدل وصيانة الأمانة.

### الحكمــة والعِبرة من القصة:

1. **الظلم ظلمات ودعوة المظلوم لا تُرد:** قد يظن الظالم أن قهر الضعيف والمستضعف نصرٌ مؤقت، لكن العدالة الإلهية تسوق الحق بأغرب الطرق وأبسط الأسباب (حتى وإن كان في كيس زبالة).

2. **الصمت ليس ضعفاً بل حكمة:** صمت “الحاج إبراهيم” لم يكن عجزاً، بل كان انتظاراً للحظة المناسبة ليدق مسمار الحق ويضع كل إنسان في حجمه الطبيعي.

3. **العفو عند المقدرة من شيم الأقوياء:** إن قمة القوة والشهامة ليست في الانتقام والبطش بالمقہور عندما تمتلك السطوة، بل في إرجاع الحق لأصحابه مع الإبقاء على الرحمة والترفع عن الصغائر.

4. **الكرامة والأصل الطيب هما الثروة الحقيقية:** أخرجوا مريم بشنطة يدها ورداء جسمها، لكن أصلها الطيب وكرامتها هما اللذان أرجعا لها حقها وجعلا الجميع يخضعون لهيبتها في النهاية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *