حكايات زهره الربيع 1

​أول ما أمي تدخل من باب الشقة، تلاقي غادة قايمة واقفة، بقمة الصحة والنشاط، وتبص لأمي بابتسامة ناعمة وتقولها: «والله يا طنط أنا بنضف واطبخ واعمل كل حاجه لوحدي . بس هو محمود ابنك اللي أصر يناديلك! عمال يقولي إنتي متتعبيش نفسك خالص خلي أمي تشتغل بدالك!».

​أنا كنت بقف متسمر في مكاني من الصدمة! عينيا تطلع لبرة.. إزاي تطلعني قدام أمي إني خايف على تعب مراتي ومفرط في تعب أمي وصحتها؟ إزاي بتقلّب الكلام وتكذب بالبجاحة دي؟ بس برضه، مكنتش بقدر أتكلم ولا أفتح بقي قدام أمي عشان مأكبرش الموضوع وأعمل مشكلة على الفاضي. أمي كانت تبتسم بهدوء، وتطبطب عليها وتبدأ تشتغل وتساعدها وهي ساكتة.

​بعد ما أمي تخلص وتنزل شقتها، كنت أروح لغادة وأنا بغلي: «ليه بتقولي لأمي كده؟ هو أنا اللي أصرّيت ولا إنتي اللي بتبكي وتتحايلي عليا أنزل أناديلها؟».

ترد بكل برود وتدليل كذاب: «وفيها إيه يا حبيبي؟ أنا بقول كده عشان مكسوفة منها إنها بتساعدني، إنما إنت ابنها عادي لما تقول كده مش هتزعل منك!».

​الموضوع اتكرر مرة وتنين وتلاتة.. وبقت عادة. والأسوء من كده، إن غادة بقت تطور في أسلوبها. بقت تلمح لأمي قدامي وتزيد في الكلام: «شفتي يا طنط؟ محمود بيقولي ارتاحي خالص وماما تخدمنا هي مش غريبة!». وما اكتفتش بكده، بقت تقعد وتمد رجلها على الكنبة، وكل شوية تؤمر أمي بأسلوب أصفر: «وانبي يا ماما املي الكوباية دي.. وانبي يا ماما سوي الأكل ده.. وانبي يا ماما امسحي الزاوية دي!». أمي بدل ما كانت بتيجي تساعد ساعة، بقت بتيجي تخدم الشقة كلها من الإبرة للصاروخ.

وبرضه عمرها ما اشتكت، ولا فتحت بقها بكلمة، عشان كانت خايفة على الحمل وعلى زعلي، بس كان باين عليها التعب ركبها كانت بتتورم، وكانت تقعد على الكرسي بالعافية وهي بتستغفر.

​لحد ما جه اليوم اللي طفح فيه الكيل، وما بقاش ينفع أسكت أكتر من كده.

​دخلت البيت في يوم، لقيته مقلوب رأساً على عقب، وأمي واقفة في الحمام بتغسل السجاد التقيل بتاع الصالة! سجاد تقيل جداً أمي بظهرها ده بتغسله بفرشة على الأرض! أنا اتصدمت، الدم غلي في عروقي وبقيت مش شايف قدامي. بصيت لغادة وقلتلها بصوت مكتوم من الغضب: «هو إحنا من امتى بنغسل سجاد في البيت؟ مش السجاد ده بيروح المغسلة؟».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *