لو هتسمحلي أقعد أنا وولادي2

انحنى عمر بهدوء، والتقط هاتف حسام من على الأرض، ومسح عنه غبار الرخام بيده، ثم وضعه على الطاولة أمامه.
قال بصوت خافت النبرة لكنه يحمل وزن جبل:
— أنا مابلّغتش يا حسام. طارق المحامي لسه رافع البلاغ الرسمي من ساعتين بس، وإجراءات النيابة بتاخد وقتها الطبيعي.. لكن يبدو إن شريكك الجديد، أو الناس اللي بتتعامل معاهم بأموال مشبوهة، فتحوا هم كمان دفاترهم لما شمّوا ريحة الأزمة. لما برج القش يبتدي يتهز، أول ناس بتهرب هي اللي كانت بتطبل لك.
التفت حسام نحو منى، التي كانت لا تزال تقف في أسفل الدرج تحتضن الملف الأسود بكلتا يديها. انحنى ظهره قليلًا وتقدم نحوها خطوتين كشحاذ ضائع:
— منى.. عشان خاطر العيال! عشان خاطر ياسين وملك! إنتِ يرضيكي أبو ولادك يدخل السجن بالكلبشات؟ يرضيكي اسمهم يتشوه في المدارس وبين الناس؟ التنازل يتعمل الليلة، وأنا هسجل نصيبهم رسمي بكرة الصبح، بلاش تسمعي كلام عمر.. عمر بينتقم مني بيكي إنتِ!
نظرت منى إليه، وتفحصت وجهه الذي عاشت معه ثمانية عشر عامًا. لم تجد فيه الزوج الذي أحبته وضحّت بميراث أبيها وأمها من أجله، ولا الأب الذي يحمل هم أطفاله. رأت فقط رجلًا أنانيًا يختبئ خلف أطفاله حين يدنو حبل المشنقة من عنقه، بعد أن كان بالأمس يطردهم في ليلة باردة دون أن يرمش له جفن.
قالت بصوت ثابت لم يهتز فيه حرف واحد:
— اسمهم كان هيتشوه لما الناس تسألهم أبوكم طردكم ليه في نص الليل وإنتوا مش لاقيين لقمة تاكلوها. اسمهم كان هينكسر لما يكبروا ويعرفوا إن أبوهم باع كرامة أمهم وسرق شقاها وبنى بيه قصور لست تانية. السجن مش تشويه يا حسام.. السجن هو المكان الطبيعي للي يسرق ويخون ويفتري.
ثم رفعت رأسها وأشارت إلى باب الفيلا:
— اخرج بره يا حسام. اخرج قبل ما البوليس يجي يلاقيك هنا.
وقف حسام مشلول الحركة لثوانٍ، ثم تحولت نظرات التوسل فجأة إلى سعار أسود. انتفض كذئب جريح، وصاح وهو يشير بإصبعه المرتعش نحوهما:
— قسماً بربي ما هسيبكم! لو دخلت السجن مش هدخله لوحدي، كل عقد، وكل عملية، وكل ورقة من 17 سنة هفتحها، والكل هيتحاسب.. ومش هتشوفي مليم واحد يا منى، هحرق الأخضر واليابس قبل ما تاخدي جنيه من شقايا!
