أول حاجة أسمعها بعد ما قلعت فستان الفرح كان صوت راس حماتي وهي بتخبط في ترابيزة السفرة الإزاز لا كان صوت مزيكا.. ولا صوت جوزي بينده عليا.. ولا صوت ضحك المعازيم اللي لسه تحت. كان صوت كسر مرعب. وبعده.. سكوت تام. وقفت متسمرة على باب أوضة النوم، لسه لابسة الروب الحرير الأبيض اللي صحابي جابوهولي الصبح. الساعة كانت ١٢ ونص بالليل. من أقل من ست ساعات، كنت واقفة في قاعة فخمة في فندق على النيل، وبوعد "طارق" إني هحبه وأعيش معاه طول عمري. دلوقتي، أمه بتنزف على رخام الريسيبشن في الدوبلكس بتاعنا في التجمع الخامس. وأبوه واقف فوقيها. "عشان خاطري يا رؤوف"، طنط صفاء همست وصوتها بيترعش. الدم كان نازل من جرح فوق حاجبها. رؤوف، حمايا، مسكها من دراعها بقسوة. "إنتي أحرجتيني قدام الناس النهاردة." "أنا بس طلبت منك تبطل شرب وتتلم." "وده مش مكانك عشان تتكلمي." وإيده اترفع تاني. دخلت الريسيبشن بسرعة. "نزل إيدك متلمسهاش!" كل العيون بصتلي. كان في خمسة من عيلة طارق لسه موجودين في الشقة بعد الفرح. أخوه الكبير قاعد على الكنبة ولا كأنه شايف حاجة. عمته مديحة ماسكة فنجان قهوة ببرود. اثنين ولاد عمه واقفين عند المطبخ. محدش اتحرك. محدش اتصدم. وده رعبني أكتر من إيد رؤوف اللي كانت مرفوعة. هما شافوا المنظر ده كتير قبل كده. طنط صفاء بصتلي برعب. "سلمى.." همست. "ادخلي أوضتك يا بنتي." رؤوف ضحك باستهزاء. "اسمعي كلامها وادخلي." لكن أنا مشيت ناحيتها. "إنتوا محتاجين إسعاف." "هي محتاجة تفتكر إزاي تحترم جوزها،" رؤوف قالها بعصبية. نزلت على ركبي جنب صفاء. دفي الدم لمس صوابعي. ورايا، عمته مديحة اتنهدت كأني بوظت سهرة حلوة. "إنتي لسه جديدة في العيلة يا حبيبتي.. رؤوف وصفاء طول عمرهم عصبيين وبيحبوا بعض بطريقتهم." بيحبوا بعض. دي الكلمة اللي اختارتها. مش بلطجة. مش عنف. بيحبوا بعض. بصيت لها بذهول. "الست دماغها اتفتحت!" "ده جوازهم وهم حرين فيه." حسيت بحاجة جوايا بتتغير. بابا رباني على قاعدة واحدة أهم من الإتيكيت والفلوس والمظاهر: لما تلاقي حد ضعيف بيتأذي، إوعي تكوني جزء من الجمهور. سندت دراع طنط صفاء على كتفي. "يالا قومي.. إحنا ماشيين من هنا." فجأة إيد مسكت معصمي بقوة. طارق. جوزي. كان لسه لابس قميص الفرح الأبيض بس من غير الجرافتة. لثانية واحدة غبية، حسيت بارتياح. افتكرته جاي يساعدني. لحد ما شفت وشه. مكنش غضبان من أبوه. كان غضبان مني أنا. "سيبيها يا سلمى." بصيتله بصدمة. "أمك بتنزف!" "قلتلك سيبيها." "طارق—" "دي أمور عائلية، متتدخليش." كنت هضحك من العبث. "أنا بقيت من العيلة دي من كام ساعة!" جز على سنانه. "إنتي بقيتي مراتي. ده مش معناه إنك تدخلي البيت ده وتقرري إيه اللي يمشي وإيه لأ." طنط صفاء بدأت تترعش. "عشان خاطري يا طارق سيبها." تجاهلها تماماً. شديت إيدي منه. "وسع من سكتي." مسكني تاني، أمد المرة دي. "إنتي بتصغريني قدامهم." حسيت بتلج نزل على ظهري. نفس الكلمة اللي أبوه قالها. بصيت للأب وللابن.. وفجأة فهمت. العزومات الغالية. الشياكة المصطنعة. إصرار طارق إن ستات العيلة "بيعرفوا الأصول وبيسمعوا الكلام". سكوتهم كلهم لما أبوه بيتعصب. أنا افتكرت الخوف ده احترام. "وسع،" كررتها تاني. طارق قرب مني أوي لحد ما شميت ريحة غضبه. "إنتي محتاجة تتعلمي درس النهاردة." وضربني بالقلم. قلم قوي جداً. راسي اتحدفت لورا. الرؤية زغللت لثانية. ذقت طعم الدم في بقي مكان ما أسناني جرحت خدي من جوه. محدش صرخ. محدش اتحرك. عمته ببساطة نزلت عينيها في الأرض. وهنا عرفت. لو فضلت في العيلة دي، الليلة دي مش هتبقى استثناء. الليلة دي كانت مجرد "توجيه" للي جاي. طارق شاور بصباعه في وشي. "إياكي تقللي من احترامي ولا احترام أبويا في بيـ—" مكملش الجملة. مسكت الإيد اللي بيشاور بيها. جسمي اتحرك قبل عقلي. سنين من تمرين الدفاع عن النفس اللي بابا أصر ألعبه في النادي رجعتلي في لحظة واحدة عنيفة. لويت معصمه لبره وهو بيحاول يشد إيده بعنف. تلاتة من صوابعه اتنوا لورا عكس اتجاههم على طرف كف إيدي. سمعت صوت طرقعة عضم واضحة. طارق صرخ. ووقع على ركبه في الأرض. "إيدي!!" الكل اتنفض. أخوه صرخ باسمي. ورؤوف أخد خطوة ناحيتي بغضب. لفيتله وبصيت في عينه. "إياك تقرب." وقف مكانه. كنت بنهج. خدي بيحرقني. وإيدي بتترعش. بس صوتي كان ثابت. "ابنك ضربني عشان حاولت أساعد أمه المصابة وناخدها المستشفى. لو أي حد في الأوضة دي حاول يمنعني تاني، هطلب البوليس فوراً." "إنتي كسرتي صوابعه يا مجنونة!" عمته صرخت. رديت ببرود: "كان المفروض يخلي صوابعه دي بعيد عني." طارق كان بيأن على الأرض: "يا بنت الـ..." بصيتله من فوق. "جوازنا عاش ٦ ساعات بالظبط." ملامحه اتغيرت. لأول مرة الليلة دي، شفت في عينه رعب حقيقي. لفيت لطنط صفاء. "تقدري تقفي؟" هزت راسها بضعف. سندتها لحد باب الأسانسير. ورايا صوت رؤوف رجع تاني: "لو طلعتي من الباب ده مع مراتي، مترجعيش تاني!" دوست على زرار الأسانسير. الباب فتح. بصيتله من فوق كتفي. "ده كان التخطيط من البداية." نزلنا أنا وصفاء في صمت. وأول ما ركبنا عربيتي، بدأت تعيط. مش بصوت عالي. عياط مكتوم بتاع حد اتعلم من سنين إن حتى العياط ممكن يخلي الأمور أسوأ. سقت على طول على طوارئ مستشفى دار الفؤاد. الدكاترة أخدوها فوراً. قعدت لوحدي تحت إضاءة المستشفى، الدم ناشف على إيدي، وبصمة إيد طارق بتغلي على خدي. الساعة ١:٤٥ بالليل.. اتصلت ببابا. "بابا؟" "سلمى؟" صوته اتنفض أول ما سمعني. "في إيه؟" حكيتله. كل حاجة. لما خلصت، كان في سكوت. بعدها بابا قال جملة هفضل فكراها طول عمري. "إنتي مش هترجعي للراجل ده تاني." "أنا عارفة." "سامعاني؟ ميفرقش معايا الفرح كلف كام. ميفرقش معايا مين هيتكلم ولا يقول إيه. إنتي ترجعي بيتك." عيني دمعت. "أنا مش هسيب طنط صفاء ليهم." سكت شوية، وبعدين صوته حن: "يبقى هنخرجكم إنتوا الاتنين من القرف ده." بعدها بتلت ساعة، موبايلي نور. كانت رسالة من ابن عمي "حازم"، محامي شركات وبيراجع الحسابات في شركة المقاولات بتاعة بابا. الرسالة كان فيها سطرين بس: سلمى، إياكي ترجعي شقة التجمع دي لوحدك تحت أي ظرف. وبعدها رسالة تانية ظهرت: أنا راجعت الورق اللي عمي طلب مني أراجعه امبارح. عيلة طارق مجوزوهولكش عشان هو بيحبك. هما جوزوهولك عشان هما مشهرين إفلاسهم وعليهم شيكات بـ ٤٠ مليون جنيه.. وفيه كارثة تانية لسه مكتشفها حالا بخصوص طارق شخصياً.. طلعت من العناية المركزة في مستشفى دار الفؤاد بعد ما الدكاترة خيطوا جرح طنط صفاء بخمس غرز. كانت قاعدة على السرير، وشها شاحب، وتحت عينيها سواد سنين طويلة من القهر. أول ما شافتني، إيدها المرتعشة مسكت إيدي. "سلمى.. طارق وأبوه مش يسكتوا. رؤوف واصل، وحازم ابن عمك مش فاهم هما ممكن يعملوا إيه." قبل ما أرد، باب الاوضة اتفتح وهجم منه "حازم". كان لابس بدلة الشغل بس قميصه مفتوح من فوق ووشه مغرق عرق، ماسك في إيده ملف جلد أسود تقيل. بص لطنط صفاء بنظرة شفقة سريعة، وبعدين شدني لبرة الأوضة في الطاهية الهادية بتاعة المستشفى. "سلمى، الوضع أقذر مما تتخيلي،" حازم قالها وهو بيهز الملف. "الكارثة الأولى إن شركة أبوه "الراوي للمقاولات" مديونة لبنوك وأشخاص بـ ٤٠ مليون جنيه، وميعاد سداد أول دفعة من الشيكات كان الأسبوع اللي فات.. هما كانوا مراهنين إن مؤخر صداقك والشبكة والشرك اللي كان أبوكي حاطط اسمه فيه هيغطوا البلاوي دي." شديت نفسي وسألته: "والكارثة الثانية؟ الرسالة اللي بعتهالي عن طارق؟" حازم فتح الملف وطلع ورقة رسمية مختومة بختم أحمر من الطب الشرعي ومحكمة الأسر. "طارق مش بس مفلس.. طارق كان متجوز قبلك من سنتين، جواز رسمي اتوثق واتفسخ في سرية تامة بعد ٦ شهور بس." بصيتله بذهول: "متجوز؟! طارق قال إنه عمره ما ارتبط قبل كده!" "مش دي المصيبة يا سلمى،" حازم قرب مني وصوته نزل لوشوشة: "القضية اللي اترفعت عليه من مراته القديمة كانت "شروع في ق/تل وتسبب في عاهة مستديمة".. ضربها في بيته بنفس الطريقة، والست دي خرجت من الجوازة دي بكسر في الجمجمة وفقدان سمع جزئي في أذنها الشمال. أبوه اشترى سكوت أهلها بـ ٣ مليون جنيه واتنازلوا عن القضية قبل ما توصل للنيابة." دمي اتجمد في عروقي. القلم اللي أكلته على وشي من ساعتين مكنش مجرد عصبيّة عابرة.. كان البداية لسيناريو مرعب محبوس جوه العيلة دي. في اللحظة دي، شاشة موبايلي نورت. اسم "طارق". حازم أشر لي أرد وأفتح السبيكر. فتحت الخط وحطيت الموبايل بيني وبين حازم. صوت طارق مكنش فيه أي وجع من صوابعه المكسورة، كان فيه نبرة فحيح حية مسمومة: "فاكرة إنك لما تاخدي أمي وتهربي هتعرفي تلعبي معايا يا سلمى؟ صوابعي اللي اتكسرت دي هتدفعي تمنها غالي أوي.. ويا ريت تسألي أبوكي عن المحاضر اللي بتتعمل دلوقتي في قسم التجمع." رديت بثبات عكس الرعب اللي جوايا: "محاضر إيه يا طارق؟" ضحك بصوت عالي: "سرقة يا حلوة. سرقة مجوهرات وساعات أصلية بقيمة ٥ مليون جنيه من دوبلكس التجمع، ده غير بلاغ بـ "اعتداء جسدي" وإحداث عاهة مستديمة منك ومن أبوكي اللي جاب بلطجية ودخلوا الشقة. أمي اللي معاكي دي؟ هترجع زاحفة لحد البيت، وإلا هتشوفي أبوكي وهو بيتربط بالكلبشات قدام شركته الصبح." حازم سحب الموبايل من إيدي وبصوت صارم زي السيف قال: "أهلاً يا طارق.. معاك حازم الألفي، المحامي الخاص بعيلة سلمى. حابب أقولك إن بلاغ السرقة بتاعك بلّه واشرب ميته، لأن كاميرات المراقبة بتاعة الكمبوند ممرضة ومسجلة لحظة خروج سلمى مع أمك وهي بتنزف من غير ما تشيل كبريتة واحدة. أما بالنسبة للمحاضر.. فأنصحك تبص على الواتساب بتاعك دلوقتي حالا." حازم داس على زرار في موبايله وبعت للملف المترجم بالكامل لطارق، بما فيه تقرير الطب الشرعي لمراته القديمة، وصور الشيكات المفلسة، وتقرير طوارئ مستشفى دار الفؤاد اللي اتسجل فيه حالة طنط صفاء فور وصولها. السكوت خيم على الناحية التانية من الخط. صوت تنفس طارق بيقى سريع وعالي. حازم كمل بنبرة ثلجية: "قدامك ٨ ساعات يا طارق. لو طلاق سلمى يوصلها بكره الصبح مأذون رسمي، مع تنازل كامل عن أي حقوق مادية، ورقضة عدم تعرض.. الملف ده مش هيتوجه للنيابة العامة بتهمة التزوير والنصب وإعادة فتح قضية الشروع في الق/تل القديمة. اختر يا إما تطلق في الهدوء.. يا إما تقضي خطوبتك الجاية في طرة." طارق قفل الخط في وشنا. بصيت لحازم وأنا بنهج: "تفتكر هيستسلم؟" حازم هز راسه بنفي: "طارق وأبوه زي الكلاب المسعورة لما تتربط في زاوية.. مش هيستسلموا بسهولة. رؤوف الراوي عنده كارت أخير هيحاول يلعب بيه الصبح عشان يضغط على أبوكي." سألته برعب: "كارت إيه؟" قبل ما حازم يرد، باب أسانسير الدور اتفتح، وخرج منه بابا.. وحواليه تلاتة من حراس الشركة بتوعه. بس ملامح بابا مكنتش خايفة، كان في عينه غضب ابدائي. بابا قرب مني، مسك وشي بين إيديه وبص على الأثر الأحمر بتاع القلم على خدي، وشفايفه اترعشت من الغيظ. "بابا.." همست. "ولا كلمة يا سلمى،" بابا قالها بصوت صلب يهز الجبال. "رؤوف الراوي فاكر إنه بيلعب مع ناس طيبين.. هو نسى أنا بدأت ثروتي إزاي ومنين. حازم.. جهز العربيات." حازم اتفاجئ: "على فين يا عمي؟ المأذون مش هيفتح دلوقتي." بابا بص ناحية أوضة طنط صفاء، وبعدين بصلي وقال بكل حسم: "على مقر شركة "الراوي للمقاولات".. المخازن الرئيسية بتاعتهم في السخنة بتفتح الساعة ٤ الفجر.. والنهاردة عيلة الراوي هتعرف يعني إيه لما حد يمد إيده على بنتي."