ثلاث شهور حكايات رومانى مكرم 2

دخل الأستاذ عبد المجيد المكتب وهو شايل شنطة جلد سوداء كبيرة، وقال بابتسامة أب حنون:
— “جاهزة يا دكتورة؟ الأستاذ المأذون والظابط وأخته في انتظارنا في مكتب المأذون، وكل الأوراق والمنقولات والدهب وصلوا والمحامي بتاعه راجعهم معايا بند بند.”
هزيت رأسي بثقة:
— “جاهزة يا أستاذ عبد المجيد… يلا بينا ننهي الصفحة دي للأبد.”
نزلنا وركبنا العربية، وفي الطريق لمكتب المأذون، كان الشريط كله بيمر قدام عيني: حادثة أبويا وأمي، بيت عمي وقسوته، دمعتي وأنا بطلب منه أكمل تعليمي بفلوس أبويا، العرسان اللي طفشوهم، الفرحة المزيفة لما اتجوزت ظابط ورسمت الأمان في خيالي، والقلم اللي صحاني على أرض الواقع. كل محطة في حياتي كانت درس قاسٍ، بس كل درس كان بيبنيني وبيصنع مني الست القوية اللي واقفة النهاردة ما بتنكسرش.
وصلنا مكتب المأذون. المكان كان هادي، صدى الصوت فيه بيعكس رهبة الموقف.
أول ما فتحت الباب ودخلت، شفته قاعد على الكرسي. كان لابس بدلة كاجوال، وشه شاحب وعيونه مطفية ومفيهاش أي أثر للغرور أو القوة اللي كان بيتطاول بيها عليا. وجنبه أخته (صاحبتي القديمة) اللي كانت باصة للأرض وخجلانة ترفع عينها في عيني بعد كل اللي حصل من أخوها وأمها.
أول ما دخلت، قام وقف تلقائياً، وبصلي بصة مليانة ندام وحسرة، كأنه بيشوفني لأول مرة… كان بيشوف الدكتورة الشجاعة اللي ما استسلمتش، مش البنت اليتيمة اللي افتكر إنه اشتراها وامتلكها.
الأستاذ عبد المجيد قعد وقدم المستندات للمأذون:
— “اتفضل يا مولانا… دي قائمة المنقولات كاملة بعد ما استلمنا المحتويات وطابقناها، وده الدهب كاملاً بالجرامات والعيار، وده مؤخر الصداق المكتوب في عقد الزواج، وكل الحقوق الشرعية والقانونية للدكتورة استُوفيت بالكامل.”
المأذون هز رأسه وبدأ يراجع الأوراق، وبعدين بص لجوزي وقال:
— “يا أستاذ… أنت متأكد من قرارك بالطلاق الإشهادي والودي بدون أي إكراه؟”
جوزي بلع ريقه، وبصلي بنبرة رجاء حزينة جداً، وقال بصوت خافت مكسور:
— “أنا مستعد أعتذر قدام الكل يا دكتورة… أعتذر لك ولأبوكي الله يرحمه. بلاش ننهي كل حاجة بالشكل ده، أنتي عارفة إني بحبك وإني اتعصبت…”
