حكايات اسما السيد 1

التفت مالك نحو ربى، ولم تكن نظراته تحمل سوى الازدراء المحض. خطا نحوها خطوتين، فتراجعت هي للوراء قليلًا بعدما أرعبها الثبات الساكن في عينيه. قال مالك بصوتٍ جليّ ترصّع بالرخام، وصل إلى أبعد زاوية في القاعة المكتظة:

“سجى لم تخدع أحدًا.. سجى حاربت المرض وانتصرت عليه، حاربت الموت بشجاعة أنتِ لا تملكين القليل منها. شعرها الذي فقدته كان ثمنًا ل حياتها التي منحها الله إياها، أما أنتِ.. فقد فقدتِ إنسانيتكِ دون أي مرض، وفقدتِ كرامتكِ بغلكِ وحسدكِ. سجى تاجها عفتها وقوتها، أما أنتِ فالقبح ساكن في روحكِ، ولا يوجد شعر مستعار في العالم يمكنه أن يغطي قبح قلبكِ!”

ثم التفت مالك إلى مسؤولي الصوت في القاعة، وأمرهم بصوتٍ صارم بأعلى نبرة:

“اطردوا هذه الفتاة خارج القاعة فورًا، ولا تسمحوا لها بالاقتراب من هذا المكان مجددًا!”

تداخلت أيدي الحراس المكلّفين بتأمين الحفل، وأمسكوا بربى التي بدأت تصرخ وتتخبط، محاولة أن تدافع عن موقفها، لكن النظرات التي لاحقتها من جميع المعازيم كانت كفيلة بسحق ما بقي من غرورها. تسللت الضحكات الشامتة هذه المرة نحوها هي، والنظرات التي كانت ترجو أن تراها في عيون الناس ضد سجى، أصبحت مصلوبة على وجهها هي وهي تُسحب إلى الخارج كالمطرودة من رحمة الجميع.

حين أُغلق الباب الخارجي خلف ربى، ساد الصمت لثوانٍ معدودة. كانت سجى ما زالت تختبئ بين أحضان مالك، أنفاسها متسارعة، وجسدها يرتجف نهبًا للذهول والخذلان. صديقة عمرها، من شاركتها ألعاب الطفولة ودروس المدرسة، كانت هي الخنجر الذي استقر في ظهرها.

مسح مالك على ظهرها برفق، ثم أمسك بوجهها بين يديه، وجعل عينيها التائهتين تلتقيان بعينيه. ابتسم لها ابتسامة حقيقية تفيض أملًا وقال:

“سجى.. هل تثقين بي؟”

أومأت برأسها ببطء، والدموع تحتبس في عينيها.

في حركة أذهلت الجميع، أخذ مالك السترة عن رأسها ببطء شديد، ووضعها جانبًا. بدا شعرها القصير جدًا، الذي لم يتجاوز بضعة سنتيمترات، كنعومة الفرو فوق رأسها الصغير. لم يكن شكلها بشعًا كما توهمت ربى، بل كانت تبدو كقديسة خرجت للتو من معركة نبل وشرف، ملامح وجهها الدقيقة وعيناها الواسعتان برزتا بشكلٍ أكثر سحرًا وجاذبية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *