فرح أختي حكايات ندى الجمل 1
أبويا طلّق أمي يوم فرح أختي قدام الضيوف والمعازيم.
والسبب؟ حمات أختي وقفت في نص القاعة وقالت: “لو مطلقتش مراتك دلوقتي، ابني مش هيكمل الجوازة.”
ساعتها أبويا عمل حاجة محدش كان يتخيلها… نطق كلمة الطلاق وسط ذهول كل اللي في القاعة
“طالق…”
الكلمة دي دوّت في قاعة الفرح، وقطعت صوت الأغاني والزغاريد في ثانية واحدة.
أبويا كان واقف ماسك الميكروفون، وبص لأمي وقالها قدام كل الضيوف والمعازيم: “إنتِ طالق بالتلاتة.”
أمي وقفت مكانها، وشها فقد لونه، وأختي العروسة انهارت وهي لابسة الفستان الأبيض، والناس كلها اتجمدت من الصدمة.
والسبب؟
حكايات_ندى_الجمل
حمات أختي كانت واقفة على بُعد كام خطوة، وعلى وشها ابتسامة انتصار، لأنها كانت عارفة إن أبويا هيعمل اللي طلبته… وإلا الفرح كله كان هيتقلب لمأتم
ابتسمت حمات أختي وهي شايفة أمي بتترنح من الصدمة، وقالت بصوت واطي وهي معدية جنبها:
“قلتلك قبل كده… اللي هيقف في طريقي، هعرف أكسره.”
أنا وقتها كنت فاكرة إن الست دي مجنونة، أو إن بينها وبين أمي خلاف قديم. لكن الحقيقة كانت أكبر بكتير.
قبل الفرح بأسبوع، حمات أختي اتصلت بأبويا وطلبت منه انه يروحلها لوحده. قالتله إنها عرفت سر مدفون بقاله أكتر من عشرين سنة، وإن السر ده لو خرج للنور، الجوازة هتتلغي، وبنته هتتــبهدل، وكل البلد هتفضل تتكلم عنها وسيرتها هتبقى على كل لسان
أبويا حاول يعرف هي عرفت إيه، لكنها حطت قدامه ظرف أصفر قديم.
أول ما فتحه، وشه اتقلب، وإيده بدأت ترتعش.
جواه كانت صور، وأوراق، وجواب قديم باسم أمي.
قالتله بكل هدوء: “يوم الفرح… هتطلق مراتك قدام الناس، ومن غير سؤال. لو معملتش كده، الظرف ده هيبقى في إيد ابنى العريس وأهله قبل كتب الكتاب.”
من يومها، أبويا بقى إنسان تاني. لا بينام، ولا بياكل، وكل ما أمي تسأله مالك؟ يقولها: “مفيش.”
وأمي مكانتش تعرف إنها رايحة فرح بنتها… وفي نفس اليوم هتخسر جوزها اللي عاشت معه أكتر من خمسة وعشرين سنة.
لكن اللي حمات أختي مكانتش تعرفه…
إن الظرف اللي كانت بتهدد بيه أبويا… كان مبني على كذبة كبيرة، واكتشاف الحقيقة هيقلب حياتها هي وابنها رأسًا على عقب.
الحقيقة التي غابت عن حمات أختي هي أن الظرف الأصفر الذي سرقته من بيت والدتها القديم لم يكن يخص أمي أنا، بل كان يخص امرأة أخرى تشابهت الأسماء بينهما قبل خمسة وعشرين عاماً في نفس القرية. لكن الصدمة الحقيقية لم تقف عند هذا الحد.
بعد أن ألقى أبي كلمة الطلاق وسادت القاعة حالة من الذهول والانهيار، تقدمت أمي بخطوات ثابتة رغم شحوب وجهها، ولم تبكِ كما تمنت حماة أختي. نظرت إلى أبي وقالت له بصوت سمعه القريبون: “السر اللي عشت خايف منه وعشانه رميتني قدام الناس… أنا اللي كنت حامياك منه طول السنين دي يا إبراهيم.”
في تلك اللحظة، التفتت أمي نحو العريس (ابن الست المنتصرة) وقالت له: “جوازتك من بنتي مش هتم، مش عشان أمك عايزة كده، لا… عشان أمك مكانتش تعرف إن الفلوس اللي جهزتك وعملتلك الشغل اللي إنت فيه ديلوقتي، هي فلوس قضايا النصب اللي أمك حبست فيها أبويا من عشرين سنة، والظرف اللي في إيدها ده مش ورقة تديني… ده إيصال الأمانة الأصلي اللي يودي أمك في سجن القناطر لسه ميسقطش بالتقادم.”
تحولت ابتسامة الحماة في ثانية واحدة إلى رعب حقيقي. تراجعت للخلف وهي تنظر لأمي بفزع، بينما العريس وقف مشدوهاً ينظر لأمه ويطالبها بفهم ما يحدث. في تلك الأثناء، سحبت أمي أختي العروسة من يدها، وخلعت أختي طرحة الفستان الأبيض وألقتها في وسط القاعة، وسرنا جميعاً نحو الباب تاركين القاعة تشتعل بالصراخ والخلافات بين العريس وأمه، وأبي الذي سقط على ركبتيه بعد أن أدرك أنه دمر بيته بيده بناءً على خدعة وتهديد واهٍ.
خرجنا من قاعة الفرح، تاركين خلفنا بركاناً من الفوضى والصدمة. ركبنا أول سيارة أجرة قابلتنا؛ أمي، وأختي بفستانها الأبيض الذي تمزق ذيله من الاستعجال، وأنا. لم تنطق أي منا بكلمة واحدة طوال الطريق، كان صوت أنفاس أختي المكتومة ونشيجها هو الشيء الوحيد الذي يكسر صمت الليل.
حين وصلنا إلى بيتنا، أغلقت أمي الباب وطلبت من أختي أن تخلع فستانها. وبكل هدوء لا يناسب حجم الكارثة، بدأت أمي في لم الأوراق المهمة من الخزنة الصغيرة. نظرت إليها بذهول وقلت: “أمي.. إيه اللي حصل جوه ده؟ وإيه حكاية النصب وإيصال الأمانة؟”
التفتت إليّ أمي، وكان الحزن في عينيها قد تحول إلى صلابة مرعبة، وقالت: “حمات أختك كانت فاكرة إنها لقت الكنز لما لقت الظرف ده في كركبة بيتها القديم. الظرف ده فيه جوابات متبادلة وإيصال أمانة باسم (إبراهيم).. أبوكم. زمان، من خمسة وعشرين سنة، أبوكم اتنصب عليه من الست دي وجوزها الله يرحمه، ومضى على نفسه إيصالات عشان يحمي تجارته. هي افتكرت إن الإيصالات دي تدينه هو، ومكنتش تعرف إن الجوابات اللي مع الإيصال بتثبت بالخط والتاريخ إنها كانت عملية ابتزاز كاملة، وإن الفلوس دي اتغسلت في أراضي ومحلات باسم ابنها العريس ديلوقتي.”
في تلك اللحظة، رن جرس الباب بعنف شديد. ركضت ونظرت من العين السحرية، فوجدت أبي واقفاً، يرتعش بالكامل، ودموعه تسيل على وجهه، وخلفه على سلم البناية كان يقف العريس… ابن حماة أختي، وعلامات الغضب الأعمى تكسو وجهه وهو يصرخ: “افتحي يا حماتي.. أمي هتموت، افتحي وفهمينا إيه اللي بيحصل!”
