المربيه حكايات اسما السيد 3
الفصل السابع: المستحيل اللي رجع للحياة
فضل سليم ماسك التقرير بإيده.
قرأ الاسم مرة…
واتنين…
وتلاتة.
نادين الحديدي.
نفس رقم البصمة.
نفس بياناتها.
مفيش أي احتمال للغلط.
رفع عينيه لمدير الأمن.
وقال بصوت هادي بشكل مخيف:
“أنت واثق من المعمل؟”
رد الرجل فورًا:
“المعمل الجنائي الإيطالي، وبعده اتبعتت العينة لمعمل خاص للتأكيد.”
“والنتيجتين طلعوا متطابقين.”
سليم فضل ساكت.
لكن ليلى كانت شايفة حاجة عمرها ما شافتها قبل كده.
الرجل اللي كل الجرائد بتوصفه إنه ما بيخافش…
كان لأول مرة حاسس إنه الأرض بتتهز من تحته.
—
بعد نص ساعة…
قرر ينزل لمخزن المستشفى.
كان فيه كل متعلقات صوفي اللي وصلت معاها من الطيارة.
شنطة الألعاب.
بطانية صغيرة.
وهدومها.
ليلى كانت بتساعد الممرضة ترتب الحاجات.
وفجأة…
وقفت.
“ثانية.”
بص لها سليم.
قالت وهي ماسكة البطانية:
“دي مش بطانية صوفي.”
“إزاي؟”
“أنا شفتها أول ما دخلنا.”
“كانت بطانية زرقا.”
“ودي رمادي.”
سليم قرب بسرعة.
قلب البطانية.
وفي الركن الداخلي…
كان فيه تطريز صغير جدًا.
الحرفين:
N.H
ليلى همست:
“نادين الحديدي؟”
سليم حس بقلبه يدق بعنف.
البطانية دي…
كانت بطانية زوجته.
كان فاكر إنه احتفظ بيها في الفيلا بعد وفاتها.
إزاي وصلت لصوفي؟
—
في نفس اللحظة…
كان راجل لابس بالطو طبيب ماشي في ممر المستشفى.
وشه متغطي بالكمامة.
عدّى جنب أوضة صوفي.
بص من الإزاز.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وبعدين كمل طريقه.
ولا فرد أمن شك فيه.
—
داخل غرفة المراقبة…
أحد أفراد الأمن لاحظ حاجة غريبة.
قال لزميله:
“رجّع الكاميرا خمس دقايق.”
رجع التسجيل.
ظهر الطبيب.
وقف ثانية قدام أوضة صوفي.
حط إيده في جيبه.
وبعدين مشي.
كبروا الصورة.
مدير الأمن دخل في نفس اللحظة.
قال:
“ثبت الصورة.”
الفني نفذ.
وفجأة…
ظهر طرف وشم صغير خارج كم الطبيب.
مدير الأمن فتح ملف على الكمبيوتر.
بدأ يقارن الوشم بملفات العاملين.
بعد أقل من دقيقة…
وشه اتغير.
“يا فندم…”
سليم رد من السماعة:
“خير؟”
قال الرجل:
“الوشم ده مش لطبيب.”
“أمال لمين؟”
“لواحد من الحرس الشخصي اللي كان شغال عند حضرتك.”
سليم اتفاجئ.
“مين؟”
“أشرف.”
اتسعت عينا سليم.
أشرف كان بيشتغل معاه أكتر من عشر سنين.
وكان موجود يوم وفاة نادين.
بل وكان أول واحد قال له إن العربية انفجرت بالكامل.
قبض سليم على الموبايل بقوة.
وقال:
“هاتوه.”
رد مدير الأمن بصوت منخفض:
“دي المشكلة.”
“إيه؟”
“أشرف استقال بعد الوفاة بأسبوع.”
“واختفى.”
—
في صباح اليوم التالي…
بدأت حالة صوفي تتحسن بشكل واضح.
خرجت تمشي لأول مرة في ممر المستشفى.
كانت ماسكة إيد ليلى.
وتضحك.
كل الممرضات وقفوا يضحكوا معاها.
حتى سليم…
نسي همومه لدقايق.
لكن وهو بيبصلها…
لاحظ حاجة.
صوفي وقفت قدام لوحة كبيرة معلقة على الحيطة.
فيها رسمة ست بتحضن بنتها.
الطفلة فضلت تبص للصورة.
ثم قالت بصوت بريء:
“بابا…”
ابتسم.
“نعم يا حبيبتي؟”
أشارت للوحة.
وقالت:
“دي هي.”
عقد حاجبيه.
“مين؟”
“ماما.”
سليم بص للرسمة.
كانت مجرد لوحة فنية لست مجهولة.
ركع قدام بنته.
وقال بحنان:
“دي مش ماما يا صوفي.”
هزت رأسها بعناد.
“لأ.”
“أنا شوفتها.”
اتسعت عينا ليلى.
“فين يا صوفي؟”
ردت الطفلة بكل براءة:
“في المستشفى.”
سليم حس إن أنفاسه وقفت.
“إمتى؟”
“امبارح.”
“كانت لابسة أبيض.”
“وجت عند سريري.”
“وباستني من هنا.”
وأشارت إلى جبينها.
“وقالتلي…”
سكتت.
كل الموجودين قربوا يسمعوا.
“قالتلي متخافيش…”
“أنا لسه بحبك.”
ساد صمت ثقيل.
لكن قبل ما أي حد يتكلم…
اندفع أحد أفراد الأمن داخل الممر وهو بيجري.
وكان وشه شاحبًا.
“يا فندم!”
لف سليم بسرعة.
“في إيه؟”
قال وهو بيحاول يلقط نفسه:
“لقينا تسجيل جديد من كاميرات المخرج الخلفي.”
“إيه فيه؟”
ابتلع ريقه وقال:
“الكاميرا صورت ست خارجة من المستشفى بعد منتصف الليل…”
“ولما كبّرنا الصورة…”
سكت لحظة.
ثم قال:
“كانت شبه نادين الحديدي… بشكل يخلي أي حد يشك إنها هي.”
وتجمد سليم مكانه…
بين عقله الذي يؤكد أن زوجته ماتت منذ ثلاث سنوات…
وقلبه الذي بدأ يصدق لأول مرة…
أن الحقيقة التي عاش عليها كل هذه السنوات قد تكون مجرد كذبة.
الفصل الثامن: المرأة التي تشبه الموتى
وقف سليم قدام شاشة المراقبة في غرفة الأمن.
الفيديو كان مدته سبع ثوانٍ فقط.
امرأة خارجة من الباب الخلفي للمستشفى.
لابسة بالطو أبيض.
شعرها الأسود مربوط بنفس الطريقة اللي كانت نادين بتربطه بيها.
ولما لفت وشها ناحية الكاميرا…
قلب سليم اتقبض.
الشبه كان مرعب.
نفس الملامح.
نفس طول الأنف.
ونفس طريقة المشي.
لكن مدير الأمن وقف الفيديو وقال:
“استنى.”
كبّر الصورة.
ثم أشار ناحية الأذن.
“شايف؟”
اقترب سليم.
لاحظ إن شحمة الأذن مختلفة.
ونادين كانت عندها شامة صغيرة تحت الفك.
أما الست دي…
مفيهاش أي شامة.
تنفس سليم لأول مرة.
“يعني مش هي.”
رد مدير الأمن:
“مش نادين…”
“لكن حد متعمد يبقى شبهها.”
—
في نفس الوقت…
كانت ليلى قاعدة جنب صوفي.
الصغيرة بدأت تاكل لأول مرة من يومين.
ابتسمت ليلى وهي بتقول:
“برافو عليكي.”
ضحكت صوفي.
“لما نرجع مصر… هتلعبي معايا؟”
ليلى سكتت.
هي أصلًا ماكانتش تعرف إذا كانت هترجع شغلها ولا لأ.
قالت بابتسامة:
“لو باباكي وافق.”
صوفي ردت بثقة الأطفال:
“هيوافق.”
—
دخل سليم الأوضة.
كانت ملامحه متعبة.
لكن عينيه فيها تصميم مختلف.
قال لليلى:
“ممكن أتكلم معاكي؟”
خرجوا للممر.
قال بهدوء:
“أنا محتاج أشكرك.”
ابتسمت.
“على إيه؟”
“أنقذتي بنتي.”
هزت رأسها.
“دي نعمة من ربنا.”
مد لها ظرفًا.
“ده مكافأة.”
بصت للظرف.
ثم رجعته له.
استغرب.
“ليه؟”
قالت:
“أنا اشتغلت علشان أنقذ طفلة.”
“مش علشان آخد فلوس.”
ابتسم لأول مرة من قلبه.
ولأول مرة من سنين…
حد رفض منه ملايين الجنيهات بدون تردد.
—
في المساء…
وصل تقرير جديد.
المعمل قدر يحدد مصدر الورق اللي اتطبعت عليه الروشتة المزورة.
المفاجأة…
إن الورق خرج من عيادة خاصة في القاهرة.
مش في باريس.
ولا في روما.
عيادة اسمها…
مركز الشفاء التخصصي للأطفال.
مدير الأمن قال:
“راجعنا الملاك.”
سليم سأله:
“مين صاحبه؟”
فتح الملف.
وقال:
“المالك الرسمي شركة استثمار.”
“وصاحب الشركة؟”
سكت الرجل ثواني.
“واحدة اسمها…”
رنا الشاذلي.
قبض سليم على الملف بقوة.
يعني التزوير كله بدأ في مصر…
قبل السفر بوقت طويل.
—
في نفس الليلة…
أحد رجال الأمن دخل مسرعًا.
“يا فندم.”
“اتفضل.”
“إحنا فتشنا شنطة الآنسة ليلى بناءً على تعليمات التأمين.”
ليلى استغربت.
“شنطتي؟”
“إجراء روتيني.”
فتح الرجل حقيبة ليلى.
كان فيها هدوم بسيطة.
كتاب قديم.
محفظة مهترئة.
ولعبة الأرنب الصغيرة اللي كانت دايمًا بتديها للأطفال.
لكن تحت البطانة الداخلية…
كان فيه ظرف بني صغير.
ليلى اتفاجئت.
“أنا أول مرة أشوف ده.”
فتح مدير الأمن الظرف بحذر.
طلع منه مفتاح معدني قديم.
ومعاه ورقة صفراء مطوية.
فتحها.
وكان مكتوب فيها بخط يد نسائي:
“لو الرسالة دي وصلت ليلى… يبقى أنا فشلت أحمي بنتي.”
تسارع نبض سليم.
دي أول مرة يظهر اسم ليلى في أي جزء من القصة القديمة.
قلب الورقة.
وكان في آخرها توقيع واحد فقط…
نادين.
ساد الصمت.
ليلى همست وهي مش قادرة تستوعب:
“هي… تعرفني منين؟”
لكن السؤال الأخطر ماكانش ده.
السؤال اللي حيّر الجميع هو:
مين حط الظرف داخل شنطة ليلى… وإمتى؟
لأن الحقيبة لم تخرج من يدها منذ أن صعدت الطائرة…
إلا مرة واحدة فقط…
عندما نامت على متن الطائرة الخاصة.
الفصل التاسع: الرسالة اللي اتكتبت قبل سنين
فضلت ليلى ماسكة الورقة.
كل اللي حواليها كانوا مستنيين أي رد منها.
لكن هي كانت مصدومة.
رفعت رأسها وقالت:
“أنا والله عمري ما شفت الست دي.”
سليم كان مركز في حاجة تانية.
بص للتوقيع.
وبعدين فتح محفظته.
طلع منها صورة قديمة لزوجته نادين.
كانت صورة محتفظ بيها من يوم جوازهم.
حط الصورة جنب الرسالة.
مدير الأمن قرب.
وبعد مقارنة دقيقة…
قال:
“التوقيع مطابق.”
لكن سليم هز رأسه.
“أي حد يقدر يقلد توقيع.”
ثم بص لليلى.
“لكن اللي مش قادر أفهمه…”
“إزاي كتبت اسمك؟”
ليلى قالت بهدوء:
“يمكن في ليلى تانية.”
لكن سليم رد فورًا:
“لأ.”
“هي كاتبة اسمك من غير لقب.”
“يعني كانت عارفاكي.”
—
أرسل سليم الورقة إلى خبير خطوط في مصر.
وبعد أقل من ساعة رجع الرد.
الكتابة أصلية، وليست مقلدة.
لكن كان فيه ملاحظة أخطر.
الورقة نفسها…
اتكتبت من أكتر من ثلاث سنين.
يعني تقريبًا قبل وفاة نادين بأيام قليلة.
سليم قفل عينيه.
كل ما يكتشف معلومة…
يلقي قدامها عشر أسئلة جديدة.
—
ليلى كانت بتحاول تفتكر.
يمكن قابلت نادين في مكان.
مستشفى.
مدرسة.
شارع.
لكن مفيش أي ذكرى.
وفجأة…
وقفت مكانها.
“استنى.”
سليم بص لها بسرعة.
“افتكرتي حاجة؟”
قالت:
“من أربع سنين تقريبًا…”
“اشتغلت أسبوع واحد بس مع أسرة في القاهرة.”
“الست كانت حامل.”
“لكن أنا سبت الشغل بسرعة.”
“ليه؟”
“لأنهم سافروا فجأة.”
“فاكرة اسمهم؟”
غمضت عينيها.
وحاولت تفتكر.
“لا…”
“لكن فاكرة إن الست كانت طيبة جدًا.”
“وكانت بتسألني أسئلة غريبة.”
“زي إيه؟”
“كانت بتسألني…”
“لو طفل مالوش أم…”
“ممكن تحبيه كأنه ابنك؟”
سليم حس بقشعريرة.
“وإنتِ رديتي بإيه؟”
ابتسمت ليلى بحزن.
“قولتلها…”
“الأطفال مالهمش ذنب.”
—
في اللحظة دي…
وقف سليم فجأة.
دخل على اللابتوب.
فتح أرشيف صور قديم.
بدأ يقلب الصور.
صورة.
اتنين.
عشرة.
لحد ما وقف عند صورة التقطت في حديقة الفيلا قبل أربع سنين.
كانت نادين حامل في شهرها الأخير.
وحواليها مجموعة من العاملين الجدد.
كبر الصورة.
قرب أكتر.
ليلى شهقت.
“دي أنا!”
كانت واقفة في آخر الصف.
واضح إنها كانت في أول يوم شغل.
نادين كانت بصالها وهي مبتسمة.
أما ليلى…
فماكانتش باصة للكاميرا أصلًا.
قال سليم بصوت منخفض:
“إذًا… نادين كانت تعرفك فعلًا.”
—
في مساء اليوم نفسه…
وصل تقرير من القاهرة.
مدير الأمن فتحه بسرعة.
وقال:
“يا فندم…”
“في مفاجأة.”
“إيه؟”
“راجعنا كل الموظفين اللي اشتغلوا في الفيلا وقت حمل نادين.”
“لقينا اسم ليلى منصور.”
“مدة العمل…”
“ستة أيام فقط.”
ليلى هزت رأسها.
“صح.”
“اليوم السابع…”
“المديرة قالتلي إن السفر اتأجل.”
“وإنهم مش محتاجين مربية دلوقتي.”
سليم سألها:
“شافتك نادين أكتر من مرة؟”
“أيوه.”
“اتكلمت معاكي؟”
“مرتين.”
“قالتلي…”
وتوقفت.
“قالتلك إيه؟”
ليلى أغمضت عينيها.
وبدأت الذكرى ترجع ببطء.
“قالتلي…”
“لو في يوم بنتي احتاجتك…”
“متتخليش عنها.”
رفع سليم رأسه ببطء.
الجملة نفسها…
مكتوبة بمعنى قريب في الرسالة.
يعني نادين كانت بتفكر في حماية بنتها قبل وفاتها بوقت طويل.
لكن…
من كانت تخاف؟
—
قبل منتصف الليل بدقائق…
رن هاتف مدير الأمن.
رد.
ثم نظر إلى سليم.
“لقينا أشرف.”
وقف سليم فورًا.
“فين؟”
“في قرية صغيرة على حدود سويسرا.”
“لكن…”
“في مشكلة.”
“إيه؟”
قال الرجل بصوت متوتر:
“وصلنا البيت قبل الشرطة بدقائق.”
“ولقيناه مقتول.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“بس قبل ما يموت…”
“قدر يسيب رسالة.”
“إيه هي؟”
قال مدير الأمن وهو ينظر في التقرير:
“كتب بإصبعه على الأرض…”
ثلاث كلمات فقط…
“ابحثوا عن آدم.”
انتهى الفصل.
الفصل العاشر: آدم… الرجل اللي اختفى من كل السجلات
فضل سليم يردد الاسم بصوت منخفض.
“آدم…”
بص لمدير الأمن.
“مين آدم؟”
الرجل فتح اللابتوب بسرعة.
بدأ يبحث في كل الملفات الخاصة بالشركة.
ثم في ملفات الأمن.
ثم في أرشيف الفيلا.
ولا نتيجة.
قال باستغراب:
“مفيش أي آدم اشتغل عندنا.”
سليم عقد حاجبيه.
“دور في ملفات المستشفى.”
بدأ البحث مرة تانية.
ولا نتيجة.
ليلى كانت قاعدة في هدوء.
لكن فجأة قالت:
“يمكن مش اسم.”
الكل بص لها.
كملت:
“يمكن لقب.”
أو اسم مستعار.
هز سليم رأسه.
“احتمال.”
—
في صباح اليوم التالي…
سمح الدكتور بخروج صوفي من المستشفى.
الصغيرة كانت فرحانة جدًا.
أول حاجة عملتها…
حضنت ليلى.
وقالت:
“إحنا راجعين بيتنا؟”
ابتسمت ليلى.
“إن شاء الله.”
لكن سليم كان عنده قرار مختلف.
قال لمدير الأمن:
“مش هنرجع الفيلا.”
استغرب.
“ليه يا فندم؟”
“لأن اللي بيراقبنا عارف الفيلا.”
“هنروح مكان محدش يعرفه.”
—
بعد ساعات…
وصلوا إلى بيت قديم على أطراف إحدى القرى الإيطالية.
كان البيت مملوك لشركة من شركات سليم.
ولا حتى مديروه يعرفوا بوجوده.
أفراد الأمن انتشروا حوالين المكان.
أول مرة…
حس سليم إن صوفي في أمان.
—
في المساء…
كانت ليلى بتحضر شوربة لصوفي.
وفجأة لاحظت حاجة غريبة.
الصغيرة كانت بترسم.
كل الأطفال بيرسموا شمس.
وبيوت.
وأشجار.
لكن صوفي كانت بترسم دايرة كبيرة.
وفي نصها مفتاح.
سألتها ليلى بابتسامة:
“إيه ده؟”
ردت الطفلة بكل براءة:
“المفتاح.”
“أنهي مفتاح؟”
“اللي ماما قالت عليه.”
اتسعت عينا ليلى.
“قالتلك إمتى؟”
“قبل ما تنام.”
سليم كان داخل المطبخ في اللحظة دي.
وسمع آخر جملة.
قرب بسرعة.
“صوفي…”
“ماما قالتلك إيه عن المفتاح؟”
الصغيرة فضلت ترسم.
وقالت:
“قالت…”
“لما أكبر…”
“أديه لبابا.”
سليم بلع ريقه.
“فين المفتاح ده؟”
الطفلة حطت صباعها على رأسها الصغيرة.
“مستخبي.”
“فين يا حبيبتي؟”
“في الأرنب.”
ليلى وسليم بصوا لبعض في نفس اللحظة.
الأرنب؟
أي أرنب؟
الأرنب القديم…
اللي كانت ليلى جايباه معاها؟
ولا الأرنب الجديد اللي اتحط فيه جهاز التتبع؟
—
جرى مدير الأمن وجاب الأرنب الصغير القديم.
فتحوه بالكامل.
لكن ماكانش فيه أي حاجة.
ليلى قالت:
“استنوا.”
“صوفي قالت الأرنب.”
“ماقالتش أرنبتي.”
لفت ناحية صوفي.
“يا حبيبتي…”
“الأرنب لونه إيه؟”
ردت فورًا.
“أبيض.”
سليم اتجمد.
الأرنب الأبيض…
اللي اتساب في المستشفى.
واللي لقوا جواه جهاز التتبع.
قال لمدير الأمن:
“فين اللعبة؟”
رد الرجل بتوتر:
“بعتناها للمعمل.”
“هاتها حالًا.”
—
بعد أقل من ساعة…
رجع الأرنب.
بدأوا يفككوه بالكامل.
طلع جهاز التتبع.
ثم بطانة.
ثم حشو.
وفجأة…
سمع الفني صوت معدن.
أخرج أنبوبة صغيرة جدًا.
بحجم الإصبع.
مقفولة بإحكام.
فتحها بحذر.
كان بداخلها…
مفتاح ذهبي صغير جدًا.
ومعاه شريحة إلكترونية دقيقة.
ليلى همست:
“ده هو…”
سليم مسك المفتاح.
كان منقوش عليه حرف واحد فقط.
A
قال مدير الأمن:
“آدم.”
لكن سليم هز رأسه.
“يمكن.”
ثم شغل الشريحة على جهاز متخصص.
ظهرت صورة واحدة فقط.
صورة نادين.
كانت حامل.
واضح إنها سجلت الفيديو بنفسها قبل وفاتها بأيام.
بدأ الفيديو يشتغل.
ابتسمت نادين للكاميرا.
وقالت بهدوء:
“لو بتشوف الفيديو ده…”
“يبقى الخطة فشلت.”
سليم شعر بأنفاسه تتسارع.
أكملت نادين:
“سليم…”
“لو أنا مش موجودة…”
“أوعى تثق في أي حد حواليك.”
“حتى أقرب الناس ليك.”
ثم سكتت لحظة.
ونظرت مباشرة إلى الكاميرا.
وقالت الجملة التي غيرت كل شيء:
“آدم… مش شخص.”
وتوقفت الصورة فجأة.
انقطع الفيديو.
وقبل أن يعرفوا المقصود…
احترقت الشريحة الإلكترونية من الداخل تلقائيًا، وكأنها صُممت لتُدمر نفسها بعد تشغيل الرسالة الأولى.
ساد الصمت داخل الغرفة.
أما سليم…
فأدرك أن كل ما كان يبحث عنه طوال الأيام الماضية…
لم يكن رجلًا اسمه آدم…
بل شيئًا آخر أخفته نادين قبل سنوات… ولم يكتشفه أحد حتى الآن.
الفصل الحادي عشر: آدم… كان اسم مشروع
ظل سليم ممسكًا بالمفتاح الذهبي.
كانت أصابعه ترتجف لأول مرة منذ سنوات.
قال بهدوء:
“لو آدم مش شخص…”
“يبقى إيه؟”
ساد الصمت.
ثم قال مدير الأمن:
“يمكن يكون اسم مشروع.”
رفع سليم رأسه فجأة.
الجملة دي رجعته لسنوات.
قبل أربع سنين…
كان فيه مشروع داخلي في مجموعة الحديدي.
مشروع سري جدًا.
حتى أعضاء مجلس الإدارة ماكانوش يعرفوا عنه حاجة.
كانوا بيسموه…
مشروع آدم.
لكن المشروع اتقفل فجأة.
بعد وفاة نادين بأيام.
وقتها افتكر إن السبب الخسائر.
لكن دلوقتي…
بدأ يشك إن الحقيقة كانت أكبر بكتير.
—
فتح اللابتوب.
دخل على أرشيف الشركة.
كتب كلمة:
ADAM
ظهرت رسالة على الشاشة.
“تم حذف جميع الملفات.”
عقد حاجبيه.
“مين يقدر يمسح ملفات بالمستوى ده؟”
رد مدير الأمن:
“شخص كان معاه صلاحيات رئيس مجلس الإدارة.”
سليم همس:
“أو نادين.”
—
بدأوا يراجعوا النسخ الاحتياطية.
بعد ساعة كاملة…
ظهر ملف واحد فقط.
اسمه:
A-01
فتحوه.
لكن الملف كان مشفر.
طلب كلمة مرور.
ليلى كانت واقفة تتابع بصمت.
وفجأة قالت:
“جرب تاريخ ميلاد صوفي.”
جربوه.
رفض.
“جرب تاريخ جوازكم.”
رفض.
“جرب اسم نادين.”
رفض.
تنهد سليم.
وأغلق الجهاز.
—
في نفس اللحظة…
كانت صوفي بتلعب بالمفتاح الذهبي.
وقالت ببراءة:
“بابا.”
ابتسم.
“نعم.”
“ده يفتح الباب الكبير.”
بص لها باستغراب.
“أنهي باب؟”
“اللي تحت.”
اتسعت عينا سليم.
“تحت فين؟”
الصغيرة رسمت بإيديها شكل سلم.
“تحت البيت.”
ليلى سألتها:
“مين قالك؟”
ردت بكل تلقائية:
“ماما.”
—
في البداية…
افتكروا إنها مجرد خيالات طفلة.
لكن سليم افتكر حاجة.
الفيلا القديمة في القاهرة…
كان فيها بدروم قديم مقفول من أيام والده.
محدش بيدخله.
ولا حد يعرف محتواه.
—
بعد ساعات…
قرروا العودة إلى مصر على متن الطائرة الخاصة.
لكن من غير إعلان.
ومن غير أي خط سير معروف.
هبطت الطائرة ليلًا.
وتحركوا مباشرة إلى الفيلا.
كانت مهجورة من أيام سفرهم.
دخل سليم.
كل شيء كما تركه.
لكن إحساسًا غريبًا كان يملأ المكان.
—
وقف أمام باب البدروم الحديدي.
كان بابًا ضخمًا.
مغلقًا بقفل قديم.
مدير الأمن حاول يفتحه.
فشل.
أخرج سليم المفتاح الذهبي الصغير.
ضحك أحد الحراس.
“مستحيل المفتاح الصغير ده يفتح الباب ده.”
لكن سليم أدخله في الفتحة.
ودار المفتاح بسهولة.
وسمعوا جميعًا…
تك.
فتح الباب ببطء.
ونزلوا درجات السلم.
كان المكان مظلمًا.
ورائحته قديمة.
لكن أكثر ما لفت انتباههم…
غرفة زجاجية في آخر البدروم.
وفي منتصفها…
خزنة إلكترونية ضخمة.
على شاشتها كلمة واحدة:
ADAM
اقترب سليم.
شغلت الشاشة نفسها.
وظهرت رسالة:
“لإكمال التحقق… أدخل الرمز.”
نظر الجميع لبعض.
مافيش حد يعرف الرمز.
لكن صوفي كانت واقفة تمسك إيد ليلى.
وبصت للشاشة.
ثم قالت ببساطة:
“أربعة… تسعة… واحد… سبعة.”
استغرب سليم.
“إزاي عرفتي؟”
هزت كتفيها.
“ماما كانت بتقولهالي وأنا صغيرة.”
ساد الصمت.
سليم أدخل الأرقام كما قالت.
4917
ثانية…
واتنين…
ثم صدر صوت إلكتروني.
تم قبول الرمز.
بدأت الخزنة تفتح ببطء.
لكن قبل ما الباب يكتمل فتحه…
انطفأت أنوار الفيلا كلها دفعة واحدة.
ثم دوّى صوت إطلاق نار من الخارج.
وأسرع أحد الحراس إلى الداخل وهو يصرخ:
“يا فندم… الفيلا محاصرة!”
الفصل الثاني عشر: الحصار
دوّى الرصاص في الخارج.
لكن سليم ما اتحركش من قدام الخزنة.
بص لمدير الأمن وقال بثبات:
“عددهم؟”
رد وهو بيتابع الكاميرات المحمولة:
“حوالي اتناشر عربية.”
“وما لا يقل عن عشرين مسلح.”
ليلى حضنت صوفي بسرعة.
الصغيرة بدأت تبكي.
وقالت:
“بابا… أنا خايفة.”
سليم جرى عليها لأول مرة من ساعة ما دخلوا الفيلا.
شالها بين إيديه.
وباس رأسها.
“مفيش حد هيقدر يوصلك.”
بص لليلى.
“انزلي آخر الممر.”
“في أوضة ذعر.”
استغربت.
“وأنت؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“أنا اللي بنيت المكان ده.”
“وأعرف كل ركن فيه.”
—
فجأة…
صوت انفجار هز الفيلا كلها.
اتكسرت شبابيك الدور الأرضي.
وأجهزة الإنذار اشتغلت.
لكن باب البدروم الحديدي قفل أوتوماتيك.
واحد من الحراس قال:
“دلوقتي محدش يقدر ينزل هنا.”
هز سليم رأسه.
“ولا يطلع.”
ثم لف ناحية الخزنة.
كانت فتحت بالكامل.
في الداخل…
ماكانش فيه دهب.
ولا فلوس.
ولا مجوهرات.
كان فيه صندوق خشب صغير.
وملف أسود.
وثلاثة هاردات إلكترونية.
أخذ الملف أولًا.
فتح أول صفحة.
وتجمد مكانه.
العنوان كان:
“وصية نادين الحديدي الخاصة.”
بدأ يقرأ بصوت منخفض.
«”لو وصلت للملف ده، يبقى أنا كنت على حق… وفي ناس مستعدة تق*تل علشان تمنع الحقيقة تظهر.”»
ليلى قربت تسمع.
أكمل:
«”أنا اكتشفت شبكة فساد داخل شركات الحديدي. مش مجرد سرقة… دي عمليات غسل أموال واستغلال لشركات وهمية.”»
مدير الأمن قال بدهشة:
“إيه؟”
قلب سليم الصفحة.
كان فيها جدول.
أسماء شركات.
تحويلات بالملايين.
وتوقيعات.
وفي آخر القائمة…
اسم واحد خلاه يقف مكانه.
رنا الشاذلي.
لكن الاسم اللي تحته كان الصدمة الحقيقية.
فؤاد الحديدي.
ليلى سألت بهدوء:
“مين فؤاد؟”
سليم فضل ساكت ثواني.
ثم قال:
“عمي.”
“الشريك اللي رباني بعد وفاة أبويا.”
“والراجل اللي كنت بثق فيه أكتر من نفسي.”
—
في نفس اللحظة…
في الخارج…
داخل عربية سوداء…
كان رجل في الستينات من عمره بيتابع الفيلا بمنظار.
أنيق.
شعره أبيض.
ملامحه هادئة.
قال للسواق:
“اتأخروا.”
رد السواق:
“الباب الحديدي قفل.”
ابتسم الرجل.
“هيفتح.”
“إزاي يا فندم؟”
أخرج ريموت صغير من جيبه.
وضغط زرًا.
داخل الفيلا…
لمبة حمراء بدأت تنور فوق الباب.
مدير الأمن بص للسقف بصدمة.
“مستحيل…”
“في حد معاه صلاحية الطوارئ.”
سليم فهم فورًا.
قال بصوت حاد:
“اللي صمم نظام الأمان…”
“…هو عمي.”
—
بدأ الباب الحديدي يفتح ببطء.
الحراس رفعوا أسلحتهم.
ليلى ضمت صوفي إلى صدرها.
لكن قبل ما الباب يفتح بالكامل…
صدر صوت قوي من سماعات الفيلا.
ثم ظهر وجه فؤاد الحديدي على شاشة صغيرة فوق الباب.
ابتسم بهدوء وقال:
“مساء الخير يا سليم.”
قبض سليم على سلاحه.
“إنت اللي ورا كل ده؟”
رد فؤاد بابتسامة باردة:
“كنت أتمنى تفضل تصدق إنها مجرد حادثة.”
“لكن واضح إن نادين كانت أذكى مما توقعت.”
رفع الملف في يده.
وقال:
“الملفات دي مش هتخرج من الفيلا.”
ثم نظر مباشرة إلى ليلى.
وأضاف:
“أما المربية…”
“…فهي الغلطة الوحيدة اللي ماكنتش في الحسبان.”
ساد الصمت.
وسليم أدرك أخيرًا أن خصمه الحقيقي لم يكن رنا…
بل الرجل الذي عاش يعتبره أبًا ثانيًا.
والأخطر…
أن المواجهة بينهما بدأت للتو.
الفصل الأخير: الحقيقة التي أنقذت الجميع
وقف سليم في مواجهة عمه فؤاد.
بينهما باب البدروم المفتوح.
وبينهما سنوات طويلة من الثقة.
قال سليم بصوت ثابت:
“ليه؟”
ابتسم فؤاد ابتسامة باردة.
“لأن أبوك سلّمك الإمبراطورية.”
“وأنا كنت شايف إني أولى بيها.”
“ولما نادين اكتشفت التحويلات والحسابات السرية…”
“بقت خطر.”
سأله سليم:
“ق*تلتها؟”
هز فؤاد رأسه.
“لا.”
“أنا أمرت إن العربية تتخرب.”
“كان المطلوب تخويفها.”
“لكن اللي حصل خرج عن السيطرة.”
ساد الصمت.
أكمل فؤاد:
“وبعدها… كان لازم أي دليل يختفي.”
“وأي حد يقرب من الحقيقة… يختفي.”
نظر إلى ليلى.
“حتى إنتِ.”
—
قبض سليم على الملف بقوة.
وقال:
“كل اعترافاتك دي متسجلة.”
اتغيرت ملامح فؤاد.
“إيه؟”
رفع سليم ساعة يده.
كانت مزودة بجهاز تسجيل.
في اللحظة نفسها…
ظهرت أضواء زرقاء وحمراء خارج الفيلا.
أصوات سيارات الشرطة ملأت المكان.
مدير الأمن ابتسم لأول مرة.
وقال:
“الإشارة خرجت أول ما الخزنة اتفتحت.”
كانت خطة سليم من البداية.
أول ما وجد الملفات، أرسل نسخة مشفرة تلقائيًا إلى محاميه في القاهرة، وبلاغًا إلى السلطات المختصة حتى لو تم الاستيلاء على النسخة الورقية.
حاول رجال فؤاد الهرب.
لكن قوات الشرطة الخاصة كانت قد أحاطت بالفيلا بالكامل.
بعد دقائق…
أُلقي القبض على فؤاد.
ثم على رنا، التي كانت مختبئة في إحدى المزارع خارج القاهرة، بعدما كشفت التحقيقات مشاركتها في تزوير الملف الطبي وإخفاء الأدلة.
—
مرت ستة أشهر.
نشرت الصحف تفاصيل القض*ية.
وسقطت شبكة كاملة من الشركات الوهمية.
واستعادت مجموعة الحديدي سمعتها بعد إعادة هيكلتها وإبعاد كل المتورطين.
أما سليم…
فأغلق المكتب الذي كان يقضي فيه معظم حياته.
وبدأ يرجع البيت قبل غروب الشمس.
كل يوم.
من أجل وعد قطعه على نفسه.
ألا يخسر ابنته مرة أخرى.
—
أما ليلى…
فكانت قد استعدت للعودة إلى حياتها البسيطة.
جهزت شنطتها.
ووقفت عند باب الفيلا.
جاءت تودع صوفي.
لكن الصغيرة أول ما شافتها…
جريت عليها بكل قوتها.
وحضنتها وهي بتعيط.
“متسبنيش.”
ليلى نزلت على ركبتها.
ومسحت دموعها.
“لازم أرجع شغلي يا حبيبتي.”
صوفي هزت رأسها بعناد.
“إنتِ بيتي.”
وقف سليم على بعد خطوات.
وقال بهدوء:
“أنا كمان عايز أطلب منك طلب.”
نظرت إليه باستغراب.
قال:
“مش كموظفة.”
“ولا كمربية.”
“أنا محتاج حد صوفي تثق فيه.”
“وحد أثق فيه أنا كمان.”
سكت لحظة ثم أكمل:
“لو وافقتِ… تكوني المسؤولة عن مؤسسة نادين الحديدي لرعاية الأطفال الأيتام.”
اتسعت عينا ليلى.
“أنا؟”
ابتسم.
“نادين كانت بتحلم بالمؤسسة دي.”
“وأنا أخيرًا لقيت الشخص المناسب يكمل الحلم.”
امتلأت عينا ليلى بالدموع.
لكنها كانت دموع فرحة.
هزت رأسها بالموافقة.
—
وبعد عام…
افتُتحت المؤسسة رسميًا.
كانت تستقبل الأطفال الذين فقدوا أسرهم.
وكان شعارها مكتوبًا عند المدخل:
“كل طفل يستحق بيتًا… وكل قلب يستحق فرصة.”
صوفي كانت تجري في الحديقة، تضحك وهي تمسك الأرنب الصغير الذي حملته ليلى معها يوم صعدت الطائرة بالخطأ.
وقفت فجأة.
بصت إلى ليلى.
ثم إلى سليم.
مسكت أيديهما معًا.
وقالت ببراءة:
“دلوقتي… بقينا عيلة.”
نظر سليم إلى ليلى.
وقال بابتسامة هادئة:
“كل اللي حصل… بدأ بغلطة.”
ابتسمت ليلى وهي تنظر إلى السماء.
“يمكن…”
“بس في غلطات… ربنا بيبعتها علشان تغيّر عمر كامل.”
تمت.