انا ومراتى حكايات رومانى مكرم 2

دخلت رحمة المطبخ تعمل الشاي بلبن وهي بتدندن وصوت معلقتها وهي بتقلب السكر كان عالي بزيادة، كأنها بتعلن انتصارها الساحق في الجولة دي.

أنا فضلت قاعد مكاني في الصالة، باصص للورقة اللي كتبها حمايا الله يرحمه.. كنت حاسس بمشاعر متلخبطة، بين إني مكسوف من نفسي، وبين إني مبهور بالبنت دي اللي حولت بيتنا لـ “لوكيشن” تصوير بس عشان تشتري هدوئي.

فجأة، النور قطع!

البيت كله بقى ضلمة كحل. ناديت عليها:

— رحمة.. أنتي كويسة؟

مردتش.

قمت وقفت وبدأت أتحسس طريقي للمطبخ:

— يا رحمة بلاش هزار.. ردي عليا.

وصلت باب المطبخ، النور جه فجأة.. لقيت رحمة واقفة، لابسة قناع “بلياتشو” بيخوف، وماسكة شمعة في إيد، وكوباية الشاي في الإيد التانية، وبتقول بصوت تخين:

— أهلاً بك في “بيت الرعب”.. حيث الشاي بلبن لا يرحم!

وقعت من الضحك وأنا بقولها:

— يخرب بيت عقلك! لسه مكملة؟ ده أنا عرفت الخطة خلاص!

قلعت القناع وقعدت على الرخامة وهي بتشرب من كوبايتها ببرود:

— يا حبيبي دي مابقتش خطة، دي بقت أسلوب حياة.. وبعدين أنت لسه شفت حاجة؟ ده أنا كنت ناوية أعمل فيك مقلب “الاختفاء” الأسبوع الجاي وأخليك تدور عليا وتفتكر إن العفاريت خطفوني عشان زعقت في الملح.

قربت منها وخدت منها الكوباية:

— لا خلاص.. أنا تبت.. أو بوعدك إني هحاول أسيطر على أعصابي، مش عاوز أشوفك بتنطي من فوق الكراسي تاني.

بصتلي بجدية وقالت:

— رامي.. أنا عملت كده عشان بحبك.. وعشان البيت ده يفضل فيه ضحك.. العصبية بتهد الحيطان، والضحك بيبنيها.

اليوم ده عدي بسلام، ونمت وأنا حاسس بسلام نفسي مش طبيعي.

تاني يوم رجعت من الشغل، لقيت هدوء غريب في البيت.. مفيش دقيق على الرخامة، مفيش “كلاكيت”، ومفيش ريحة طاسات محروقة.

دخلت الأوضة لقيتها قاعدة بتذاكر أو بتقرأ في كتاب.. قلت في بالي: “معقول رحمة عقلت؟”.

عدى يوم، اتنين، تلاتة.. رحمة بقت “زوجة مثالية” بزيادة.. الأكل جاهز، البيت بيلمع، وهي هادية جدًا ومابتتكلمش غير في المفيد.

في اليوم الرابع، بدأت أنا اللي أتوتر!

كنت متعود على “الجنون” بتاعها.. الهدوء ده كان مرعب أكتر من المقالب.

قلت أجرب أستفزها عشان أشوف هتعمل إيه.. رميت الهدوم في نص الصالة وقلت بصوت عالي:

— إيه ده؟! البيت ده ملوش صاحب؟ إزاي الهدوم دي تفضل كده؟!

رحمة طلعت من الأوضة بمنتهى البرود، شالت الهدوم وقالت:

— حاضر يا حبيبي، حقك عليا، هغسلهم فوراً.

اتصدمت.. لا سقفت، ولا قالت أوسكار، ولا راحت تعمل شاي بلبن!

دخلت وراها المطبخ وقلت:

— رحمة.. أنتي تعبانة؟ فيكي حاجة؟

بصتلي بنظرة خالية من أي تعبير وقالت:

— لا يا رامي.. مش أنت مش عاوز تمثيل؟ مش أنت عرفت الحقيقة؟ خلاص.. قررت أكون زوجة طبيعية زي ما كل الناس بتقول.

حسيت بوجع في قلبي.. الهدوء بتاعها كان “عقاب” أقسى بكتير من خناقاتي.

طلعت الصالة وقعدت أفكر.. هو أنا فعلاً كنت عاوز “الزوجة الطبيعية”؟ ولا أنا حبيت رحمة “المجنونة”؟

وفجأة.. سمعت صوت خبط ورزع جاي من الحمام.. جريت بسرعة، فتحت الباب.. لقيت رحمة واقفة، حاطة “شاش” على راسها كله، ودهنة وشها كله أحمر (غالباً روج)، وماسكة مقشة وبتقول بصوت درامي:

— لقد وقعت في الفخ للمرة الثانية أيها المواطن! كنت فاكر إن الهدوء ده بجد؟ ده كان “استراحة محارب”!

بدأت تضحك بهستيريا وهي بتقول:

— وشك.. كان لازم تشوف وشك وأنا بقولك “حاضر يا حبيبي”.. كنت هتموت من القلق!

عرفت ساعتها إن رحمة مش بس بتعالج عصبيتي، دي كانت بتعلمني إن الحياة من غير “جنونها” مغلية ومن غير طعم.

ضحكت وسندت راسي على باب الحمام وقلت:

— طيب يا ست الفنانة.. بم إنك عملتي حادثة بالمقشة.. تحبي أطلبلك الإسعاف ولا أعملك أنا الشاي بلبن المرة دي؟

قالت وهي بتغمزلي:

— لا.. المرة دي مفيش شاي.. المرة دي في “بارتشن” جديد لازم نتدرب عليه.. انزل هاتلنا بيتزا عشان “المصابين” محتاجين تغذية!

حكايات رومانى مكرم

 

نزلت فعلاً وجبت البيتزا، وأنا راجع كنت ببتسم زي العبيط في الشارع.. الناس باصة لي ومستغربة، بس أنا كنت حاسس إن البيت اللي كان “ساحة حرب” بقى “مسرح كوميدي”، والفضل كله يرجع لرحمة.

فتحت الباب بالمفتاح براحة، قلت أدخل أفاجئها.. لقيت الصالة ضلمة تاني، بس المرة دي كان فيه نور خفيف جاي من بعيد، وريحة بخور مالية المكان.

مشيت ورا النور، لقيت رحمة قاعدة في نص الصالة على الأرض، وحواليها دايرة من الشموع (اللي هي أصلاً شموع عيد ميلاد)، ولابسة طرحة بيضاء ومنزلاها على وشها زي العرايس في الأفلام القديمة.

قلت بضحكة مكتومة:

— لا.. إحنا دخلنا في مرحلة الزار ولا إيه؟ يا بنتي البيتزا هتسقع!

مردتش.. فضلت ثابتة مكانها.

قربت منها وحطيت علب البيتزا على السفرة وقلت:

— رحمة.. خلاص بقى، الفقرة دي طولت شوية.

فجأة، رفعت راسها وشالت الطرحة.. مكنتش رحمة!

قصدي، كانت هي، بس كانت حاطة “ماسك” طين أسود على وشها كله، وحاطة خيار على عينيها، وقالت بصوت رخيم:

— الصمت يا فتى.. نحن الآن في حضرة “جلسة الاسترخاء الكبرى”.. العصبية بتجعد الوش، وأنا بحافظ على شبابك وشبابي.

قعدت قدامها على الأرض وقلت:

— طيب والبيتزا؟ والشموع دي؟

شالت خيارة من عين وبصت لي وقالت:

— البيتزا هي “القربان”.. والشموع عشان نوفر في فاتورة الكهرباء اللي أنت لسه خانقني عليها الصبح.. اقلع الجاكيت وتعال، هعملك ماسك طين عشان ننسى خناقة المخدات والنت.

لقيت نفسي بستسلم تماماً، قعدت جنبها وبدأت هي تحط لي من “الطين” ده على وشي وهي بتقول:

— أيوة كده.. افرد وشك.. سيب عضلاتك ترخي.. تخيل إنك في جزيرة مفيش فيها غير أنا وأنت وبيتزا.. مفيش مدير بيزعق، ولا نت مقطوع، ولا مخدات غالية.

في اللحظة دي، تليفونها رن.. بصت عليه بسرعة، ملامحها اتغيرت، وقامت وقفت ونفضت الطين من إيدها.

— في إيه يا رحمة؟

قالت بتوتر:

— دي ماما.. بتقول إن أخويا “سيف” عمل مشكلة كبيرة في المنطقة وجايين عندنا دلوقتي.

أنا دمي فار.. سيف أخوها ده شاب متهور، ومشاكله مابتخلصش، ودايماً بيجي يصدعني بقصصه. قمت وقفت وعروق وشي بدأت تظهر:

— نعم؟! ييجوا فين دلوقتي؟ الساعة بقت ١٢! هو كل مرة يغلط ويجي يرمي بلاه علينا؟

رحمة بصت لي وهديت خالص، وقربت مني والطين لسه على وشي ووشها، وقالت بهدوء:

— رامي.. فاكر “كلاكيت تاني مرة”؟

قلت بنرفزة:

— رحمة مش وقت هزارك دلوقتي! أخوكي ده لازم يتربى، وأنا المرة دي مش هسكت.. أنا هوريه الوش التاني!

بصت لي بابتسامة حزينة وقالت:

— الوش التاني اللي هو “الطين” اللي على وشك ده؟

بصيت لنفسي في المراية اللي في الصالة.. منظري كان مسخرة.. راجل شحط واقف بيزعق وهو وشه مدهون أسود وحاطط خيار على جبهته.

ضحكت غصب عني.. ضحكت لدرجة إن الطين بدأ يتشقق على وشي.

قلت لها:

— ماشية يا رحمة.. والله العظيم أنتي غلبتيني.. بس المرة دي سيف هيشوف “الفنان” وهو بيقوم بدور الحما الشرير.

وفعلاً، الباب خبط.. فتحت الباب وأنا بنفس المنظر، سيف أول ما شافني صرخ ورجع لورا:

— أعوذ بالله! في إيه يا رامي؟ إيه اللي جرى لوشك؟!

قلت له بجمود مسرحي:

— دي “لعنة العصبية” يا سيف.. أي حد بيدخل البيت ده وهو عامل مشكلة، وشه بيتحول لكده فوراً.. تحب تجرب ولا تدخل تتأسف لأختك وتتعشى معانا بيتزا وتوعدنا إن دي آخر مشكلة؟

سيف فضل باصص لي بذهول، وبعدين دخل وهو بيضحك وبيهز راسه:

— أنتوا الاتنين لايقين على بعض بشكل مش طبيعي.. أنا أسف يا جماعة، والله مكنتش أصدق إن الجواز بيعمل كده في الناس.

قعدنا كلنا ناكل بيتزا، ورحمة كانت بتبص لي من تحت لتحت وتغمز لي، كأنها بتقول لي: “شفت؟ الضحك بيحل المشاكل أسرع من الزعيق”.

بس قبل ما السهرة تخلص، سيف قال جملة خلتني أشرق في الأكل:

— صحيح يا رامي.. كنت عاوز أقولك إن القصة اللي بتكتبها عن حياتك مع رحمة مكسرة الدنيا.. الناس كلها مستنية “الجزء الرابع”!

بصيت لرحمة بصدمة:

— قصة إيه؟ أنتي حكيتي له؟

رحمة ضحكت وقالت وهي بتجري على الموضة:

— كلاكيت رابع مرة يا فنان.. أصل أنا كمان بدأت أكتب “مذكرات زوجة فنان عصبي”!

حكايات رومانى مكرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *