جوزى مسافر حكايات رومانى مكرم 1

أناجوزى مسافر وسلفى جه من البلد علشان يشتغل هنا وبقاله اسبوع قاعد فى الشقه الى تحت فى بيتى وساعات بيطلع بليل يخبط عليا بحجه عاوز عيش اكل وبيبصلى بنظرات

 

من يوم ما سافر جوزي “حسام” للسعودية عشان شغله الجديد، والبيت بقى هادي بشكل يخوف.

أنا ست متعودة على الدوشة… على صوت التلفزيون العالي، على خناقنا على أتفه الأسباب، حتى على رميته للمفاتيح فوق الترابيزة وهو داخل مرهق آخر اليوم.

 

لكن بعد سفره… بقيت أسمع صوت نفسي.

 

كنا ساكنين في بيت عيلة قديم في شبرا، شقتنا فوق، والشقة اللي تحتينا كانت مقفولة من سنين.

وفجأة، حسام كلمني قبل السفر بيوم وقال:

 

— “بصي يا سمر… كريم أخويا جاي القاهرة يدور على شغل كام أسبوع، هيقعد في الشقة اللي تحت لحد ما يظبط نفسه.”

 

ماحبتش الفكرة.

 

مش علشان كريم وحش… بالعكس، طول عمره هادي ومحترم، بس فيه حاجة كانت بتوترني منه من زمان.

طريقته في البص.

سكوته الطويل.

وإحساسي إنه بيخبي كلام كتير جواه.

 

وصل بعد سفر حسام بيومين.

 

سمعت صوت شنطته بتتجر على السلم، وبعدها خبط خفيف على الباب.

 

فتحت…

ولأول مرة من سنين أشوفه عن قرب.

حكايات رومانى مكرم

كان متغير جدًا.

دقنه خفيفة، جسمه بقى أضخم، وعينيه فيها نظرة غريبة… مش قادرة أحددها.

 

ابتسم وقال بهدوء:

 

— “آسف لو هتعبك معايا كام يوم.”

 

رديت بسرعة:

 

— “لا طبعًا… البيت بيتك.”

 

لكن وأنا بقفل الباب… حسيت إنه فضل واقف يبصلي ثواني زيادة.

 

في أول يومين كان عادي جدًا.

ينزل الصبح بدري، يرجع بالليل متأخر، وساعات أسمع صوت التلفزيون عنده شغال للفجر.

 

لحد أول خبطة بليل.

 

كانت الساعة داخلة على واحدة بعد نص الليل.

 

كنت نايمة تقريبًا لما سمعت الطرق.

 

قمت مفزوعة، وقلبي بيدق.

 

— “مين؟”

 

جالي صوته من بره:

 

— “أنا كريم… معلش.”

 

فتحت الباب فتحة صغيرة وأنا لابسة إسدال البيت.

 

كان واقف وشعره مبلول كأنه لسه غاسل وشه، وقال:

 

— “معاكي عيش؟ نسيت أجيب وأنا راجع.”

 

استغربت الوقت… بس دخلت أجيبله الرغيفين.

 

ولما رجعت لقيته واقف يبص جوه الشقة.

 

ناولته العيش، لكنه ماخدوش فورًا.

 

عينيه اتحركت عليا ببطء… بطريقة خلتني أضم الإسدال عليا من غير ما أحس.

 

بعدها ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

 

— “آسف إني صحيتك.”

 

وقفل الباب ونزل.

 

طول الليل ماعرفتش أنام.

 

كنت كل شوية أقنع نفسي إني بتوهم.

 

لكن الموضوع اتكرر.

 

مرة عاوز سكر.

مرة شاحن.

مرة بيسأل لو عندي دوا صداع.

 

وكل مرة… نفس النظرة.

 

نظرة طويلة، ثابتة، تخليكِ تحسين إنه بيقول حاجة من غير كلام.

 

وفي مرة، وأنا بديله كوباية الشاي عند باب الشقة، لمح صورة فرحي أنا وحسام المعلقة ورايا.

 

سكت شوية… وبعدين قال:

 

— “الغريبة إن حسام كبر بسرعة.”

 

مافهمتش قصده.

 

قلت باستغراب:

 

— “يعني إيه؟”

 

بصلي مباشرة وقال:

 

— “يعني… في ناس بتتغير بعد الجواز. وفي ناس بتفضل زي ما هي.”

#الكاتب_رومانى_مكرم

وقبل ما أرد… نزل السلم بهدوء.

 

الكلام فضل يرن في دماغي طول اليوم.

 

وفي الليلة اللي بعدها حصل اللي خلاني أخاف بجد.

 

كنت واقفة في المطبخ أشرب مية، والبيت كله ضلمة، وفجأة سمعت صوت حركة برا الشباك اللي بيطل على المنور.

 

قربت بحذر…

 

## الجزء الثاني: همس المنور

تصلبت في مكاني، ويدي التي تمسك بالكوب بدأت ترتجف. صوت الحركة في المنور لم يكن مجرد قطة عابرة أو هواء، كانت خبطات منتظمة، كأن شخصاً ما يحاول تسلق شيء ما أو يرتكز بظهره على الحائط المقابل لشباك مطبخي.

أطفأت نور المطبخ بسرعة حتى لا يراني من بالخارج، واقتربت من الشباك بخطوات لا يسمع لها صوت. سحبت طرف الستارة ببطء شديد، وحبست أنفاسي.

كان هناك… “كريم”.

لم يكن يتسلق، بل كان واقفاً في بلكونة الشقة التي بالأسفل، يميل بجسده إلى الخارج تماماً، وينظر للأعلى باتجاه شباك مطبخي وعيناه شاخصتان في الظلام. كان يدخن سيجارة بصمت شديد، والدخان يتصاعد ليملأ فضاء المنور الضيق ويصل إلى أنفي.

فجأة، وبدون مقدمات، رفع رأسه وكأنه شعر بوجودي خلف الستارة. لم أتراجع، تجمدت من الرعب. لمحته يبتسم في الظلام، ابتسامة باردة لم تصل لعينيه، ثم ألقى عقب السيجارة ونزل للداخل بهدوء.

### المواجهة الصامتة

قضيت بقية الليل جالسة في صالة الشقة، وضعت خلف الباب “كرسي” ثقيل وسندته بالمقبض. لم أعد أشعر بالأمان. في الصباح، قررت أن أتصل بحسام، لكن صوته وهو يحكي لي عن تعبه في الشغل وحلمه بأن يجمع ثمن الشقة الجديدة جعل الكلمات تقف في حلقي.

* **سمر:** “حسام… كريم لسه ملقاش شغل؟”

* **حسام:** “بيسعى يا سمر، الصبر طيب. ماله؟ مضايقك في حاجة؟”

* **سمر (بتردد):** “لا… بس وجود راجل غريب في البيت وأنا لوحدي تقيل على قلبي.”

* **حسام بضحكة صافية:** “غريب إيه يا هبلة؟ ده أخويا، يعني في مقامك، ولو احتاجتي أي حاجة اطلبي منه فوراً.”

أغلقت الخط وأنا أشعر بغصة. حسام يرى “الأخ”، وأنا أرى “المتربص”.

### ليلة العاصفة

بعد العشاء، انقطعت الكهرباء عن المنطقة بالكامل. ساد الظلام الدامس، وصمت شبرا الذي لا يهدأ تحول فجأة إلى سكون مرعب. أشعلت شمعة صغيرة، وبينما كنت أتحرك في الصالة، سمعت خطوات سريعة على السلم.

هذه المرة لم تكن خبطة خفيفة. كان طرقاً متواصلاً وقوياً.

— “سمر! افتحي يا سمر بسرعة!”

كان صوت كريم، لكنه لم يكن هادئاً كالعادة. كان صوته فيه نبرة استعجال غريبة. فتحت الباب والقلق ينهشني، وجدته واقفاً يلهث، وفي يده كشاف قوي وجهه تجاهي مباشرة فجعلني أغمض عيني.

— “في إيه يا كريم؟ خضتني!”

— “شوفت حد غريب طالع السطوح من المنور، قولت أطلع أطمن عليكي، الكهرباء مقطوعة والبيت ضلمة.”

دخل الشقة قبل أن آذن له. تحرك في الصالة بخفة، وكأنه يحفظ تفاصيلها. توجه نحو شباك المطبخ الذي يطل على المنور، فتحه ونظر للخارج، ثم التفت إليّ.

الشمعة كانت تذوب، وظله على الحائط كان يبدو ضخماً ومرعباً.

— “مفيش حد.. يمكن تهيؤات.” قالها وهو يقترب مني ببطء.

وقفت بعيداً عنه وقلت بنبرة حادة:

— “طيب شكراً يا كريم، أنا هقفل الباب بالمفتاح ومش هفتح لحد، انزل أنت.”

لم يتحرك. ظل واقفاً ينظر إليّ بنفس تلك النظرة الثابتة. مسح على طرف الطاولة وقال بصوت منخفض:

— “تعرفي يا سمر… حسام طول عمره بياخد الحاجة الجاهزة. المركز، الشغل، وحتى السكن… دايماً حظه أحسن من حظي.”

خطا خطوة أخرى، وأصبح يفصلني عنه متر واحد فقط.

— “بس هو دلوقتي بعيد… وأنا اللي هنا.”

حبست أنفاسي، وشعرت أن الهواء في الشقة بدأ ينفد. وفجأة، سمعت صوت مفتاح يدور في قفل الباب الخارجي للشقة!

**يتبع…**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *