حكايات اسما السيد 2
الهدوء ساد المكان لدقائق مفيش فيها غير صوت أمواج البحر وصوت أنفاس حماتي المتسارعة. أحمد كان باصص لتليفون والدته والرسائل والتعليقات اللي بدأت تنزل على جروب العيلة زي المطر؛ ناس بتستفسر، وناس بتهزر، وناس بعتت إيموجي ضحك. الهيبة اللي كانت حماتي بتغزلها خيط خيط قدام سلايفها وقرايبها طارت في الهوا.
بصتلي وعينيها مليانة غل وقهر وقالت بنبرة مرعشة: “أنتِ شفتي الصورة أول ما نزلت.. كنتِ تقدري تدخلي تمسحيها من تليفوني اللي كان جنبك على السرير! كنتِ تقدري تقوليلي إلحقي يا طنط البنت بتبعت صور! أنتِ سبتيها مخصوص علشان تتفضحِ!”
أنا ربعت إيدي وبصيت لها بثبات وقولت: “يا طنط، أنا أصلًا كنت مشغولة.. كنت باكل كتير على واحدة رايحة البحر، زي ما حضرتك قلتي قدام الكل الصبح وضحكتيهم عليا. فمأخدتش بالي.. أو يمكن، زي ما حضرتك بتقولي دايماً، كبرت وبقيت بهمل وبستسلم ومبقتش بركز زي زمان.”
أحمد حس بنغزة الكلام، وعرف إن سكوته طول الأيام اللي فاتت وتجاهله لكسرة نفسي هو اللي وصّلنا لهنا. مسك دراعي بقوة وقال بعصبية: “ياسمين! لحد هنا وكفاية.. دي أمي! مهما حصل ميوصلش بيكِ الأمر إنك تشمتي فيها وتسيبي شكلها يبوظ قدام العيلة كلها!”
نفضت إيدي من إيده بكل هدوء وبصيت في عينيه مباشرة وقولتله بصوت مسموع للكل: “وأنا مراتك يا أحمد.. وأم ابنك اللي لسه مكملش تمان شهور. لما كانت مامتك بتهين جسمي وبتتريق على شكلي وتجرح فيا قدام الغريب والقريب، كنت فين؟ مسكتش ليه إيدها وقولتلها ‘لحد هنا وكفاية دي مراتي’؟ أنت كنت بتقعد تضحك وتتجنب تبص في عيني كأنك مكسوف مني.. ودلوقتي جاي تعمل عليا راجل وصاحب موقف؟”
أحمد وشه اسودّ وملقاش كلمة يرد بيها. عيلته اللي كانت واقفة بدأت تتراجع خطوتين لورا من الإحراج، ومبقاش حد قادر يفتح بقه أو يدافع عن حماتي، لأنهم عارفين إن كلامي صح وإنهم شاركوا في المهزلة دي بضحكهم وسكوتهم.
حماتي حست إن موقفها بيضعف أكتر، وخصوصاً لما شافت بنتها الكبيرة بتسحبها من دراعها وبتقولها بشبه همس: “خلاص يا ماما يلا نطلع الفيلا، الفضيحة كبرت والناس في الشاطئ بتتفرج علينا.. والجروب لازم نلاقي طريقة نمسح منه الصور دي بسرعة.”
طلعت حماتي مع بنتها وهي بتجر رجليها وبتعيط من القهر والكسوف، ووراها بقية العيلة اللي انسحبوا واحد ورا التاني في صمت غريب، ومبقاش واقف على الرملة قدام البحر غيري أنا وأحمد.
أحمد بصلي وبقى رايح جاي قدامي وهو حاطط إيده في وسطه، وبعدين وقف وقال بنبرة مكسورة ومخلوطة بغضب: “أنتِ كده ارتحتي؟ لما بوظتي المصيف وخليتينا فرجة للناس؟ أنتِ فاكرة إن اللي عملتيه ده هيمر عادي؟”
لميت حاجتي من على الكرسي، وشيلت ابني الصغير اللي كان نايم في عربيتة، وبصيت لأحمد بابتسامة هادية جداً وقولتله: “المصيف ده باظ من أول يوم يا أحمد.. بس أنت مكنتش حاسس عشان ما كنتش أنت الضحية. عموماً، أنا هطلع ألم هدومي وهحجز عربية ترجعني القاهرة أنا وابني حالاً.. وأنت خليك هنا مع عيلتك كملوا مصيفكم وصوركم السنوية.”
سيبته ومشيت خطوتين، لكنه جري ورايا ووقف قدامي وهو بيحاول يمنعني، وعينيه بتقول إنه مرعوب من اللي ممكن يحصل بعد كده.
**الجزء الثالث:** (تنويه: هذا هو الجزء الرابع)
وقف أحمد قدامي وهو بيحاول يمسك إيد عربية الأطفال اللي فيها ابننا يزن، ملامحه كانت مزيج من الغضب والتردد والخوف من الفضيحة قدام عيلته اللي لسه واقفة على بعد خطوات وبتراقب المشهد بصمت.
بصلي وقال بصوت واطي ومبحوح: “ياسمين.. اتقي الله في اللي بتعمليه! هتمشي وتسيبي المصيف وتسافري لوحدك في الساحل بالليل مع عيل صغير؟ أنتِ عايزة تصغّريني قدام أهلي؟ عايزة الناس تقول عليا إيه لما يلاقوا مراتي لمت هدومها ومشت وسابتني؟”
بصيت لعينيه مباشرة، وبمنتهى الهدوء سحبت إيد العربية من بين إيديه وقولتله: “أنت طول الـ 24 ساعة اللي فاتوا مكنش هامك شكلي قدام أهلك ولا كسرة نفسي وجرحي.. كان كل همك مامتك ترضى والناس تضحك. ودلوقتي لما فكرت في نفسي وفي كرامتي، بقيت خايف على منظرك وصورتك قدامهم؟ أنا مش همشي بالليل عشان أصغّرك يا أحمد.. أنا همشي بالليل عشان مفيش دقيقة واحدة تانية هقضيها في مكان بيتهان فيه طريقتي وشكلي وجسمي اللي اتغير عشان أجيبلك ابنك اللي شايلاه ده.”
سيبته ومشيت بخطوات سريعة وثابتة ناحية الفيلا. الرمل كان بيتحرك تحت رجلي كأنه بيطردني من المكان اللي عشت فيه أسوأ أربعة أيام في حياتي.
أول ما دخلت الفيلا، كان الهدوء اللي جوه يخوف. الشغالة كانت واقفة في المطبخ بتبصلي بخوف، وأخت أحمد الكبيرة كانت قاعدة في الصالة وماسكة تليفونها وعمالة تتكلم بصوت واطي ومرتبك، وبمجرد ما شافتني داخلة سكتت وبصتلي بنظرة كلها غيظ وعتاب.
طلعت السلم بخطوات واثقة ودخلت أوضتي. قفلت الباب ورايا وبدأت أفتح الشنط الكبيرة اللي لسه مفرغناش نصها. كنت بلم الهدوم وبطبقها بسرعة وعشوائية، دموعي كانت عايزة تنزل من كتر الضغط العصبي، بس كنت بحبسها بكل قوتي.. مش عايزة أحمد يدخل يلاقيني ضعيفة أو بعيط.
وفعلاً، الباب اتفتح بعنف ودخل أحمد وهو بيغلي. قفل الباب وراه ووقف سادد المخرج وقال بنبرة تهديد: “أنتِ مش هتتحركي من الأوضة دي يا ياسمين! الشنط دي مش هتتقفل، ورجوع القاهرة مفيش رجوع غير لما المصيف يخلص وكلنا نرجع مع بعض. أنا مش هسمحلك تكسري كلمتي وتعملي اللي في دماغك!”
بصيت للهدوم اللي في إيدي وحطيتها في الشنطة بمنتهى البرود، وقفت وبصيتله وقولت: “أنت ملكش كلمة عليا من أول ما سمحت لغيرك يكسرني ووقفت تتفرج. كلمتك وسلطتك عليا كنت هتحتفظ بيهم لو كنت راجل وحميتني.. لو كنت وقفت في وش مامتك الصبح وقولتلها ‘مراتي عجباني بوزنها وبشكلها ومش هسمح لحد يتريق عليها’. لكن أنت اخترت تكون متفرج.. والنهارده المتفرج ملوش حق يتدخل في نهاية المسرحية.”
أحمد وشه احمر وخطا خطوة ناحيتي كأنه عايز يشد الشنطة، لكن في اللحظة دي الباب خبط بقوة، وصوت أخته الكبيرة كان جاي من بره وهي بتصرخ بهلع: “أحمد! إلحقني بسرعة يا أحمد! ماما يظهر جالها جلطة أو ضغطها علي فجأة ووقعت في الأرض مش قادرة تتحرك!”
أحمد اتنفض وبصلي بنظرة اتهام أخيرة، وكأنه بيقولي ‘أنتِ السبب في اللي حصل لأمي’، وجري وفتح الباب ونزل يجري على السلم.
أنا وقفت مكاني للحظة. قلبي دق بسرعة.. هل فعلاً تعبت؟ ولا دي لعبة جديدة من ألعاب حماتي عشان تلم العيلة حواليها وتخليني أنا المذنبة في نظر الكل وتجبرني أعتذر وأقعد؟
قررت منزلتش وراهم. فضلت واقفة في الأوضة، وبدأت أسمع من تحت أصوات الصريخ والزعيق والكل بيجري يطلب مياه ويسأل عن جهاز الضغط. قعدت على طرف السرير وبصيت لـ يزن ابني اللي كان نايم ببراءة تامة، وطبطبت عليه وأنا باخد قرار مصيري.
بعد حوالي عشر دقائق، الباب اتفتح تاني، ودخل أحمد بس المرة دي وشه كان شاحب تماماً وعينيه فيها انكسار غريب، وبصلي وقال بصوت مخنوق: “أمي تعبانة بجد يا ياسمين.. الدكتور اللي في القرية جاي في الطريق. هي مش قادرة تتكلم وضغطها عالي جداً.. وأهلي كلهم تحت بيبصولي كأني مش راجل ومش قادر ألم بيتي ومراتي.”
قرب مني ووطى راسه وقال بضعف: “عشان خاطري.. انزلي معايا بس قدامهم، اعتذري لماما وقوليلها إنك مكنتيش تقصدي وإن الموضوع سوء تفاهم، وخلينا نعدي الليلة دي.. وأنا بوعدك أول ما نرجع القاهرة هعوضك عن كل حاجة.”
بصيت لـ أحمد والشفقة كانت في قلبي عليه، بس الشفقة دي كانت مخلوطة برفض تام لإني أكون الضحية اللي بتدفع ثمن كبرياء حماتي وغلطة هي اللي عملتها بنفسها.
وقفت وشيلت يزن في حضني، وسحبت شنطة كتفي وقولتله بصوت حاسم: “أنا مش هعتذر عن ذنب أنا معملتوش يا أحمد. مامتك هي اللي صورت نفسها وهي اللي نسيت تليفونها، وأنا مش مسؤولة عن حمايتها بعد ما جرحتني. الدكتور تحت وهيطمنكم عليها.. وأنا تليفوني في إيدي وطلبت عربية ووصلت بره البوابة.”
مشيت خطوتين وصوت أحمد كان ورايا بيترجاني ويهددني في نفس الوقت، وأنا نازلة السلم شايلة ابني، وبمجرد ما رجلي عتبت الصالة اللي تحت، لقيت العيلة كلها واقفة وحماتي نايمة على الكنبة وحواليها كمادات، وكل العيون اتجهت ليا بنظرات صدمة وذهول لما شافوني شايلة ابني وماسكة شنطتي ورايحة ناحية الباب الخارجي..
