حكايات زهرة الربيع 4

الصدمة لجمت لساني. بصيت للورق اللي قدامي، اسمي “أمنية عبد السميع” مكتوب بخط واضح وجنبه ختم النسر. أبويا، اللي كنت لسه شايفاه في الفيديو بيقع ومنهار، واللي كنت بحتقره بسبب خيانته لأمي، كان مأمن حياتي بأغلى أرض في مصر.

أمي فضلت ساكتة، ملامحها اتحولت من القسوة للذهول، وكأنها اكتشفت فصل في الرواية كانت هي اللي كاتباه بس فاتها السطر الأخير.

مراد المحامي كمل كلامه:

**”يا أمنية، الحاج عبد السميع كان بيحول عمولات الصفقات المشبوهة اللي رشاد بيوزعه عليها لحساب بنكي مغلق باسمك، والأرض دي اتسجلت باسمك بصفة (هبة نهائية) لا يجوز الرجوع فيها. يعني رشاد دلوقتي ملوش عندك غير التراب، والقانون في صفك.”**

أمي قامت وقفت فجأة، وقالت بصوت فيه حشرجة:

**”يعني طول السنين دي، كان بيمثل إنه بيصرف على بنات إسعاد من ورايا، وهو في الحقيقة كان بيبني ليكي قصر من غير ما رشاد يحس؟ كان عامل نفسه (خاين) قدام رشاد عشان يحمي الورث؟”**

خرجنا من المكتب وأمي ماشية بتكلم نفسها:

**”بقى “نِفسه أطول” مني يا عبد السميع؟ بقى عامل حساب اليوم ده من 10 سنين؟”**

روحنا المستشفى.. ريحة المطهرات والهدوء المرعب كان مسيطر على المكان. وصلنا عند أوضة العناية المركزة، لقيت هالة وهبة قاعدين في الأرض، متبهدلين، وأول ما شافوا أمي قاموا وقفوا بخوف.

أمي مقلتش ولا كلمة، دخلت للدكتور المسؤول وسألته عن حالته.

الدكتور هز راسه بيأس: “الجلطة كانت شديدة، والمخ اتأثر جداً.. هو دلوقتي بين إيدين ربنا، بس الغريب إنه قبل ما يدخل في الغيبوبة الكاملة كان بينطق اسم واحد بس.. هدى.”

أمي وقفت ورا الزجاج اللي بيفصلها عن أبويا. كان متركب له أجهزة كتير، وشكله بقى ضعيف وقليل جداً. بصت له فترة طويلة، والسكوت اللي كان بيننا كان أتقل من الجبال.

فجأة، لفت لهالة وهبة وقالت لهم بلهجة آمرة:

**”قوموا اغسلوا وشوشكم.. أبوكم مش هيموت دلوقتي، لسه الحساب مخلصش.”**

طلعت موبايلها واتصلت برقم، وردت بمنتهى الحزم:

**”يا رشاد.. أنا قدام العناية المركزة. عبد السميع كتب كل حاجة لأمنية، والبلاغ اللي في الرقابة مش هيتقفل غير لما تيجي وتسلم نفسك بخصوص بضاعتك اللي في المخازن، وإلا المخازن دي هتتحرق باللي فيها النهاردة بالليل.. وإنت عارف إن “نِفسي طويل” ومبتهددش.”**

أمي لفت ليا وقالت:

**”أمنية، إنتي محامية.. بكره الصبح تروحي الشهر العقاري، وتعملي (تنازل) عن نص الأرض دي لـ هالة وهبة.”**

برقت عيني بذهول: “ليه يا ماما؟ دول بنات اللي سرقت عمرك!”

أمي بصت لي بابتسابة فيها حزن وذكاء عميق وقالت:

**”عشان أبوكي لما يفتح عينه، يعرف إن مراته “الأصيلة” هي اللي حمت بناته من غدر أمهم اللي هربت، وعشان رشاد لما يجي يساومنا، يلاقي قدامه جبهة واحدة مش تلاتة.. أنا مش بوزع ورث يا أمنية، أنا بشتري (جيش) يحارب معايا في المعركة الكبيرة اللي جاية.”**

في اللحظة دي، ممرضة خرجت تجري من الأوضة وهي بتنادي على الدكتور: **”دكتور! الحالة بتفوق.. المريض بيحاول يتكلم!”**

جرينا كلنا على الزجاج، وأبويا فتح عينه بصعوبة، عينه وقعت على أمي.. حاول يرفع إيده الرعاشة وشاور لها تقرب. أمي دخلت له الأوضة، ووطت عليه وهو بيوشوش بكلمات خلتها تقف فجأة وتخبط بإيدها على صدرها وهي بتصرخ: **”يا نهار أسود! رشاد مش لوحده يا عبد السميع؟”**

**يتبع…** تابعو صفحه رومانى مكرم

أمي خرجت من الأوضة ووشها خالي من أي تعبير، كانت شاحبة زي الورق، وساندة بإيدها على الحيطة وكأنها بتمنع نفسها من الانهيار. جريت عليها وأنا بسندها: “في إيه يا ماما؟ بابا قالك إيه؟ ومين اللي مع رشاد؟”

أمي بصت لي بنظرة عمري ما شفتها، نظرة تائهة وقالت بصوت واطي:

**”أبوكي بيقول إن رشاد مكنش بيمول إسعاد بس.. رشاد كان ممول (مكتب المحاماة) اللي إنتي شغالة فيه يا أمنية! الأستاذ مراد اللي إنتي معتبرينه قدوتك، هو اللي كان بيرسم الخطط لرشاد عشان يوقعوا أبوكي ويستولوا على الأرض من خلالك إنتي!”**

الدم جمد في عروقي. الأستاذ مراد؟ الرجل اللي ساعدني وفتح لي أبواب النجاح، طلع هو “العقل المدبر”؟

أمي كملت وهي بتضغط على إيدي بقوة:

**”عبد السميع سجل الأرض باسمك عشان مراد ميعرفش يوصل لها بصفتك (موظفة عنده)، بس مراد كان بيراقب كل خطوة وبيدفعك لتقديم البلاغات عشان يخلي الأرض (تحت الحراسة) ويقدر يسحبها بطرق قانونية تانية.. إحنا كنا بنلعب في ملعبهم يا بنتي.”**

في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات سريعة ومنتظمة في ممر المستشفى. لفينا لقينا “الأستاذ مراد” داخل علينا، بس مكنش لوحده، كان معاه اتنين رجالة لابسين بدلات سودة، ووشوشهم مفيهاش أي رحمة.

مراد وقف قدامنا، وبمنتهى الهدوء عدل نضارته وقال:

**”برافو يا ست هدى.. مكنتش متخيل إن عبد السميع هيفوق ويلحق يفسد الطبخة في آخر لحظة. بس للأسف، الكلام ده ملوش قيمة دلوقتي، لأن أمنية وقعت الصبح على (توكيل إدارة عام) للمكتب بخصوص أرض التجمع، بحجة إننا بنحميها من رشاد.”**

بصيت لمراد بصدمة: “إنت استغليت ثقتي فيك يا أستاذ مراد؟ التوكيل ده كان عشان القضية!”

مراد ضحك ضحكة باردة: **”في البيزنس يا أمنية، الثقة دي للضعفاء. التوكيل ده يديني الحق أبيع وأشتري، وأنا فعلاً بعت الأرض لشركة (رشاد الدولية) من نص ساعة.”**

أمي وقفت قدامه، ورغم تعبها، رفعت راسها وقالتله بابتسامة غريبة:

**”إنت نسيت حاجة يا مراد.. نسيت إن أمنية محامية شاطرة، بس أنا مدرسة لغة عربية، وبفهم في (النحو) والترتيب. التوكيل اللي هي وقعتهولك الصبح، أمنية عملت له (إلغاء) رسمي في الشهر العقاري اللي في المستشفى هنا من عشر دقائق، بمجرد ما شفتها وهي داخلة العناية.”**

مراد وشه اتغير: “إنتي بتقولي إيه؟ إمتى ده حصل؟”

أمي طلعت ورقة من شنطتها، ورقة عليها ختم حي وتاريخ اللحظة الحالية:

**”أنا كنت عارفة إن في (خاين) قريب مننا، وعارفة إن رشاد ميعملش كل ده لوحده. أمنية مضت على إلغاء التوكيل قبل ما تدخل تشوف أبوها، والورق اللي معاك دلوقتي ميسواش الحبر اللي اتكتب بيه.”**

لفت أمي لرجالة مراد وقالتلهم:

**”والأرض دي مش بس ملك أمنية.. الأرض دي متسجلة في (وصية) قديمة من خالي الكبير إنها متتباعش غير بموافقة (الورثة الثلاثة): أمنية، وهالة، وهبة. وبنات إسعاد دلوقتي بقوا في صفي، يعني يا مراد، إنت ورشاد خسرتم كل حاجة.”**

مراد كان هيتجنن، وصوته علي: “إنتي بتلعبي بالنار يا هدى! رشاد مش هيسيبك!”

أمي شاورت لآمن المستشفى اللي بدأ يتجمع:

**”رشاد دلوقتي بيتحقق معاه في بضاعته اللي بلغت عنها، وإنت يا مراد، بلاغ (خيانة أمانة مهنية) هيتقدم فيك بكره بالوقت والتاريخ.”**

أمي أخدتني من إيدي، وندهت على هالة وهبة وقالتلهم:

**”تعالوا معايا.. من النهاردة مفيش جيران، ومفيش ضراير. في (حق) لازم يرجع، وفي حساب قديم مع رشاد لازم يتقفل في المخازن.”**

إحنا وخارجين من المستشفى، شفت عربية سودة واقفة بعيد، وشفت “رشاد” قاعد جواها، بيراقبنا بعيون زي الصقر. أمي بصت له وشاورت له بإيدها علامة “الوداع”.

لكن فجأة، تليفون أمي رن.. رقم غريب. ردت، وسمعنا صوت إسعاد وهي بتصوت وبتستغيث:

**”الحقيني يا هدى! رشاد خطفني وعاوز يقت*لني أنا وبناتي لو مخدش ورق الأرض! هو فاكر إن البنات معايا، وهو ميعرفش إنهم عندك!”**

أمي بصت للبنات وبصت لي، وقالت بجملة هزت كياننا:

**”رشاد مبيخطفش حد يا إسعاد.. رشاد بيبعت (طعم). اركبي يا أمنية، المعركة الحقيقية لسه بتبدأ.”**

**يتبع…**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *