الورث ندى الجمل1
“ينفع أقعد معاك لحد ما ماما تيجي؟”
سألت بنت صغيرة بريئة رجل الاعمال اللى قاعد على تربيزه 7 فى مطعم شيك فى وسط البلد
الحراس كانوا على وشّك يتحركوا فورًا…
لكن الملياردير رفع إيده بهدوء وقال:
— “سيبوها تقعد.”
فاستغرب الكل… بس ما حدش قدر يعارضه.
البنت قعدت جنبه عادي كأن مفيش حاجة غريبة بتحصل.
بعد شوية الباب اتفتح فجأة…
ودخلت أمها.
أول ما عينيها جت على بنتها اللي قاعدة جنب الراجل ده…
وشها اتسحب منه اللون في ثانية.
تجمّدت مكانها… كأنها شافت كابوس
بعد تلات دقايق من تهديد القنبلة… الطفلة دخلت المطعم.
وده كان المشهد اللي كل اللي حضروه فضل محفور في دماغهم بعد كده… رغم إن محدش قال كلمة “قنبلة” بصوت عالي جوه مطعم “لا ڤيتا”.
لا الجرسون اللي لابس جوانتي أبيض.
ولا رجال الأمن اللي عاملين نفسهم زباين عاديين.
ولا حتى نائبة المحافظ اللي وشها شحب تحت طبقات المكياج الغالي.
ولا رجل الأعمال الملياردير اللي قاعد على الترابيزة رقم ٧… الراجل اللي اسمه لو اتقال في القاهرة، الناس بتوطي صوتها تلقائي.
كل اللي اتقال كان:
— “في بلاغ جالنا.”
وبعدين… باب المطعم الزجاج اتفتح، ودخلت طفلة صغيرة لابسة بالطو أحمر ومبلولة من المطر.
كانت صغيرة لدرجة إن المطعم كله سكت.
يمكن عندها خمس سنين… أو ستة بالكثير.
الكاب اتزحلق من على راسها، وخصلات شعرها الأسود لازقة في خدودها. جزمتها بتصوّت فوق الرخام وهي ماشية.
في إيدها شنطة ضهر بنفسجي ماسكاها جامد كأن حد وصاها ماتسيبهاش أبدًا.
وفي الإيد التانية منديل ورق من مطعم شعبي، مرسوم وراه لعبة متاهة للأطفال.
“لا ڤيتا” مكان أصلًا الأطفال مايدخلوهوش لوحدهم.
مطعم إيطالي فاخر مستخبي ورا إزاز غامق في الزمالك… المشاهير بيروحوله لما يحبوا الناس تشوفهم من غير ما تبص عليهم، والسياسيين يقعدوا فيه يعملوا اتفاقات بعدها ينكروها.
النجف واطي، والإضاءة خافتة، وقايمة الأكل تمنها مرتب شهرين لناس كتير.
وفي الليلة دي… المكان كله كان مِلك لرجل واحد.
سيف الدمنهوري.
قاعد لوحده على الترابيزة رقم ٧.
راجل اشترى نص العمارات اللي حوالين النيل، وبيتحكم في شركات مقاولات وأمن واستيراد أكتر من الحكومة نفسها.
الصحافة كانت بتسميه “إمبراطور العقارات”.
لكن الناس اللي فاهمة الحقيقة… كان ليهم اسم تاني.
آخر الدمنهورية.
راجل ورث إمبراطورية كاملة مستخبية ورا شركات نضيفة وواجهات شيك.
كان لابس بدلة فحمة من غير كرافتة. وشه جامد، عينيه باردة زي الشتا، وسكوته يخلي أي حد يراجع نفسه قبل ما يتكلم.
من دقيقتين بس، رئيس الأمن قرب منه وهمس:
— “في تهديد مجهول. حد بلغ عن قنبلة في المطعم. بنفتش المطبخ ومدخل الخدمة.”
سيف حتى ما اتحركش.
قال بهدوء:
— “خلّيكوا هاديين.”
وبعدين… دخلت الطفلة.
كل رجال الأمن اتحركوا تلقائي.
واحد مد إيده ناحية الجاكيت.
واحد تاني لف ناحية الباب.
حتى مدير المطعم ثبت مكانه.
لكن الطفلة ماكانش باين عليها خوف.
وقفت تبص على المكان كله… كأنها دخلت فصل غلط وبتدور على أكتر شخص شكله ممكن يساعدها.
وبعدين… مشت مباشرة ناحية سيف الدمنهوري.
رجال الأمن اتحركوا فورًا.
سيف رفع صباعين بس.
فوقفوا مكانهم.
وصلت البنت للترابيزة رقم ٧، وبصت على الكرسي الفاضي اللي قدامه.
وقالت بصوت صغير وواضح:
— “لو سمحت… الكرسي ده حد قاعد عليه؟”
رفع عينه وبصلها.
— “لأ.”
— “ينفع أقعد لحد ما ماما ترجع؟”
المطعم كله حبس نفسه.
سيف بص للبنت… وبعدين للباب المبلول بالمطر… وبعدها ناحية الممر اللي اختفى فيه اتنين من رجالته.
وسألها بهدوء:
— “فين مامتك؟”
أشارت وراها بعشوائية:
— “في الحمام… قالتلي أستنى في مكان آمن. بس كل الكراسي التانية عليها ناس كبيرة.”
— “هي اللي جابتك هنا؟”
البنت سكتت لحظة صغيرة جدًا… لكن سيف لاحظها.
وقالت بعدها:
— “ماما بتقول ماينفعش نقول كل حاجة للغربا.”
حاجة خفيفة شبه ابتسامة عدّت في عينيه.
— “واضح إن مامتك ذكية.”
هزت راسها بفخر:
— “أوي.”
— “اسمك إيه؟”
— “ليلى.”
— “واسم العيلة؟”
رفعت دقنها الصغيرة بعند طفولي:
— “ماما بتقول السؤال ده رخَم.”
المرة دي… سيف كان فعلًا قرب يبتسم.
مش ابتسامة كاملة… بس زاوية فمه اتحركت لدرجة إن الست اللي قاعدة على الترابيزة اللي جنبهم لاحظت.
داليا شريف كانت شغالة مع سيف بقالها تسع سنين.
شافته وهو بيهدد رجال أعمال، وبيكسر ناس أقوى من الحكومة، وبيتعامل ببرود مع خيانات وأزمات تخلي أي حد ينهار.
لكن النظرة اللي شافتها دلوقتي… ماشافتهاش من سبع سنين.
من وقت ما بنت اسمها “هنا منصور” اختفت فجأة من حياته… وسابت وراها شنطة سفر وحلم كلية تمريض… وسر كبير داليا ساعدت تدفنه.
على الترابيزة رقم ٧، سيف سحب الكرسي للبنت.
طلعت عليه وحطت الشنطة في حضنها بحرص.
وقالت بسرعة:
— “أنا هقعد هادية.”
رد سيف:
— “ماعتقدش.”
رمشت ليلى كذا مرة… وبعدين قررت إنه مش شخص وحش.
— “أنا بعرف أبقى هادية لما أحب.”
— “دي موهبة نادرة.”
— “الأبلة بتقول عندي هدوء انتقائي.”
— “ده شكله مرض خطير.”
ضحكت بخفة:
— “يعني برغي كتير لما حاجة تهمني.”
سيف سند ضهره في الكرسي وبصلها:
— “وإيه الحاجات اللي تهمك؟”
مين عايز يكملها ؟؟
— “الحاجات اللي فيها ألوان كتير… والرسم. وكمان اللعبة دي،” قالت ليلى وهي بتفرد المنديل الورق المبلول على الترابيزة الفخمة، وبتبص للمتاهة المرسومة بخط يد مشوش ومهزوز. “بس أنا مش عارفة أوصل للأخر، كل الطرق مقفولة.”
سيف الدمنهوري بص للمنديل. عينيه الخبيرة لقطت التفاصيل في ثانية. الخطوط مكنتش مجرد لعبة أطفال؛ المتاهة المرسومة كانت مطابقة لتقسيمة شوارع الزمالك المحيطة بمطعم “لا ڤيتا”، وفي نص المتاهة كان فيه علامة “X” صغيرة فوق مربع مكتوب جواه برقم صغير جداً: “7”.
نظرة البرود اللي في عيون سيف اختفت، وحل مكانها حذر شديد. قرب شوية من ليلى وقال بصوت واطي وهادي:
— “مين اللي رسم المتاهة دي يا ليلى؟”
— “ماما.. رسمتها في الميكروباص وإحنا جايين، وقالتلي لو توهت أو حصلت دوشة، أدخل المكان الشيك ده وأقعد على الترابيزة دي بالذات.”
في اللحظة دي، داليا شريف وقفت من ترابيزتها وقربت بخطوات سريعة مسموعة، وشها كان شاحب تماماً. مالت على سيف وهمست في ودنه وعينيها على البنت:
— “سيف بيه… الأمن بره لقى عربية نقل فلوس مسروقة مركونة في الممر الخلفي للمطعم. والبلاغ عن القنبلة طلع تشتيت للأمن… المطبخ تمام، بس المشكلة مش جوه.. المشكلة بره.”
سيف ما اتهزش، عينيه فضلت مركزة على البنت، وربط الخيوط في دماغه. “هنا منصور” اختفت من سبع سنين، وليلى عندها حوالي خمس أو ست سنين. المتاهة، الذكاء، العناد الطفولي، والاسم القديم اللي رجع يتردد في روحه زي صدى صوت من الماضي.
فجأة، الباب الزجاجي للمطعم اتفتح بقوة، ودخلت معاه نسمة هواء باردة محملة بريحة المطر.
دخلت ست، البالطو بتاعها غرقان مية، وشعرها الأسود المبلول نازل على وشها. كانت بتنهج كأنها كانت بتجري ماراثون. أول ما عينيها جت على الترابيزة رقم ٧، وشها اتسحب منه اللون في ثانية.
تجمّدت مكانها كأنها شافت كابوس… أو كأنها شافت الشخص الوحيد اللي كانت بتهرب منه طول السنين دي.
كانت “هنا”.
ليلى أول ما شافتها، نزلت من على الكرسي بسرعة وفرحة:
— “ماما!”
لكن هنا ما جرتش على بنتها. عينيها كانت متعلقة بعيون سيف الدمنهوري، اللي وقف ببطء وشموخ، وهو بيزرر جاكيت بدلته الفحمية. نظراتهم اتقابلت في صمت قاتل، صمت كان أعلى من صوت الرعد اللي ضرب بره المطعم في اللحظة دي.
رجال الأمن حوالين القاعة حطوا إيديهم تلقائي على أسلحتهم المستخبية، مستنيين إشارة واحدة من صباعين سيف. وداليا شريف حطت إيدها على بوقها بصدمة وهي مش مصدقة إن السر اللي دفنته من سبع سنين واقف قدامها بشحمه ولحمه.
هنا خدت خطوة لورا، وعينيها بتتحرك برعب بين سيف ورجالته، وقالت بصوت مرعوش بس حاد:
— “ليلى… تعالي هنا حالا.”
سيف مرفعش صباعينه المرة دي. ساب ليلى تتحرك، لكنه أخد خطوة وسيعة من ورا الترابيزة وقفلت زاوية الرؤية، وبقى واقف بين هنا وبين باب الخروج.
بص لهنا ببرود شديد، لكن عروق إيده كانت مشدودة، وقال بنبرة صوت خلت مدير المطعم يرجع لورا خطوتين:
— “المطعم محاصر يا هنا.. والبلاغ اللي عملتيه عن القنبلة علشان تشغلي أمني وتدخلي البنت مش هيعدي. السبع سنين خلصوا… ودلوقتي، إحنا محتاجين نتكلم.”