عذاب طفلها حكايات صافى هانى 1
الجزء الأول: البيت اللي نسيني
رجعت بيتي بعد خمس سنين، كنت مستنية ابني يجري يترمي في حضني.. وبدل ده، لقيت جوزي بيبني حياة جديدة مع ست تانية، وشايل بيبي في حضنه، وورقة طلاقي مستنياني على التربيزة، وابني الصغير مربوط بسلسلة جنب عشة الكلب.
كانوا فاكرين إني رجعت ومعيش غير كسرة قلبي، بس اللي محدش فيهم خده في باله، إن فيه سر مدفون من ست سنين كان على وشك يهد المستقبل اللي لحقوا يحتفلوا بيه…
لمدة خمس سنين، عشت في سكون تام. خمس سنين من المهمات السرية، وتواصل محدود جدًا، وفترات طويلة لا عارفة أكلم بيتي، ولا عارفة أشرح أنا فين، ولا قادرة أقول لأي حد أنا راجعة امتى. وفي كل ليلة كنت بحس فيها بالوحدة، كانت فيه صورة واحدة بس هي اللي مخلية عندي أمل: ابني.
كنت بتخيل “إيثان” وهو بيجري على الباب أول ما يشوفني. كنت بتخيل طوله اللي بقى أزيد مالي فاكراه، وإنه كبر عن الطفل الصغير اللي سبته، بس لسه صغير كفاية إنه يرمي نفسه في حضني. دي كانت الصورة اللي رجعتني بيتي. بس الحقيقة كانت حاجة تانية خالص.
الجزء الثاني: صدمة في الصالة
أول ما عتبت باب بيتنا في “تشارلستون”، عرفت إن فيه حاجة غلط. أرضية الخشب اللي متعودة عليها كانت بتزيق تحت جزمتي. ريحة القهوة الساقعة كانت قالية في الجو، وكان فيه ريحة لحمة مفرومة بتتسخن في المطبخ، ومخلوط معاها ريحة برفيوم ورد فاقعة ونفاذة ملهاش أي مكان في بيتي.
الأرض كانت فاكراني.. بس الناس اللي جوه لأ.
جوزي “رايان” كان قاعد مستريح على كنبته في الصالة. كان شكله صحي وبخير أكتر من أي وقت فات؛ قميصه مكوي على الشعرة، وساعة غالية في إيده، وعلى وشه علامات الهدوء والبرود بتاعة راجل بقى شاطر ومتمكن جدًا في خباثة المداراة.
وجنبه كانت قاعدة ست صغيرة في السن، لابسة فستان أحمر مجسم. كانت ماسكة كاس في إيدها بنعومة، ومربعة رجليها، وقعدتها مظبوطة بالمسطرة، كأنها مرتبة وممرنة نفسها على اللحظة دي بالذات.
حماتي “باتريشيا”، كانت بتهز بيبي ملفوف في بطانية زرقا، وكانت بتبتسم للطفل بحنان ودفا وقالت وهي بتدلع: “أميري الصغير.. من يوم ما جيت والبيت ده بقاله معنى وبقى كامل.”
كلام عمري ما سمعتها قالته في حق ابني ولا مرة.
الجزء الثالث: الهروب من المواجهة
”رايان” رفع عينه، وفي ثانية، وشه اتقلب أصفر زي الليمونة والدم هرب منه: “إيميلي…”
ده كل اللي قدر يقوله. لا حضن، لا أسئلة، لا ريحة الارتياح، ولا حتى سأل إزاي عشت ونجيت خمس سنين بعيد.. كل اللي كان في عينه خوف وبس.
الست اللي بالأحمر بصتلي وابتسمت: “يعني أنتِ بقى المرات الغايبة.”
مبصتلهاش حتى، لأن في اللحظة دي بالذات، سمعت صوت حاجة تانية.. صوت كحت وجر، حديد بيتحك في الخرسانة.. بطيء، ومنتظم، ومش طبيعي. الصوت كان جاي من ورا البيت.
رميت الشنطة من إيدي، ومحدش وقفني وأنا ماشية في الطرقة. لما برجع بالذاكرة، بتهيألي كانوا عشمامين إني مفهمش الصوت ده بتاع إيه.
الجزء الرابع: الحقيقة المُرّة خلف البيت
فتحت باب الجنينة ورا، ودنيتي كلها اتهدت فوق دماغي.
تحت شجرة السنديان القديمة، جنب عشة الكلب الـ “لابرادور”، كان فيه طفل.. طفل خاسس وضعيف، بارك على الركب في الأرض. التيشرت بتاعه كان واسع ومبهدل ونازل من على كتافه، وركبه كان شكلها يوجع القلب من رفعها تحت الشورت الدايب. في الأول، مكنتش قادرة حتى أميز ملامحه.. وبعدين رفع راسه.
إيثان.. ابني.
في اللحظة دي نسيت إزاي اتنفس. رقبته كان حوليها سلسلة حديد.. سلسلة كلاب! السلسلة كانت ممدودة من رقبته لحد وتد حديد مدقوق في الأرض جنب عشة الكلب.
وكان فيه حتة عيش ناشفة مرمية جنب طبق الكلب، “إيثان” مد إيده ناحيتها بحذر، ولما الكلب العجوز زمجر وعمل صوت، ابني سحب إيده في ثانية. مش بخضة أو تفاجؤ، ده سحبها بـ “تعود”.. كأنه خلاص بقى حافظ القواعد دي، كأنه اتعلمها من زمان قوي.
الجزء الخامس: قسوة بلا مبرر
”إيثان…”
اسمه طلع مكسور ومشرخ من زوري. بصلي علطول، ومحصلش أي حاجة.. لا ابتسم، لا عرفني، لا فرح.. مفيش غير خوف.
ومش خوف طفل اتخض، ده خوف طفل اتعود يستنى الأوضاع الأوسخ، الليلة الجاية اللي هينام فيها جعان، الإهانة اللي عليها الدور. ابني معرفنيش، أو يمكن عرفني.. ويمكن مابقاش مصدق إن فيه حد ممكن ييجي ينجده أصلًا.
”باتريشيا” ظهرت ورايا، ولسه شايلة البيبي. عينيها مشيت ورا عيني؛ من السلسلة لعشة الكلب لإيدين إيثان المتوسخة، ولا حتى حاولت تل
اقي عذر أو مبرر.. وقالت ببرود وبمنتهى العادية: “متقربيش منه قوي.. بيعض.”
شديت السلسلة من على رقبة ابني وأنا إيديا بتتراشف، مش من الخوف، من الغل اللي كان هيفجر عروقي. “إيثان” كان بيبصلي بذهول، كأنه مش مستوعب إن القيد ده ممكن يتفك. أخدته في حضني وضمتني ليه بكل قوتي، مكنتش فارقة معايا هدمومه المتوسخة ولا ريحة التراب، ده ابني.. حتة مني اللي عشت خمس سنين في وسط النار عشان أرجعله.
وقفت ولفيت لـ “باتريشيا” اللي كانت واقفة ببرود بارد ومستفز. بصيتلها نظرة خلتها ترجع خطوة لورا وهي بتضم البيبي الجديد لحضنها كأنها خايفة مني.
دخلت البيت وأنا جارة إيثان ورايا، ومآمنة إنه مستخبي في ضهري. أول ما دخلت الصالة، “رايان” وقف، والست اللي بالأحمر حطت كاسها على التربيزة وبدأت ملامحها تتغير من الابتسامة للقلق.
”رايان” قرب مني وهو بيحاول يبلع ريقه: “إيميلي.. اسمعيني بس.. الموضوع مش زي ما أنتِ فايفة.. إحنا افتكرناكِ موتي، والولد ده.. الولد ده بقاله فترة جاله تشنجات وبقى عدواني ومكنش فيه حل غير كده عشان نحمي البيبي الجديد!”
ضحكت.. ضحكة عالية رنت في صالة البيت، ضحكة رعبتهم كلهم.
بصيت لـ “رايان” وقولتله بصوت واطي ومسموع: “بتحمي البيبي؟ وبتنفذ في ابني حكم الإعدام بالبطيء؟ أنت فاكرني مت في المهمة؟ ولا أنت اللي قبضت ثمن غيابي؟”
وش “رايان” اتقلب ألوان، وبص لـ “باتريشيا” برعب.
قربت من التربيزة اللي عليها ورق الطلاق، وبصيت للورق بخرس، وبعدين بصيت لـ “رايان” وقولتله: “أنت فاكر الورق ده ليه قيمة؟ وفاكر إنك بالست دي والبيبي ده ورثت البيت والفلوس؟”
الست اللي بالأحمر دخلت في الكلام بغرور: “أنا مراته القانونية دلوقتي، والبيت ده بتاعي وبتاع ابني.. أنتِ مجرد وحدة ميتة رجعت من الغيبوبة، ومبقالكيش مكان هنا.”
طلعت تليفوني من جيبي، التليفون المشفر اللي مبيفصلش، وطلبت رقم واحد.. رقم مفيش غيري أنا والقيادات الكبيرة اللي نعرفه.
وقبل ما الخط يجمع، بصيت لـ “رايان” وقولتله: “السر اللي اندفن من ست سنين.. السر اللي أنت زورت بسببه أوراق موتي عشان تاخد التعويض وتخلص من قضايا الاختلاس بتاعتك.. السر ده أنا قفلته وفتحت الصندوق بتاعه النهاردة الصبح قبل ما أعتب الباب ده.”
الخط جمع، وقولت بكلمتين وبمنتهى الحسم: “القوة تتحرك فوراً.. العنوان جاهز، والتهم: الخيانة العظمى، والتعذيب، والتزوير.”
”رايان” وقع على ركبه في الأرض، وبدأ يتوسل وهو بيعيط: “إيميلي.. بلاش.. عشان خاطر ابطالنا.. عشان خاطر إيثان!”
وطيت لمستواه، وقولتله وعيني فيها شرار: “إيثان اللي ربطته جنب الكلب؟ ده أنا هخليك تتمنى السلسلة دي وم تلاقيهاش.”
في أقل من خمس دقايق، صوت سرينات البوليس والقوات الخاصة كانت قالية الشارع بالكامل، والبيت اللي كانوا فاكرين إنهم هيحتفلوا فيه بمستقبلهم.. اتهد فوق دماغهم في لحظة.
