روحت اخدت مراتي حكايات زهره 3
أمضيت تلك الليلة بطولها جالسًا على مقعد خشبية بارد في ممر المستشفى، وعقلي لا يتوقف عن الدوران. كان الخوف يأكل قلبي؛ خوف على أخي تامر الذي يرقد خلف الأبواب المغلقة وتحت حراسة مشددة، وخوف مما ينتظرنا مع شروق الشمس. رانيا كانت تجلس بجواري، ترفض مغادرة المستشفى رغم توسلاتي لها بأن تعود إلى البيت لترتاح وترعى ابنتنا، لكنها تمسكت بيدي وقالت وعيناها مليئتان بالدموع: “مش هسيبك يا أحمد.. احنا دخلنا الكابوس ده سوا ولازم نخرج منه سوا. بس بالله عليك خلي بالك من نفسك، الجبل ملوش أمان والناس دي بايعة عمرها.”
مع دقات الساعة الخامسة صباحًا، رن هاتف الضابط المسؤول، والملتفت إليّ قائلًا بنبرة عسكرية حازمة: “جهّز نفسك يا أحمد.. القوة المكبرة وصلت تحت، والتحريات اتطابقت مع أقوال أخوك. احنا طالعين حالا.”
نزلت إلى ساحة المستشفى لأجد مشهدًا يحبس الأنفاس؛ ثلاث سيارات دفع رباعي تابعة لقطاع الأمن العام، وسيارتان مصفحتان محملتان بـرجال العمليات الخاصة الملثمين والمدججين بالس*لاح. ركبت في السيارة الخلفية بجوار ضابط المباحث الذي كان يراجع خريطة جغرافية للمنطقة الجبلية الوعرة على شاشة جهاز لوحي.
انطلقت الحملة بسرعة البرق، وشققت السيارات طريقها عبر الطرق السريعة حتى دخلنا في عمق مدقات جبلية وعرة، تحيط بها جبال البحر الأحمر الشاهقة والموحشة من كل جانب. كان الغبار يكسو الزجاج، والصمت داخل السيارة خانقًا لا يقطعه إلا خشخشة أجهزة اللاسلكي التي تبث تعليمات متبادلة بين قادة الحملة.
بعد ساعتين من السير في دروب متعرجة لا يعرفها إلا أهل الجبل، توقفت السيارات فجأة خلف تبة صخرية ضخمة لحجب الرؤية. ترجل القائد وأشار للجميع بالنزول والتحرك سيرًا على الأقدام لعدم إثارة الانتباه وصوت المحركات. التفت إليّ الضابط وهمس: “أنت هتفضل هنا في ضهر المجموعات الخلفية.. ما تتحركش ولا تعمل أي صوت مهما حصل.”
تحركت قوات العمليات الخاصة بخفة ومهارة يحسدون عليها، يتسلقون الصخور وينتشرون في محيط “المغارة” التي أرشد عنها تامر، والتي كانت تبدو من بعيد وكأنها شق طبيعي في الجبل، لكن التدقيق فيها يظهر آثار إطارات سيارات نقل ومعدات ثقيلة مخبأة بعناية تحت شباك التمويه.
فجأة، دوت صرخة تحذيرية من أحد الحراس التابعين للعصابة فوق قمة الجبل، وتلاها وابل من الرصاص الحي الذي انطلق نحو القوات! انفتحت أبواب الجحيم في لحظة؛ صدى طلقات الرصاص كان يتردد بين الجبال كأنه الرعد، وقواتنا ردت بكثافة ونيران دقيقة شلت حركة القناصة فوق الصخور.
كنت ألتصق بصخرة كبيرة، وقلبي ينبض في حلقي، وأنا أرى القوات تتقدم تحت غطاء ناري كثيف وتقتحم مدخل المغارة بنجاح. دقائق قليلة من الاشتباك العنيف بالداخل، ثم بدأ صوت الرصاص ينحسر ليحل محله صراخ المجرمين وهم يستسلمون ويسقطون واحدًا تلو الآخر بقبضة الأمن.
أشار لي الضابط بالتقدم معه للدخول وتفتيش المكان وتوثيق المضبوطات. عندما خطوت داخل المغارة، شعرت وكأنني دخلت إلى عالم سفلي مرعب؛ المكان كان يعج برائحة كيميائية نفاذة وخانقة، هي نفس الرائحة التي وصفها الطبيب! كانت هناك أحواض ضخمة من الفايبر جلاس ممتلئة بمحاليل رمادية اللون، ومطاحن صخور بدائية، وأكياس ضخمة مكتوب عليها بوضوح أسماء مركبات كيميائية سامة، ومن بينها براميل صلبة مرسوم عليها علامة الجمجمة.. “الزرنيخ والسيانيد”.
وفي زاوية المغارة، كان يجلس “الريس عتمان” مكبل اليدين، رجل ذو وجه متحجر وعينين قاستين كالصخر، وحوله خمسة من رجاله. عندما رآني ورأى الضابط يوجه إليه التهم، ضحك بمرارة وقال بصوت أجش: “عرفتوا طريقنا.. تامر فتن علينا صح؟ الواد ده كان هيموت ويموت بسره، بس حظه قوي.”
قال له الضابط بحدة: “تامر هيموت في المستشفى بسبب السم اللي كنتوا بتقدموه له في أكله وشربه بالتدريج يا عتمان.. اعترف بكل حاجة، الق*ضية دي فيها حبل المشنقة!”
نظر إليّ عتمان بنظرة خبيثة جعلت شعر جسدي يقف، وقال بنبرة تملؤها التحدي والشماتة: “أنا اعترف بالدهب والشغل في الجبل.. ومستعد أتحاسب. بس سم إيه اللي بتقول عليه يا باشا؟ احنا صحيح هددنا تامر لما حب ينسحب وقولنا له رجلك فوق رقبتك، بس وحياة عيالي ما حطينا له نقطة سم واحدة في أكل ولا شرب! احنا لما بنعوز نخلص من حد بندفنه في الجبل ومحدش بيعرف له طريق.. هنقعد نأكله سم بالقطارة ليه؟”
تجمد الضابط في مكانه، ونظرت أنا إليه بذهول. صرخ الضابط فيه: “بلاش إنكار وألاعيب! أومال الزرنيخ اللي مالي جسمه بالتدريج ده وبقاله شهور بياخده جه منين؟”
ضحك عتمان ضحكة ساخرة دوت في أرجاء المغارة وقال: “سألوا نفسكم وسألوا اللي بياكل معاه في بيته! تامر كان شغال معانا هنا بقاله ست شهور، وكان زي الفل وصحته هدد، السم ده بدأ يبان عليه ويخس النص بعد ما نزل إجازته الأخيرة من شهر وقعد في وسطكم.. روحوا دوروا مين اللي بيأكله في بيتكم وبيحط له السم في لقمته!”
وقعت كلمات عتمان عليّ كالصاعقة التي زلزلت كياني كله. التفتُّ إلى الضابط الذي بدت على وجهه علامات الحيرة الشديدة. إذا كان عتمان ورجاله -رغم إجرامهم وتنقيبهم غير المشروع- لم يضعوا السم لتامر، وإذا كان السم قد بدأ يسري في جسده بالتدريج خلال الشهر الأخير الذي قضاه في المدينة وفي وسط العائلة.. فمن الذي يحاول ق*تل أخي بالبطيء ومن داخل بيتنا؟
هل هناك سر آخر يخفيه تامر؟ أم أن هناك عدوًا خفيًا يعيش معنا ويتحرك في الظل، ينتظر اللحظة المناسبة ليقضي على عائلتي واحدًا تلو الآخر؟
تابعو صفحه رومانى مكرم
كانت الكلمات تخرج من فم “عتمان” لتسقط فوق رأسي كالمطارق الثقيلة. شعرت بأن الجدران الصخرية للمغارة تضيق عليّ، وأن الهواء قد نفد من صدري تمامًا. نظرت إلى ضابط المباحث الذي بدا وكأنه صُدم هو الآخر؛ فالخيط الذي كنا نظن أنه نهاية العقد، تبين أنه مجرد بداية لدوامة أكثر عمقًا وظلامًا.
أمر الضابط رجاله بنقل المتهمين والمضبوطات فورًا إلى سيارات الترحيلات، ثم التفت إليّ، وأمسك بذراعي بقوة وهو يخرجني من المغارة إلى الهواء الطلق وقال بنبرة منخفضة لكنها حازمة: “أحمد.. ركز معايا كويس. الكلام اللي عتمان قاله ده خطير، والنوع ده من المجرمين لما بيقع ويلاقي نفسه في تهمة تهريب وتنقيب غير مشروع، ما بيهموش ينكر تهمة الق*تل لو كان هو اللي عاملها، بالعكس ده بيتباهى بجبروته. معنى كلامه إننا بنـدور في المكان الغلط.. تامر أخوك بيتسمم من جوه بيتكم، أو من حد قريب منه جدًا في المدينة!”
ركبت سيارة الشرطة في طريق العودة، لكن الرحلة هذه المرة كانت أطول وأقسى بكثير. كانت معالم الجبل تتوارى خلفنا، لتترك مكاناً لأسئلة مرعبة تتزاحم في عقلي: من الذي يملك مصلحة في تصفية تامر بالبطيء؟ ومن الذي يملك القدرة على الوصول إلى طعامه وشرابه بشكل يومي ومستمر طوال الشهر الماضي؟
وصلنا إلى المستشفى مع دقات العصر. كانت الصالة الخارجية هادئة على غير العادة. وجدت رانيا تجلس في زاوية الممر، وعيناها متورمتان من قلة النوم والخوف، وبجوارها والدتي التي كانت تبدو شاحبة ومجهدة بعد خروجها من غرفة الغسيل الكلوي. بمجرد أن رأتني أمي، ارتمت في حضني وهي تبكي وتقول: “عملتوا إيه يا أحمد؟ طمنوني على أخوك.. تامر حالته بتسير لورا، والدكاترة بيقولوا إن السم لسه مأثر على وظائف الكلى عنده.”
طمأنتها بصوت حاولت جاهدًا أن يكون متماسكًا، ثم طلبت من رانيا أن تأتي معي جانبًا. نظرت في عينيها وسألتها بهمس: “رانيا.. تامر الشهر اللي فات ده كله، من ساعة ما نزل من الجبل وقعد في البيت، كان بياكل فين بالظبط؟ مين اللي كان بيعمله أكله؟”
استغربت رانيا من سؤالي وقالت: “في إيه يا أحمد؟ مالك بتسأل كدة ليه؟ تامر طول الشهر اللي فات كان مقضيها بين شقة والدتك تحت وشقتنا فوق.. لما والدتك بتتعب، كان بيطلع يتغدى معانا، وأوقات كتير كان بيسهر مع أصحابه على القهوة ويجيب عشا معاه وهو راجع. ليه.. في حاجة جديدة ظهرت؟”
لم أرد عليها، بل توجهت فورًا إلى الغرفة التي يرقد فيها تامر تحت الحراسة. دخلت بعد استئذان العسكري الواقف على الباب. كان تامر مستيقظًا، ينظر إلى السقف بشرود وضياع. جلست على طرف السرير، ونظرت إليه نظرة طويلة عاتبة، ثم قلت بصوت منخفض: “عتمان اتمسك يا تامر.. والمغارة كلها تحت إيد الحكومة دلوقتي.”
انتفض تامر في سريره وكأنه صعق بالكهرباء، وقال بفزع: “واعترف؟ قال إنه هو اللي كان بيحط لي الزرنيخ؟”
هززت رأسي بالنفي وقلت ببطء شديد: “عتمان أنكر.. وقال إنه لو عاوز يخلص منك كان دفنك في الجبل ومحدش عرف لك طريق. عتمان قال إنك نزلت من الجبل وصحتك زي الفل، وإن السم ده بدأ يشتغل في جسمك من شهر بس.. يعني وأنت وسطنا وفي بيتنا يا تامر. قولي الحقيقة.. أنت بتخبي علينا إيه؟ مين اللي بيأكلك السم ده؟”
انفجر تامر في البكاء مجددًا، لكن هذه المرة كان بكاؤه مصحوبًا برعشة خوف حقيقية. غطى وجهه بيديه وقال بصوت متقطع: “أنا مش عارف.. أنا والله ما عارف! أنا كنت فاكر إن عتمان هو اللي مسلط عليا حد من رجالته في البلد.. أنا ماليش أعداء يابا وأحمد.. أنا ماليش أعداء غيرهم!”
في تلك اللحظة، دخل ضابط المباحث الغرفة، ومعه تقرير صغير أرسلته الأدلة الجنائية التي عاينت شقتنا وشقة والدي في الصباح الباكر لجمع عينات الطعام والمياه بعد حادثة اللحمة. نظر الضابط إليّ ثم إلى تامر، وقال بلهجة جمدت الدماء في عروقي:
“التقرير جه يا أحمد.. احنا أخدنا عينات من كل الأكل والمياه والمشروبات اللي في شقتك وشقة والدك تحت.. تفتكروا لقينا الزرنيخ فين؟”
حبست أنفاسي، ونظر تامر إلى الضابط برعب. تابع الضابط وهو يقرأ من الورقة: “كل الأكل سليم، ومياه الحنفية سليمة.. لكن لقينا مادة الزرنيخ بنسب مركزة وجديدة في حاجة واحدة بس كانت موجودة في شقة والدك تحت.. في علبة ‘برطمان عسل أسود و طحينة’ تامر كان متعود ياكل منهم كل يوم الصبح بناءً على نصيحة حد قاله إن العسل هيرد صحته ويداويه من الإجهاد اللي كان فيه!”
صعقت تمامًا، وتذكرت فورًا. نعم! تامر كان يملك برطمانًا خاصًا من العسل الأسود المخلوط بالطحينة والمكسرات، وكان يرفض أن يقترب منه أحد، ويقول دائمًا إن هذا “علاج مخصوص” لصحته.
التفتُّ إلى تامر وصممت أن أنطق بالجرأة: “تامر.. البرطمان ده مين اللي جابهولك؟ ومين اللي قلك كُل منه كل يوم عشان صحتك تترد؟”
ابتلع تامر ريقه بصعوبة، وتغيرت ملامح وجهه إلى الذهول التام، وكأن الصدمة ألجمت لسانه. نظر إليّ وعيناه متسعتان وقال بصوت يكاد يكون مسموعًا: “البرطمان ده.. ده.. دي ‘ميادة’ خطيبتي السابقة اللي فسخت معاها الخطوبة من شهرين أول ما نزلت من الجبل.. هي اللي بعتتهولي مع أختها الصغيرة من أسبوعين، وقالت لي إنها عملت الخلطة دي مخصوص عشاني لما عرفت إني تعبان وخسيت، وقالت لي دي مية غسيل قلوب ومفيش بيننا غير كل خير!”
الضابط لمعت عيناه وقال فورًا: “ميادة؟ وفسخت الخطوبة ليه يا تامر؟”
رد تامر بصوت باكٍ: “لأني لما كسبت فلوس من الجبل، طمعت في واحدة تانية من عيلة كبيرة في البلد وسبت ميادة بعد خطوبة سنتين.. وهي وأهلها قالوا لي مش هنسيب حقنا وبنتنا اللي كسرت بخاطرها!”
وقف الضابط واستدار نحو الباب وقال مسرعًا: “الق*ضية كده اتفتحت على بحري.. احنا لازم نتحرك فورًا لبيت ميادة قبل ما تشم خبر وتتخلص من باقي المادة السامة.”
التفتُّ خلفي لأتحرك مع الضابط، لكن في تلك اللحظة بالذات، رن هاتف شقتي الأعلى بقوة. نظرت إلى شاشة هاتف رانيا التي كانت قد دخلت الغرفة لتوها وهي تصرخ بفزع: “أحمد! الجيران في العمارة بيكلموني.. بيقولوا إن فيه دخان أسود كثيف وطالع من شقتنا فوق، والبيت بيتحرق!”
انقلبت الدنيا فوق رأسي مرة أخرى.. هل الحريق مجرد حادثة؟ أم أن هناك من يحاول حرق الأدلة، أو بالأحرى.. القضاء على ما تبقى من عائلتي وهي في المستشفى؟
