حكايات امانى السيد 3
وقفت مراتي قدامي وهي بتفرك إيدها بتوتر، الحيرة كانت باينة في عينيها لأول مرة من سنة كاملة؛ حيرة بين وجعها مني ومن كدبي، وبين خوفها كست مطلقة عايشة لوحدها وبدأ الطامعين يلفوا حواليها ويضيقوا عليها في لقمة عيشها.
بصتلي وقالت بصوت هادي وفيه نبرة رجاء غريبة:
* “أنا مش عايزة مشاكل يا فلان.. أنا فضلت مستحملة البهدلة دي كلها عشان أربي عيالي في الهداوة، ومش مستعدة اسمي يترمي في خناقة بينك وبين صاحبك في الشوارع والمحاكم والناس تتفرج علينا أكتر من كده.”
مسكت نفسي بالعافية وقلت لها:
* “متقلقيش.. أنا مش هعمل حكايات تضرك ولا هخلي حد يجيب سيرتك بكلمة، بس الراجل ده لازم يعرف إنك مش لقمة طرية ولا لوحدك في الدنيا.. اديني فرصتي أثبتلك إني اتغيرت، والمرة دي مش عشان شكلي قدام الناس، المرة دي عشانك وعشان عيالي.”
سيبتها ومشيت وأنا جمرة نار قايدة في صدري. ركبت عربيتي ورحت على المكان اللي عارف إن أحمد بيقعد فيه بعد الشغل، مقهى صغير بعيد عن منطقتنا شوية بيحب يهرب فيه من دوشة البيت.
### المواجهة الحاسمة
دخلت المقهى وعيني بتدور عليه لحد ما لمحته قاعد لوحده بيشرب شيشة وبيتصفح تليفونه ببرود. مشيت بخطوات ثابتة لحد ما وقفت فوق رأسه. أول ما رفع عينه وشافني، ملامحه اتمطت وزق الشيشة لورا وقال بنبرة تريقة:
* “خير يا صاحبي؟ إيه اللي جابك هنا؟ إحنا مش قاطعنا بعض وكل واحد راح لحاله؟”
سحبت الكرسي وقعدت قدامه بالملي، حطيت إيدي على الترابيزة وقربت منه وقلت بصوت واطي ومزلزل:
* “أنا جيت عشان أقولك كلمتين يا أحمد.. الكلمتين دول تسمعهم وتحفرهم في دماغك كويس عشان لو نسيتهم، هنسيك اسمك.”
أحمد وشه اتغير وبدأ يتوتر بس حاول يكابر:
* “أنت بتهددني في غيبتي ولا إيه؟ في إيه مالك؟”
قلتله وعيني في عينه:
* “مراتي.. طليقتي.. الست الأصيلة اللي أنت عملت فيها قاضي شريف وبِعتني وعملت عليا راجل لما عرفت إنها بتشتغل عندك.. الست دي خط أحمر. أنا عرفت بكل كلمة قلتها لها في المدرسة، وعرفت بطلب الجواز السري، وعرفت باللت والعجن اللي بتعمله مع معارفك عشان تضيق عليها في لقمة عيشها!”
أحمد وشه بقا ألوان، الدم هرب منه وبدأ يتلفت حواليه بخوف، لقى نفسه متقزم ومكشوف تماماً، وقال بتلعثم:
* “أنت.. أنت بتقول إيه؟ أنت هتتبلى عليا؟”
طلعت تليفوني وحطيته قدامه وقلتله:
* “مرأتك رانيا هي اللي كلمتني وحكتلي كل حاجة، والست دي محترمة ومش هتقبل بالوساخة دي. لو لمحتك بس بتعدي من قدام المدرسة اللي شغالين فيها، أو لو عرفت إنك كلمت مخلوق يضايقها في شغلها، أنا مش هعمل معاك خناقة.. أنا هروح لأهلك وأهل مرأتك بالدليل، وهفضح عينك الزايغة اللي طمعت في عرض صاحبك.. هخليك تمشي في المنطقة ووشك في الأرض زي ما كنت مستني تشوفني.”
أحمد سكت تماماً، ملقاش كلمة ينطق بيها، الخوف من الفضيحة وخراب بيته شل حركته، وبص للأرض ومبقاش قادر يرفع عينه في عيني. قمت من على الكرسي وقلتله:
* “الحساب بيني وبينك خلص لحد هنا.. وافتكر إن الست اللي استرخصتها، طلعت بـ مية راجل من عينتك.”
### عودة الروح
خرجت من عنده وأنا حاسس إن جبل انشال من على كتافي. رجعت لـ طليقتي تاني يوم، رحتلها بيت أهلها وقعدت مع أبوها وحكيتله اللي حصل كله من غير ما أخبي حاجة، وقولتله:
* “يا عمي.. السنة خلصت، وأنا نفذت كل الشروط، وحميت بنتك من اللي كان عايز يتبلى عليها.. أنا مش طالب غير رضاها.”
أبوها بص لبنته وقالها:
* “أنا شهدت للراجل ده إنه اتغير يا بنتي، وشفت في عينه راجل بجد مستعد يموت عشان يحميكي.. القرار ليكي.”
مراتي بصتلي، ولأول مرة من سنة كاملة، شفت في عينيها لمعة رضا وأمل، وقالت بصوت هادي:
* “أنا موافقة نرجع يا فلان.. بس عشان نفتح صفحة جديدة خالص، مفيهاش كدب، ومفيهاش أصحاب من العينة دي.. صفحة نعيش فيها لبعض ولعيالنا وبس.”
الفرحة مكنتش سايعاني، وحسيت إن الروح ردت فيا من جديد. لكن وأنا بجهز ورقة الرجوع عند المأذون، وبستعد عشان أنقل حاجتنا للبيت اللي بقى باسمها، جالي اتصال تاني من رقم غريب، بس المرة دي الصوت كان راجل، وبيقولي كلام خلاني أقف في مكاني والورقة تقع من إيدي!
الورقة وقعت من إيدي على مكتب المأذون، وبصيت للتليفون بذهول وأنا بسمع صوت الراجل الغريب اللي نبرته كانت جادة وحاسمة جداً، وقالي:
* “حضرتك الأستاذ فلان؟ أنا الأستاذ مجدي، مدير الإدارة التعليمية اللي تابعة ليها مدرسة مدام رانيا ومدرسة طليقتك.”
بلعت ريقي وبصيت لمراتي وأبوها اللي كانوا قاعدين مستنيين نمضي ورقة الرجوع، وخرجت بره المكتب وقولت بصوت واطي:
* “أيوة يا فندم أنا.. خير حضرتك؟ في حاجة حصلت؟”
المدير اتنهد وقالي كلام مكنتش أتوقعه في أشد كوابيسي:
* “الأستاذ أحمد صاحبك، أو اللي كان صاحبك، مجاش المدرسة النهاردة.. لكنه باعت شكوى رسمية وموثقة للإدارة بيتهم فيها طليقتك بـ ‘سلوك غير انضباطي’ واستغلال وظيفتها كدادة، ومرفق مع الشكوى صور قديمة ليها وهي شغالة في بيته، وكاتب إنها كانت بتدخل بيوت من غير علم جوزها وبتعمل مشاكل بين المتجوزين.. وبناءً على الشكوى دي، الإدارة مجبرة تفتح تحقيق رسمي الصبح، وطليقتك مهددة بالفصل وقطع عيشها لو الشكوى دي ثبتت أو عملت شوشرة في المدرسة.”
قعدت على الكرسي بره الأوضة وحسيت إن الدنيا بتسود تاني. أحمد متهدش، والخوف من الفضيحة خلاه يقلب الطاولة ويهجم الأول عشان يحمي نفسه ويقطع عيش مراتي وينتقم مني ومنها في نفس الوقت.
### قرار المواجهة الأخيرة
دخلت الأوضة تاني، ملامح وشي كانت كفيلة تخلي مراتي تقف من مكانها بخوف وتسألني:
* “في إيه يا فلان؟ وشك خطفه الدم ليه؟”
بصيت لها ولقيت إن الكدب مش هينفع، إحنا لسه بنقول يا هادي وبنفتح صفحة جديدة. حكيت لها وحكيت لأبوها المكالمة بالحرف. مراتي حطت إيدها على قلبها وقعدت تعيط بقهر:
* “تاني؟ تاني هيدخلوا في سمعتي وأكل عيشي؟ أنا عملت إيه في دنيتي عشان اتمهز البهدلة دي كلها؟”
أبوها وقف بعصبيته وقال:
* “الراجل ده لازم يتربى، أنا هاخد أخوها ونروح له لحد بيته وندغدغه.”
مسكت إيد عمي وقلت له بصوت كله ثقة وحسم مكنش عندي زمان:
* “لأ يا عمي.. المرة دي مفيش ضرب ومفيش قلة قيمة في الشوارع. أحمد فاكر إنه ذكي وبيلعب بالقانون والشكاوى، بس هو نسي إن اللي بيحفر حفرة لأخوه بيقع فيها.. المأذون هيستنانا ساعة زمن، وأنا هروح الإدارة التعليمية وهنهي الموضوع ده بنفسي، وبنتك مش هتنكسر ولا هتتفصل.”
### في مكتب المدير
تاني يوم الصبح، رحت الإدارة التعليمية، وطلبت مقابلة الأستاذ مجدي المدير. دخلت ومعايا الشنطة السودا بتاعتي. المدير بصلي وقال بأسف:
* “يا أستاذ، أنا مقدر موقفك، بس الشكوى رسمية وجاية من مدرس زميل في نفس القطاع، والصور اللي باعتها بتثبت إنها كانت بتشتغل في البيوت.”
وقفت بكل ثبات وطلعت تليفوني، وفتحت تسجيل صوتي وفيديو.. التسجيل ده كان مكالمة مدام رانيا (مرات أحمد) وهي بتستغيث بيا وبتحكيلي إن أحمد بيراود مراتي عن نفسها وبيطلب منها الجواز السري وبيهددها بقطع عيشها لو رفضت! ومعايا كمان رسائل أحمد الـ “واتساب” اللي بعتها لمراتي يلمح فيها ويطلب مقابلتها بره المدرسة وهي بتصده.
حطيت التليفون قدام المدير وقولتله:
* “الصور اللي هو باعتها دي، دي صور مراتي لما كانت بتساعد مراته في البيت في وقت أزمتي، وده مش عيب ولا حرام.. لكن الشكوى دي كيدية، والسبب الحقيقي أهو.. الأستاذ أحمد بيستغل سلطته وعلاقاته عشان ينتقم من ست شريفة رفضت تخون عشرة جوزها وطردته لما طلبها في الحرام.. دي قض*ية تحرش واستغلال نفوذ، وأنا مش هسكت، والورق ده لو ماراحش النيابة وقض*ية شرف تنهي مستقبله، أنا هصعدها لأعلى مستوى.”
المدير عينه برقت وهو بيسمع التسجيل وبيشوف الرسائل، وشه جاب ألوان وقام وقف وقال:
* “لا حول ولا قوة إلا بالله.. ده هو اللي مستقبله ضاع. الورق ده كفيل يوديه في داهية ويحوله لمجلس تأديب فوري ويفصله من التربية والتعليم كلها بتهمة سوء السلوك والافتراء الكيدي.”
### اللحظة الحاسمة
خرجت من مكتب المدير بعد ما الشكوى ضد مراتي اتحفظت تماماً، والتحقيق اتقلب ضد أحمد اللي صدر قرار فوري بوقفه عن العمل وتحويله للتحقيق بتهمة ابتزاز زميلته واستغلال وظيفته.
تليفوني رن، وكان أحمد.. صوته كان بيرتعش ويبكي زي الأطفال بعد ما بلغه قرار الوقف، وقالي:
* “بوس إيدك يا فلان.. شيل التسجيلات دي، أنا بيتي هيتخرب ومراتي هتطلب الطلاق ومستقبلي ضاع!”
قولتله ببرود:
* “اللي بيسترخص عرض الناس يا أحمد، ربنا بيفضحه في عقر داره.. أنت اللي بدأت، والقايمة دارت عليك.”
رجعت لبيت أهل مراتي، وكنت شايل معايا قرار حفظ التحقيق ورد اعتبارها من الإدارة التعليمية. أول ما دخلت، مراتي بصتلي بلهفة، حطيت الورقة في إيدها وقلت لها:
* “حقك رجع، ورقبتك مرفوعة وسط المدرسة كلها.. ودلوقتي، مفيش حاجة تمنعنا نرجع لبيتنا.”
دموعها نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرحة وأمان، وبصت لأبوها اللي ابتسم وقال للمأذون:
* “اكتب يا شيخنا.. على بركة الله.”
رجعنا بيتنا.. الشقة اللي كانت في يوم من الأيام شاهدة على كدبي وأنانيتي، وشاهدة كمان على عرق مراتي وشقاها. أول ما دخلنا وقفلنا الباب علينا، العيال جريوا على أوضتهم وهم فرحانين باللمة اللي اتحرموا منها سنة كاملة.
وقفت مع مراتي في الصالة، بصيت في عينيها.. نفس العيون اللي شفت فيها الخذلان والقهر في بيت أحمد من شهور طويلة، لكن المرة دي، النظرة كانت مختلفة تماماً. كانت نظرة هادية، فيها راحة وأمان غابوا عن البيت ده من سنين.
قربت منها، ومسكت إيدها اللي كانت خشنة من تعب الشغل وقلت لها:
* “البيت ده بتاعك أنتِ وعيالك يا أم الأبطال، وأنا هنا ضيف محمي في حماكي.. أنا عمري ما هنسى إنك صنتي سري واسمي وأنتِ مطلقة ومجروحة مني، وعمري ما هنسى إنك وقفتي زي الجبل قدام اللي حاول يستغل محنتك.”
دمعت وقالت وهي بتبتسم:
* “أنا مصنتش عشانك يا فلان.. أنا صنت عشان أنا بنت أصول، وعشان عيالي لما يكبروا يرفعوا راسهم بأمهم. والحمد لله، ربنا جابلي حقي لحد عندي، وخلى الراجل اللي غدر بيا هو اللي يحميني ويبقى سندي.”
### نهاية الحساب
أما عن أحمد.. فالعدالة مأخرتش عليه. قرار الوقف عن العمل اتقلب لفصل نهائي من التربية والتعليم بعد ما التحقيق أثبت كذب شكواه واستغلاله للمدرسة لابتزاز طليقتي. رانيا مراته مقدرتش تستحمل الفضيحة ولا الخيانة، وأخدت بنتها ورفعت عليه ق*ضية طلاق وخالعت نفسها منه بعد ما سيرته بقت على كل لسان في المنطقة وفي الشغل.
أصحابنا في الشلة عرفوا الحكاية كاملة.. عرفوا إن أحمد اللي كان عامل فيها الملاك الشريف طلع خاين لعرض صاحبه، وعرفوا إني اتغيرت ووقفت وقفة رجالة عشان أحمي بيتي. بدأوا يتصلوا بيا تاني ويحاولوا يرجعوا المية لمجاريها، لكني قفلت الباب ده تماماً. اللي يبيع صاحبه في محنته ويصدق فيه كلمة ويمشي ورا الفضايح، ملوش مكان في حياتي الجديدة.
### الغد الجديد
مرت الأيام، وبقيت بشتغل ليل نهار في شغلي الجديد بمرتب أفضل، والفلوس اللي بتدخل البيت بقت كلها تحت إيد مراتي.. مفيش قرش بيستخبى، ومفيش كلمة بتتقال من ورا الضهر. مراتي فضلت في شغلها في المدرسة كدادة، بس المرة دي برأس مرفوعة، ومحدش في المدرسة كلها يقدر يبص لها نص نظرة، لأن الكل عرف إن وراها راجل مستعد يهد الدنيا عشانها.
اتعلمت الدرس الغالي.. اتعلمت إن الفلوس بتروح وتيجي، وإن المظاهر والـ “برستيج” كدبة كبيرة بنعيشها وبنصدقها لحد ما تكسرنا، لكن الست الأصيلة اللي بتصون بيتها في غيبتك وقيمتك، دي رزق من ربنا ميتعوضش بمال الدنيا كله.
قعدنا في البلكونة بنشرب القهوة مع بعض، والعيال بيلعبوا حوالينا، وبصيت للسما وقلت: “الحمد لله.. الحمد لله اللي كسرني عشان يفوقني، ورجعني راجل يستاهل الست دي.”
**تمت.**