خزلان حكايات امانى السيد 3

دخل أحمد بوكس الشرطة وعينه منزلتش من عليا، كان بيبصلي بنظرة رعب مخلطة بذهول، كأنه مش مصدق إن البنت اللي كانت من كام أسبوع بتموت في المستشفى وهي بتفديه، هي نفسها اللي واقفة في الشارع وحاطة الكلبشات في إيده.

حماتي وأخته قعدوا يصرخوا في الشارع ويلموا الناس، وأمه تلطم وتقول: “يا ناس يا عالم الحقونا، الست دي جاية تتبلى على ابني وتخرب بيته بعد ما طلقها!”، بس الناس في المنطقة الجديدة مكنوش يعرفوهم، فكل اللي عملوه إنهم وقفوا يتفرجوا عليهم بقرف واستنكار من المنظر والفضايح.

ركبت مع المحامي بتاعي وعم محمد البواب ورحنا وراهم على القسم. المحامي بصلي وقال بثقة: “كدة أول جولة كسبناها يا مدام، أحمد هيبات الليلة في الحجز، وبكرة الصبح هيتعرض على النيابة. شهادة عم محمد هنا هي القشة اللي هتقطم ظهره.”

الليلة دي عدت عليا وأنا نايمة في سريري في بيت أمي لأول مرة مرتاحة. كنت بفتكر زنة الأجهزة في المستشفى والخوف اللي عاش في قلبي، وبقارنه بذل أحمد وهو مكلبش، فكنت ببتسم وأنام وأنا حاسة إن ربنا عدل ومبيضيعش حق حد.

الصبح بدري، روحنا سرايا النيابة. وقفت أنا وأمي وأختي والمحامي في الممر مستنيين دورنا. شوفت حماتي وأخته جايين من بعيد، شكلهم كان يقطع الخميرة من البيت؛ وشوشهم دبلانة، وهدومهم متبهدلة من قعدة الرصيف قدام القسم طول الليل. أول ما حماتي شافتني، نسيت جبروتها وجريت عليا، وحاولت تمسك إيدي وهي بتعيط: “بوس إيدك يا مدام.. ابني هيروح في داهية، أحمد بات في الحجز وسط المجرمين وشاف الويل، ارجعي في كلامك وفكي ضيقته، وإحنا مستعدين نعملك كل اللي أنتِ عاوزاه!”

شيلت إيدي من بين إيديها بمنتهى البرود وقولت: “ابنك لما سابني في المستشفى وأنا وشي محروق مأثرش فيه إني كنت بموت علشانه، ومفكرش ليلة واحدة أنا بايتة إزاي ولا حاسة بإيه. سيبيه يجرب قعدة الحجز، يمكن يتعلم يعني إيه رجولة.”

أخته نهى زعقت بغل وهي بتعيط: “أنتِ إيه؟ معندكيش قلب؟ كل ده عشان حتة عفش؟”

ردت عليها أختي بقوة: “لأ يا حبيبتي، مش عشان حتة عفش، عشان قلة الأصل والندالة اللي ملهاش دوا. العفش ده شقا أبويا اللي مات وهو بيجيبهولنا، ومش هنسيبه لواحد حرامي وندل زي أخوكي.”

حاجب المحكمة نده على اسمنا، ودخلنا أوضة وكيل النيابة. أحمد كان واقف جوة، وشه كان شاحب وأسود، وتحت عينيه هالات سودا من قلة النوم والخوف، ودموعه نازلة على كتافه. أول ما دخلت، بص للأرض ومقدرش يحط عينه في عيني.

وكيل النيابة بدأ التحقيق. سأل عم محمد البواب اللي حلف اليمين وقال بكل أمانة: “يا فندم، أنا شوفت أحمد بيه وأهله وهم بيحملوا العفش كله بالليل في كراتين وعربيات نص نقل، بعد ما الست مدام دخلت المستشفى بيوم واحد، وقالولي إنهم رايحين مكان تاني ومحدش يعرف طريقهم.”

المحامي بتاعي قدم عقد شقة التجمع اللي باسم صاحب أحمد، وقدم محضر المعاينة اللي أثبت إن العفش اللي جوة الشقة هو نفسه اللي مكتوب في قايمة منقولاتي بالتفصيل بالماركات والأرقام.

وكيل النيابة بص لأحمد وقال بنبرة حادة: “أقوالك إيه يا أحمد في التهمة الموجهة ليك بتبديد منقولات زوجتك؟”

أحمد انهار تماماً وبقى بيتكلم وهو بيترعش: “يا فندم والله العظيم أنا مكنتش هسرق حاجة، أنا بس نقلت العفش عشان الشقة القديمة كانت محروقة ومكنش ينفع نسيب الحاجه فيها، وأنا مستعد أرجعلها حاجتها كلها دلوقتي حالا بس أخرج!”

وكيل النيابة بص في الورق وقال: “بس الشهود وعقد الإيجار المزور باسم صاحبك بيثبتوا نية الإخفاء والتبديد، وكمان أنت طلقتها غيابي ورفضت تسلمها حقوقها.”

بعد مناقشات ودفوع من المحامي بتاعنا وبتاع أحمد، وكيل النيابة أصدر قراره: “يُحبس المتهم أحمد ٤ أيام على ذمة التحقيق، مع التحفظ على المنقولات الزوجية وتسليمها للشاكية مدام بناءً على القايمة الرسمية.”

القرار نزل على أحمد وأهله زي الصاعقة. حماتي صرخت ووقعت من طولها في الممر، وأحمد قعد يصرخ ويقول: “٤ أيام يا فندم؟ أنا مستقبلي هيضيع! أنا شغال في شركة محترمة وهيرفدوني!”، بس العساكر شدوه وأخدوه على الحجز تاني.

خرجت من باب النيابة وأنا حاسة بنصر حقيقي. المحامي قالي: “كدة العفش هيرجعلك بكام عربية لحد بيت والدتك يا مدام، وأحمد مش هيخرج من السجن غير لما يمضي على شيكات بالمؤخر ونفقة المتعة عشان يتنازل عن الق/ضية، وإلا الق/ضية هتحول للمحكمة وهيتحكم عليه بالحبس سنة مع الشغل.”

بعد يومين، كنت واقفة في بلكونة بيت أمي، وشوفت عربيات النقل جاية وتحتها حماتي وأخته واقفين في الشمس بيموتوا من القهر وهم بيشرفوا على تنزيل العفش بتاعي ويرجعوهولي حتة حتة قدام الجيران كلهم، والكل بيتكلم على ندالتهم وفضيحتهم.

العفش رجع، وأحمد لسه محبوس، والمحامي باعتلي رسالة بيقولي إنهم عارضين تسوية بمبلغ المؤخر كاش عشان أتنازل قبل ما المدة تتجدد.

بصيت لنفسي في المراية، وشي كان بيلمع وزي القمر، وضحكت من قلبي وأنا بفكر: “أنا لسه منقذتش أحمد من الحجز.. أنا لسه عندي شروط تانية هتخليهم يندموا على اليوم اللي فكروا فيه يبيعوني.”

تابعو صفحه رومانى مكرم

نزلت عربيات النقل آخر حتة من العفش قدام بيت أمي، والشارع كله كان واقف يتفرج. حماتي وأخته كانوا واقفين في الخزي والتراب، وشوشهم في الأرض من نظرات الجيران وهمساتهم اللي ميرضاش بيها حد. أخته نهى جت عندي وهي بتنهج من التعب وقالت بنبرة مكسورة ومذلولة: “أهو العفش كله رجعلك يا مدام، حتة حتة ومسمار مسمار، ومفيش حاجة ناقصة. كفاية بقى لحد كدة واكتبي التنازل.. أحمد هيموت جوه، ده جاله انهيار عصبي في الحجز والدكتور دخلّه.”

بصيت لها من فوق لتحت ببرود وقولت: “العفش ده حقي وشقايا ورجعلي، ده ملوش علاقة بخروج أخوكي. خروجه ليه ثمن تاني خالص، ومكتبيش كلمة تنازل غير لما الثمن ده يتدفع بالمليم.”

حماتي قربت وهي بتجر رجليها بالعافية، الدموع في عينيها مخلطة بالغل بس مجبورة تسكت، وقالت: “عاوزة إيه تاني يا بنتي؟ إحنا شقا عمرنا كله دفعناه في مقدم شقة التجمع وممعناش سيولة، والمحامي بتاعك طالب مبلغ المؤخر والنفقة كاش.. هنجيب منين؟ نسرق عشان ترتاحي؟”

رديت عليها بثبات حديدي: “زي ما لفتوا ودورتوا وجبتوا فلوس عشان تهربوا وتدفعوا للسمسار والمقدم، تصرفوا نفسكم وتجيبوا حقوقي. قدامكم لحد بكرة الصبح، الفلوس لو مكنتش في مكتب الأستاذ رأفت كاش، أنا هطلب تحويل الق/ضية للمحكمة، وساعتها أحمد هيتطرد من وظيفتو وهياخد حكم بالحبس سنة، وشقة التجمع اللي فرحانين بيها دي مش هتعرفوا تدفعوا إيجارها وهو جوه.”

سيبتهم واقفين في الشارع يولعوا في بعض، وطلعت الشقة. دخلت أوضتي وقفلت الباب، وقعدت أفتكر اللحظة اللي كنت فيها في المستشفى بسأل على أحمد وأمي بتداري عليا.. سبحان مغير الأحوال، النهاردة هما اللي واقفين تحت رجلي بيترجوني أرحم ابنهم.

الليل جه، وتليفوني رن.. كان الأستاذ رأفت المحامي.

“مساء الخير يا مدام. جماعة أحمد لسه خارجين من عندي حالا.”

سألته بلهفة: “عملوا إيه يا متر؟”

المحامي ضحك وقال: “جم ومعاهم الفلوس كاش.. حماته راحت باعت دهبها ودهب بنتها، واستلفوا الباقي من قرايبهم عشان يجمعوا مبلغ المؤخر ونفقة المتعة والعدة كاملين. الفلوس في الخزنة عندي في المكتب، وكتبوا إقرار وتعهد بعدم التعرض ليكي أو لأهلك نهائيًا.”

قولتله بنبرة مرتاحة: “تمام يا متر، بكرة الصبح نروح النيابة ونقدم التنازل، بس أنا عاوزة أكون موجودة وأنا بمضي.. عاوزة أحمد يشوفني وأنا بقفل صفحته بإيدي.”

تاني يوم الصبح، روحت النيابة مع المحامي. أحمد خرج من الحجز عشان يمضي على قرار الإفراج بعد التنازل. أول ما دخل الأوضة، كان باين عليه إنه كبر عشر سنين في الكام يوم دول؛ دقنه طلعت، وهدومه متبهدلة، وروحه مكسورة لأبعد حد.

بصلي وعينيه مليانة دموع، وقال بصوت يترعش: “سامحتيني يا مدام؟ أنا عارف إني غلطت.. بس وحياة غلاوتك عندي، أنا اتعلمت الدرس، وعرفت إن مفيش حد في الدنيا كان هيحبني ويفديني زيك.”

قربت منه خطوة، وبصيت في عينيه بكل قوة، وقولتله بصوت واطي ومسموع: “أنا مسمحتكش يا أحمد، ولا عمري هسامحك.. أنا بس أخدت حقي منك في الدنيا، وسايبة حقي بتاع الآخرة لربنا. أنا مش بمضي التنازل ده عشان سواد عيونك، أنا بمضيه عشان الفلوس والعفش رجعوا، وعشان أقطع آخر حبل كان رابط اسمي باسمك.. أنت من النهاردة صفحة سودا واتقفل في حياتي.”

مسكت القلم ومضيت على ورقة التنازل بكل ثقة وفخر، وبصيت لوكيل النيابة وقولتله: “أنا كدة خلصت يا فندم.”

التفت عشان أمشي، فأحمد مسك في إيدي وهو بينهار: “مدام.. أرجوكي بلاش تمشي كدة، خليني أصلح اللي عملته، أنا مستعد أتجوزك تاني ونبدأ من جديد، والله هعوضك عن كل ثانية.”

شيلت إيدي من إيده بقوة وكأن قرفانة منه، وقولتله: “تتجوزني تاني؟ أنت مصدق نفسك؟ الوش اللي أنت هربت منه عشان فاكره اتمسح، رجع أحسن وأجمل من الأول.. بس خسارة فيك وفي أشكالك. أنت وأهلك هتعيشوا طول عمركم مديونين للناس بسبب الفلوس اللي دفعتوها، وشقتكم الجديدة دي مش هتعرفوا تعيشوا فيها من كلام الناس وفضيحتكم. عيش بقى في مستنقع الندالة اللي اخترته لنفسك.”

خرجت من سرايا النيابة وأنا حاسة إن الهوا برة نقي جداً، والشمس منورة وشي الصافي اللي ربنا حفظهولي. أمي وأختي كانوا مستنييني برة، وأول ما شافوني أخدوني في الحضن وهم بيعيطوا من الفرحة.

أنا رجعت بيتنا، وعفشي معايا، وحقوقي في جيبي، ووشي رجع زي البدر.. والأهم من كل ده، إني كسبت نفسي وعرفت قيمتها. بس الحكاية لسه منتهتش، لأن أحمد بعد ما خرج ورجع شقته في التجمع، بدأ يكتشف إن خسارته مكنتش مجرد فلوس وعفش.. الخسارة الكبيرة كانت عاداله وبدأت تظهر في حياته بشكل تاني خالص.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *