حكايات نور محمد 2
طارق حس إن الهوا اتقطع عن المكتب، فك رابطة العنق بتاعته وهو بيتنفس بسرعة، وبص لورق التحويلات اللي قدامه وهو مش مصدق إن “ياسمين” الهادية، اللي كان بيستغفلها بكلمتين، هي اللي حطت رقبته تحت الس*كين بالشكل ده.
حاول يلم الدور، ووطى صوته وهو بيبص لمدير البنك بإحراج، وقال بنبرة رجاء متدارية: “ياسمين.. حبيبتي.. إحنا برضه بينا عشرة وأهل، مش كده؟ إنتي فاهمة الموضوع غلط، الفلوس دي أنا كنت شايلها عشان نشتري بيها أرض ونأمن مستقبلنا، مكنتش بسرئك!”
رديت عليه بضحكة سخرية رنت في المكتب: “تأمن مستقبلك من فلوسي ومن ورا ضهري؟ وبتكتب العمارة باسمك؟ وبتقولي السوق نايم لحد ما خلفتني استلف عشان أدير الشغل؟ امضي يا طارق.. امضي على إقرار رد المبالغ والتنازل عن أي صلاحية في الصفحة، وإلا والله العظيم هتدخل القفص ببدلتك دي.”
مدير البنك حط القلم قدام طارق وقال بجدية: “يا أستاذ طارق، الورق اللي قدامنا ده يوديك في داهية، الأستاذة ياسمين معاها كشوفات رسمية وموثقة بكل قرش دخل حسابك من بوابة الدفع بتاعة موقعها، والتزوير في الحسابات التجارية الإلكترونية عقوبته السجن المشدد، لو عايز تخلص ودي.. امضي.”
إيد طارق كانت بترتعش وهو بيمسك القلم، بصلي ب غل وحقد عمري ما شفته في عينيه قبل كده، وعرف إن اللعبة انتهت. وقع على التنازل وعلى شيكات بمجمل المبالغ اللي سرقها عشان يتم جدولة ردها تحت إشراف البنك والمحامي، ومضي على مستند نقل ملكية وإدارة الصفحة بالكامل ليا، وإلغاء صلاحياته كـ Admin للأبد.
أول ما خلص توقيع، سحبت الورق من قدامه وحطيته في شنطتي بكل برود، وقلتله: “دلوقتي تقدر تتفضل.. والشبكة ودبلتك هتوصلك مع حد من قرايبي، ملمحش وشك تاني.”
خرج طارق من البنك وهو مكسور، ماشي بيجر رجليه بعد ما كل خططه اتهدت في ثانية.
رجعت البيت، وأنا داخلة من باب الشقة، لقيت خالي قاعد مع أمي وبيشربوا شاي ومبتسمين، خالي أول ما شافني قال بفخر: “ها يا ست العاقلة؟ خلصتوا الإجراءات؟ طارق كلمني من شوية صوته كان طالع بالعافية، ماله في إيه؟”
رميت شنطتي على الترابيزة وقعدت حاطة رجل على رجل، وبصيت لخالي وقلتله بكل ثقة: “آه خلصنا يا خالو.. بس مش نقل ملكية الشغل لطارق، أنا خليت طارق يوقع على شيكات برد الـ 2 مليون جنيه اللي سرقهم مني، وشيلته من الصفحة خالص، وفضحت كدبه قدام البنك كله.”
خالي وقف ومصدوم، ووشه احمر وقال بزعيق: “إنتي جنيتي يا بنت؟ بتلوي دراع راجل؟ إنتي كده بتخربي جوازتك وبتفضحينا! مين هيقبل بيكي بعد ما عملتي كده في خطيبك؟”
وقفت قصاده، وبصيت في عينيه ومتهزتش شعرة واحدة مني، وقلتله بصوت هز الحيطة: “اللي ميرضاش بيا عشان رجعت حقي من حرامي، يبقى ميزمنيش يا خالو! وأنا مش مستنية راجل يصرف عليا من فلوسي اللي سرقها مني.. أنا ياسمين، اللي بنيت الشغل ده بدمي، والصفحة دي بتاعتي، والفلوس دي بتاعتي. ومن هنا ورايح، مفيش راجل هيمد إيده على شقايا، واللي هيفكر يستغفلني.. هيدفع الثمن غالي، زي طارق بالظبط!”
سيبت خالي واقف مكانه مش ملاحق ياخد نفسه من الصدمة، ودخلت أوضتي، فتحت اللاب توب بتاعي، ودخلت على الصفحة.. غيرت الباسورد، وعملت “بلوك” نهائي لطارق من حياتي ومن شغلي، ونزلت بوست جديد للمتابعين بتوعي وكتبت فيه: “مساء الخير يا عيلتي التانية.. رجعنا بقوة، وبتشكيلة جديدة ومفاجآت ملهاش آخر.. لأن النجاح الحقيقي مبيقفش على حد.”
مرت أيام قليلة، والصفحة رجعت تشتغل بأعلى كفاءة. كنت بشتغل 18 ساعة في اليوم، بتابع الشحن، وبختار الموديلات، وبرد على الزباين بنفسي لحد ما عينيا تزغلل. كان جوايا طاقة غضب وتحدي عايزة أثبت بيها لنفسي وللدنيا كلها إن ياسمين قوية ومبتكسرش.
في وسط الضغط ده، بدأت الشيكات الأولى اللي طارق ماضى عليها تستحق الدفع. طبعاً طارق مكانش معاه يغطي المبالغ دي كاش بعد ما حط كل سيولته في أساسات العمارة، وبدأ المحامي بتاعي يتحرك قانونياً لرفع قضايا شيكات بدون رصيد.
تليفوني مكانش بيبطل رن. خالي وأعمام طارق ووسطاء كتير دخلوا في النص، والكل بيضغط عليا بنفس النغمة: “يا بنتي ارحميه، الراجل هيروح في داهية ومستقبله هيضيع، كفاية إنك أخدتي الصفحة والشبكة، بلاش سجن، احنا أهل والفضائح وحشة”.
حتى أمي، لانت وبقت تبصلي برجاء وتقول: “يا ياسمين، المسامح كريم، أهو ربنا كرمك وشغلك رجع أحسن من الأول، بلاش تخربي مستقبله ونبقى سبب في حبسه”.
كنت بسمع كل ده وأنا قلبي زي الحجر. افتكرت الأيام اللي كنت بستلف فيها مصاريف بيتي وهو بيبص في عيني ويحلف لي إن السوق نايم وهو بيحوش فلوسي لنفسه. قلت لهم كلهم كلمة واحدة: “القانون ياخد مجراه، اللي سرقني واستهان بيا يستحمل نتيجة أفعاله”.
لحد ما في يوم بالليل، وأنا نازلة من مكتب الشحن ورايحة أركب عربيتي، لقيت طارق واقف جنب العربية.
شكلة كان متبهدل، الوش المنظم والبدلة الشيك اختفوا، وظهر مكانه شخص مكسور ومحني. أول ما شافني، قرب بسرعة وقبل ما أنطق بكلمة، لقيته بيقفل إيده على دراعي بنبرة توسل وعينيه مليانة دموع، وقال بصوت مخنوق: “ياسمين.. أرجوكي اسمعيني.. أنا بتمير، المحامي بتاعك هيحبسني، العمارة لسه طوب ومحدش راضي يشتري شقق دلوقتي عشان أسددلك، أرجوكي ارحميني وتنازلي عن الشيكات وأنا مستعد أكتبلك العمارة كلها باسمك، بس بلاش السجن يا ياسمين.. أنا ضعت!”
بصيت لإيده اللي ماسكة دراعي، وبصيت في عينيه ببرود تام، وسحبت دراعي منه بقوة وقلتله: “العمارة دي متبنية بفلوسي أصلاً، يعني مش تفضل منك.. وإنت مضعتش دلوقتي يا طارق، إنت ضعت يوم ما فكرت إنك أذكى مني واستحليت تعبي. السجن ده هو المكان الصح للي زيك”.
سيبته واقف مكانه وفتحت عربيتي ودورتها ومشيت، وأنا شايفاه في المراية بيقع على ركبه في الأرض من قلة الحيلة.
وأنا سايقة، حسيت بنغزة في قلبي.. مش ندم، ولا حب، لكن وجع على السنين والثقة اللي اتدمرت. لكن مسحت دموعي بسرعة وركزت في الطريق، كنت عارفة إن الخطوة الجاية محتاجة مني قوة أكبر، لأن المواجهة الحقيقية مع طارق وعيلتي وصلت لنقطة لادِفاع فيها، والضربة الجاية هي اللي هتقفل الكتاب ده للأبد.
المواجهة القانونية وصلت لطريق مسدود، وطارق وعيلته عرفوا إن مفيش فايدة من التوسل، فقرروا يلعبوا بآخر كارت عندهم.. كارت التشويه والابتزاز.
في ليلة، لقيت كذا جروب من جروبات المنطقة والصفحات التجارية الكبيرة نازل عليهم بوستات متطابقة من حسابات وهمية، كلها طعن في سمعتي وفي أمانة شغلي، وصور متفبركة لمحادثات بتدعي إني بنصب على الزباين وببيع بضاعة مغشوشة، ومعاها جملة واحدة بتتكرر: “دي حقيقة ياسمين اللي كلت حق خطيبها ورمته في السجن عشان تاخد شقاه”.
التليفون مكنش بيبطل رن، ورسايل الصفحة بدأت تتملي بأسئلة من زباين قلقانين، وخالي اتصل بيا وهو شمتان وبيقول: “أهو ده اللي أخدناه من دماغك الناشفة، فضحتك بقت على كل لسان، لمي الدور واتنازلي عن القضايا عشان يمسحوا الكلام ده”.
في اللحظة دي، طارق كان فاكر إني هتهز أو هخاف على اسم مشروعي وأجري أترجاه، لكنه مكنش يعرف إن ياسمين اللي بكت زمان، ماتت.
نزلت المكتب بتاعي فوراً، وجمعت المحامي التقني ومسؤول الـ IT اللي ماسك السيستم، وبمنتهى الهدوء والاحترافية، تتبعنا الـ IP بتاع الحسابات الوهمية دي، وخلال ساعات، كنا مطلعين تقرير رسمي يثبت إن كل البوستات دي طالعة من تليفون طارق الشخصي وتليفون أخته.
فتحت بث مباشر (Live) على صفحتي، اللي فيها آلاف المتابعين، وظهرت بكل ثبات. مبررتش ومدافتش عن نفسي، أنا ببساطة عرضت الشاشة والتقارير الفنية، وجنبها كشوفات البنك الرسمية وحكم المحكمة الأولي بحبس طارق في أول شيك بدون رصيد.
قلت للجمهور بصوت واثق هز السوشيال ميديا: “الاسم اللي بنيته في سنين، مش هتهده حسابات وهمية لشخص محكوم عليه بالسجن بتهمة السرقة وخيانة الأمانة. المحاربة بأساليب رخيصة مش هتدير وشي عن حقي، والق*ضية الجاية هتبقى بتهمة التشهير والابتزاز الإلكتروني”.
البث المباشر قلب الترابيزة تماماً، والتعاطف والدعم من الزباين والناس زاد لدرجة إن المبيعات تضاعفت في نفس اليوم، والكل بقا يحارب معايا.
بعدها بـ 48 ساعة، جالي تليفون من المحامي بتاعي بيقولي: “مبروك يا ياسمين، طارق اتقبض عليه لتنفيذ حكم الحبس، وأهله جم المكتب ومضوا على التنازل النهائي عن أرض العمارة والأساسات لصالحك عشان يلحقوا يخرجوه بكفالة في قض*ية التشهير”.
يومها، وقفت في البلكونة وبصيت للسما، وأخدت نفس عميق حسيت بيه إن روحي رجعتلي. خالي اتصل بيا وصوته مرعوب وبيحاول يلطف الجو، بس أنا قفلته السكة في وشه ومبقتش أدخله بيتي تاني.
مرت سنة..
صفحتي مش مجرد صفحة أونلاين، دي بقت شركة رسمية ومقر كبير، والعمارة اللي طارق كان بيبنيها من فلوسي، أنا كملت بناها وبقت ملكي بالكامل، وفتحت فيها أول فرع وعرض حي للملابس المستوردة بتاعتي.
قفلت الصفحة القديمة من حياتي، وعرفت إن الظهر والسند الحقيقي للست هو تعبها، وعقلها، وكرامتها اللي مفيش أي راجل في الدنيا يستاهل إنها تتنازل عنها. وبقيت كل ما أبص لنجاحي، أبتسم وأقول: “شكراً لكل صدمة خلتني أعرف أنا مين.. وأقدر على إيه”.
