ملك إبراهيم 1

المليونير كان فاكر انه عقيم ومش بيخلف، كل التقارير كانت مزوره.. لسه فاكره اليوم اللي روحتله فيه الشركة وقولتله ان انا حامل.. رد فعله كان غريب وغير متوقع.

لحد دلوقتي ابني ميعرفش ان ابوه أدهم العزبي أكبر رجل اعمال في البلد لان اليوم اللي قولت لـ أدهم فيه ان انا حامـل طلقنـي وطردنـي من شركته عشان فاكر انه عقـيـم ومش بيخـلف.

كانت الدنيا زحمة والاصوات عالية جوه مستشفى حكومي في القاهرة… لما مروة شالت ابنها لأول مرة بين إيديها.

إيديها اللي تعبت من الشغل طول اليوم في صيدلية في منطقتها، كانت بتترعش… مش بس من تعب شيفت 12 ساعة، لكن من خوف مالي قلبها ومسيطر عليها بالكامل.

عندها 22 سنة… لوحدها في أوضة ضيقة مع 3 ستات تانيين… بصت للوش الصغير البريء ده، وحست إن قلبها بيتكسر ألف حتة.

همست لنفسها بصوت واطي والدموع بتنزل على خدودها: “دي نفس عينيه…”

الطفل لسه مكملش ساعتين… لكن مروة شافت فيه ملامح أبوه بوضوح: نفس لون العيون… ونفس الغمازة الخفيفة.

إزاي حاجة بالجمال ده تيجي من حكاية كلها وجع كده؟

دخلت الممرضة بابتسامة مرهقة وقالت: “عايزين اسم البيبي علشان نسجله.”

مروة ردت من غير تفكير: “يوسف… يوسف عبد الله.”

أصرت تستخدم اسمها هي بس…

مافيش مكان لاسم ” أدهم العزبي” على الورقة دي.

بصت من الشباك المليان تراب… الشمس بالعافية بتدخل تنور الشارع الرمادي.

على بعد كام كيلو بس… في شقة فخمة في التجمع…

كان رجل الأعمال المليونير أدهم العزبي صاحي من النوم… من غير ما يعرف إنه بقى أب.

في المستشفى

حضنت مروة ابنها وهمست: “إنت عمرك ما هتعرف أبوك… بس أوعدك يا يوسف هشتغل ليل ونهار… ومش هخليك تحتاج حاجة أبداً.”

افتكرت آخر مرة شافت فيها أدهم… من 8 شهور بالظبط.

نظرة البرود في عينيه… وكلامه اللي لسه بيرن في ودنها:

لما راحت له شركته وقالت له انها حامل… بص لها باحتقار وقال: “هو أنا عبيط؟

عايزة تقنعيني إن العيل ده ابني؟

أنا عقيم يا مروة… وعندي تقارير بقالها سنين بتقول كده!

إنتي واحدة بتدوري على مصلحة وخلاص.”

وبمنتهى القسوة: “اطلعي برا شركتي … وبرا حياتي.. انتي طالق”

ونادى الأمن… وخرّجوها من الباب الخلفي… كأنها مجرمة.

كأن الـ3 شهور اللي اتجوزها فيهم وعاشوا حب وسعادة … مكانوش موجودين.

موبايل مروة رن… خرجها من شرودها

رسالة من أمها “الحاجة أمينة” اللي كانت شغالة في تنظيف البيوت ومقدرتش تاخد إجازة:

“يا مروة طمنيني… ولدتي؟

أنا أول ما أخلص الشغل هاجي عليكِ.

ربنا كبير يا بنتي.”

حاولت مروة تبان قوية…

بس الحقيقة إنها كانت مرعوبة.

مرتبها بالعافية مكفيها…

هتربي طفل إزاي لوحدها؟

… فجأة…

دوشة عالية بره الأوضة قطعت تفكيرها…

صوت جري… وصريخ… وحد بيقول: “وسعوا الطريق! حالة نقل طارئ!”

الباب اتفتح بسرعة…

مروة بصت… واتجمد الدم في عروقها.

كانت سلمى العزبي… أخت أدهم

نفس البنت اللي كانت بتبصلها من فوق لتحت وكانت رافضه ان اخوها ادهم المليونير يحب ويتجوز بنت فقيرة.

سلمى كانت شايلة طفل مولود جديد… وبتعيط بشكل هستيري.

واضح إنهم كانوا جايين مستشفى خاص… بس حصلت مشكلة في الطريق واضطروا ييجوا أقرب مستشفى حكومي.

اتحطت في نفس الأوضة مع مروة…

والستارة بس هي اللي فاصلة بينهم.

وكل واحدة شايلة طفلها…

ومحدش فيهم عارف إن اللحظة الجاية… هتغير كل حاجة.. وخصوصا لما أدهم العزبي وصل المستشفى عشان يطمن علي ابن أخته….

 

دقات قلب مروة كانت سريعة وقوية لدرجة حست إن الستات اللي معاها في الأوضة سامعينها. حطت إيدها على بوق يوسف الصغير عشان يكتم أي صوت ممكن يطلع منه، وضمت جسمه ليها وهي بتتدير الناحية التانية، وشها للحيطة، ودموعها نازلة في صمت.

برة الستارة، كان صوت سلمى مالي المكان، بتزعق في الممرضات بهستيرية: “انتوا إزاي حاطيني في الأوضة دي؟ أنا سلمى العزبي! كلموا مدير المستشفى فوراً.. ابني بيموت منكم!”

الممرضة ردت عليها بنبرة مجهدة ومستفزة: “يا مدام احمدي ربنا إننا لحقنا النزيف اللي جالك في العربية، دكاترة الأطفال جوه بيجهزوا الحضانة للبيبي لأن حالته غير مستقرة، اهدي شوية.”

فجأة، الممر الجوّاني للمستشفى اتقلب. صوت خطوات جزمة رجالي قوية وسريعة، ومعاها صوت أفراد أمن بيحاولوا يوسعوا الطريق. الباب اتفتح بقوة، ودخل شخص هيبته غطت على المكان كله بريحة برفانه الفخم اللي غطت على ريحة المعقمات الرديئة.

كان هو… **أدهم العزبي**.

سلمى أول ما شافته رمت نفسها في حضنه وهي بتعيط: “أدهم! الحقني يا أدهم.. الولد تعبان أوي، والمستشفى هنا قذر، مش قادرة أقعد دقيقة واحدة!”

أدهم ضم أخته بقوة، وصوته الرخيم الحاد رن في الأوضة: “اهدي يا سلمى، عربيات الإسعاف المجهزة من المستشفى بتاعنا في الطريق، ربع ساعة بالظبط وهنقلك إنتي والولد. محدش يقدر يقصر معاكي وأنا عايش.”

على البعد ده.. كام سنتيمتر بس والستارة القماش الخفيفة تفصل بينهم.. مروة كانت بتترعش بالكامل. نفس الصوت اللي طردها، نفس النبرة الآمرة اللي كسر بـيها قلبها من 8 شهور. يوسف الصغير بدأ يتحرك في إيدها ويتمطع، مروة حست إن روحها بتنسحب خوفاً من إنه يعيط وأدهم يسمعه.

في اللحظة دي، دخل دكتور نسا وولادة من المستشفى الخاص اللي كانت بتابع فيه سلمى، وجري وراهم على المستشفى الحكومي. الدكتور دخل الأوضة وهو بينهج وقال: “أستاذ أدهم.. كويس إني وصلت. أنا لازم أكلمك في مكتب مدير المستشفى حالا.. الموضوع خطير ويخص المدام سلمى والمولود.”

أدهم حواجبة اتقفلت بغضب وقلق: “اتكلم هنا يا دكتور، مفيش وقت للمكاتب.”

الدكتور بص حواليه بقلق من الستات اللي في الأوضة، وقرب من أدهم وهمس بصوت واطي، بس مروة بسبب قربها الشديد من الستارة ورعبها، سمعت كل كلمة كأنها قنبلة:

“يا أستاذ أدهم.. التحاليل السريعة اللي عملناها للمدام سلمى في العربية وللبيبي أثبتت إن فصيلة دم الطفل مستحيل تطلع من المدام سلمى وجوزها! في حاجة غلط.. أو.. أو في سر المدام مخبياه عنك وعن جوزها بخصوص حملها من الأساس! الطفل ده مش ابن جوزها علمياً!”

أدهم عينيه اسودت من الصدمة والغل، ومسك الدكتور من لياقته: “أنت بتقول إيه يا متخلف أنت؟! أختي أنا؟!”

سلمى وشها بقى أبيض زي الأموات، وجسمها كله ساب، والطفل الصغير اللي في إيدها كان هيبدأ يصرخ.

في نفس الثانية، ومن كتر الرعب والضغط، إيد مروة اتهزت.. ويوسف الصغير طلع منه صرخة عالية ونقية، صرخة هزت الأوضة كلها.

أدهم ساب الدكتور فجأة.. ونظراته اتجهت مباشرة ناحية الستارة اللي وراها مروة.. الصوت ده، والصرخة دي، حركت جوا قلبه حاجة غريبة وعنيفة مبقاش فاهمها. وطى وبدأ يقرب من الستارة بخطوات بطيئة وهو عاقد حاجبيه…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *