حكايات اسما السيد 4

آدم بص للشاشة، وبعدين بصلي وبص للدكتور نبيل والمحامي، وفتح الاسبيكر من غير ما ينطق بحرف واحد.

صوت رامي كان طالع مخنوق، مكسور، والغطرسة اللي كانت فيه من كام ساعة اختفت تمامًا.

“آدم… اسمعني يا ابني. إحنا دم واحد، ماينفعش اللي بيحصل ده. رئيس مجلس إدارة المجموعة كلمني من شوية وقال لي إن العقود الجديدة وقفت، وإن اسمي بيتشال من مناقصة التجمع بسبب الفيديو اللي اتقال فيه إن ابني اتبرأ من اسمي. يا آدم دي خراب بيوت ليا وليك، ما هو نجاحي ده هو اللي كان هيأمن مستقبلك!”

آدم رد بصوت هادي، بس أشد من الكرباج:

“مستقبلي اتأمن خلاص يا رامي بيه، بس بتعبي وبتعب أمي وبمنحة الجامعة اللي مجهودي جابها، مش بفلوسك ولا بمظاهرك الكدابة. وإنت مبقاش ليك عندي أي كلام.”

رامي صرخ بنبرة رجاء: “طب خلّي أمك ترد عليا.. يا مريم! عشان خاطر الـ ١٨ سنة اللي عشناهم، قولي للواد يلم الموضوع، وأنا مستعد أكتب له الشقة نهائي ومحدش هيقرب لها، وداليا ترجع بيتها ومعززة مكرمة بس نطلع نعمل بيان إن كل ده كان سوء تفاهم.”

أخدت التليفون من إيد آدم، وبصيت لداليا اللي كانت واقفة ومربطة إيدها ومستنية ردي.

قلتله: “يا رامي، الـ ١٨ سنة اللي بتتكلم عنهم دول أنا عشتهم لوحدي وأنا بخيط هدوم للناس وريحة المطهرات في إيدي، إنت عشتهم بتدور على نفسك في مكان تاني. وشقة آدم هي بتاعته بقوة القانون مش بمنّ منك، وداليا مش هترجع لك لأنها خلاص عرفت إنك بتبيع أقرب الناس ليك عشان كرسيك ومنظرتك. إنت اللي عملت الفضيحة لنفسك يوم ما طردتني ورا، واللي بيزرع قسوة يا رامي… بيحصد خراب. سلام.”

وقفلت السكة في وشه وعملت بلوك نهائي.

الدكتور نبيل ابتسم وطبطب على كتف آدم: “عفارم عليكم.. بكره يا باشمهندس آدم مستنيك في مكتب العميد الساعة تسعة الصبح عشان تمضي عقود التعيين وتستلم جدولك. ومدام مريم… إنتي المفروض يتعمل لك حفل تكريم في الجامعة كأموية مثالية للعام ده.”

شكرته من كل قلبي، وودعنا الدكتور والمحامي ونزلنا.

وإحنا راجعين في العربية، داليا كانت بتبص من الشباك ودموعها نازلة بس المرة دي كانت دموع راحة، بصت لي وقالت: “أنا عمري ما شفت ست زيك يا مريم. أنا لو مكانك كنت شمتّ فيا وسبتيني في الشارع.”

قلت لها وأنا ماسكة إيدها: “يا داليا، الدنيا دي دوارة، ويوم ليك ويوم عليك. والمهم الواحد لما يقف على رجليه ما يدوسش على حد. إنتي من النهارده أختنا، لحد ما تاخدي كل حقوقك وتبدأي حياتك من جديد برأس مرفوعة.”

نجلاء شغلت كاسيت العربية على أغنية مبهجة، وقالت وهي بتسوق: “بقولكم إيه.. رامي عزت وبقى ماضي، والجامعة وبقت في الجيب، إحنا نعدي على محل حلواني كبير، نجيب تورتة تليق بالباشمهندس آدم ونروح نحتفل في شقتنا، ومن بكره نجهز لنقل العفش لشقة التجمع الكبيرة اللي آدم هيعيشنا فيها.”

آدم لف دراعه حوالين كتفي وهو قاعد ورا في العربية، وقال: “الشقة دي هتبقى جنة يا أمي، ومفيش مخلوق هيقدر يدخلها ولا يعلي صوته عليكي فيها تاني.”

وصلنا منطقتنا في مدينة نصر، ولما نزلنا من العربية، جيراننا في الشارع، البقال والمكوجي وأم محمد جارتنا، كلهم كانوا واقفين يسقفوا لآدم ولما شافونا زغرطوا وهنونا. المنطقة كلها كانت حاسة بانتصارنا، كأن آدم ابنهم كلهم.

طلعنا السلم وإحنا بنضحك، وفتحت باب الشقة البسيطة وأنا حاسة إن الحيطان نفسها بتتبسم لنا. حطينا التورتة على السفرة، وآدم راح وقف قدام الشهادة وقبعة التخرج الزرقا اللي فوق التلفزيون.

بص لي وقال: “ماما… تفتكري رامي هيسكت بعد ما قفلنا في وشه كل الأبواب؟”

بصيت لآدم وقلت له بعيون قوية: “يسكت أو ما يسكتش يا آدم.. إحنا مبقاش في حاجة تخوفنا. اللي بنى الساس يستحمل الهدد، وإحنا ساسنا قوي بأصلنا وتعبنا.”

لكن وإحنا بنقطع التورتة، جرس الباب رن تاني، ونجلاء لما بصت من العين السحرية، لفت وشها لينا وهي مبرقة عينيها من الصدمة وقالت: “مريم… دي الست الكبيرة.. أم رامي!”

أمي وأم رامي… الست “صفية”.

الست اللي عمري ما شفت منها كلمة طيبة طول سنين جوازي من ابنها، الست اللي كانت دايمًا تبصلي من فوق لتحت وكأنني حتة خادمة دخلت عيلتهم بالغلط. كانت واقفة ورا الباب، وبمجرد ما نجلاء فتحت، دخلت وهي ساندة على عصايتها الأبنوس الفخمة، ولابسة عبايتها السوداء الحرير اللي بتجر وراها.

ملامحها ما كانش فيها الكبرياء بتاع زمان، كان فيها نظرة انكسار، النظرة اللي بتيجي للأمهات لما يحسوا إن ولادهم ضيعوا نفسهم وضيعوا اسم العيلة في الأرض.

أول ما دخلت، عيونها جت في عيون داليا اللي كانت قاعدة، وبعدين بصت لآدم اللي وقف بطوله كأنه جبل، ومسك إيدي بقوة.

الست صفية قعدت على أول كرسي قابلها من التعب، واتنهدت تنهيدة طويلة طلعت من ضلوعها، وقالت بصوت مهدود:

“أنا جيتلك يا مريم… وجيت لآدم.”

نجلاء وقفت ومربعة إيدها وقالت بنبرة حادة:

“أهلاً يا طنط صفية. خير؟ جايين تكملوا حفلة إمبارح؟ ولا جايين تطردونا من شقتنا هنا كمان؟”

الست صفية رفعت إيدها بالراحة لنجلاء عشان تسكتها، وبصتلي أنا وقالت:

“أنا ماليش عين أتكلم يا مريم. ورامي ابني غلط، وغلط غلطة عمره اللي مش هيقوم منها. إمبارح بالليل لما عرفت باللي حصل في الحفلة، وضغطي عليّ ونقلوني المستشفى، رامي جالي وهو بيعيط زي العيل الصغير. الراجل اللي كنتوا فاكرينه إمبراطور، مهدد بالحبس يا مريم.”

كلنا انتبهنا، وآدم قرب خطوة وعقد حواجبه: “حبس إيه؟”

الست صفية بصت لآدم ودموعها نزلت:

“يا آدم يا ابني… أبوك من كتر جشعه والمظاهر اللي كان عايش فيها، كان بيمضي على شيكات ووصولات أمانة للمجموعة الاستثمارية الكبيرة اللي بيتعامل معاها عشان يدخل المناقصة الجديدة. الدكتور نبيل الشافعي لما وقف التعامل معاه بناءً على كلامك إمبارح، الشركة طالبت رامي بسداد الشيكات فورًا، وقيمتها ملايين. رامي ملوش سيولة، كل فلوسه في عقارات وأراضي مش عارف يبيعها. بكره الصبح لو الشيكات دي ما اتسددتش أو الدكتور نبيل ما وافقش على مهلة، أبوك هيترمي في السجن بتهمة النصب وتبديد أموال الشركات.”

داليا حطت إيدها على بقها من الصدمة، ونجلاء همست: “سبحان المذل المعز… يوم ليك ويوم عليك يا رامي.”

الست صفية اتجهت ليا، ومسكت إيدي، الست الكبيرة اللي كانت بتبصلي بقرف، كانت بتبوس إيدي دلوقتي وهي بتعيط:

“عشان خاطر ربنا يا مريم… أنا عارفة إني قسيت عليكي، وعارفة إن ابني داس على قلبك وسابك في عز تعبك. بس رامي لو اتسجن، اسم العيلة كله هيتمسح، وآدم ابنك نفسه هيتأذي لما يتقال إن أبوه مسجون. كلمي الدكتور نبيل يا مريم… خليه يدي رامي مهلة يبيع أرض ويسدد، وباسمي أنا… الشقة اللي في التجمع هتنازل لآدم عن نصيبي في الأرض اللي تحتها، وهكتب ل داليا كل مؤخرها ونفقتها كاش من مجوهراتي أنا، بس رامي ما يدخلش السجن.”

الصالة بقت هادية لدرجة إننا كنا سامعين صوت أنفاس بعض.

بصيت لآدم. كان واقف وعيونه مليانة صراع رهيب؛ صراع بين الغضب السنين اللي فاتت اللي جواه من أبوه اللي باعه، وبين نخوة الراجل اللي جواه اللي مش قادر يشوف جدته الكبيرة وهي مكسورة وبتترجاه.

داليا بصتلي وقالت بصوت واطي: “مريم… أنا مش عايزة رامي يتسجن، أنا كنت عايزة حقي بس. السجن خراب وشماتة للكل.”

نجلاء بصتلي وقالت: “القرار ليكي يا مريم… وليك يا آدم. إنتوا اللي دوقوا المر.”

أخدت نفس طويل، ورفعت راس الست صفية من على إيدي وقلت لها بصوت هادي وراسي:

“يا طنط صفية… إحنا عيلة السيوفي، وعمرنا ما كنا بتوع انتقام. إحنا بناخد حقنا بالحق والأصول. رامي غلط في حقنا كلنا، والقرش الحرام والمظاهر الكدابة هي اللي ودته في داهية. بس عشان خاطرك إنتي، وعشان دموعك دي… أنا مش هقبل إن أبو ابني يتسجن.”

التفتت لآدم وقلتله: “آدم… كلم الدكتور نبيل. اطلب منه كرجاء شخصي من الطالب الأول بتاعه، إنه يدي رامي مهلة شهر واحد يبيع أراضيه ويسدد ديونه للمجموعة، من غير قضايا ومن غير سجن.”

آدم بص في عيني كام ثانية، شاف فيهم كل الطيبة والنظافة اللي ربيته عليها، شاف إن القوة الحقيقية هي العفو عند المقدرة. هزه رأسه وقال: “حاضر يا أمي… عشان خاطرك إنتي بس.”

آدم مسك التليفون وخرج في البلكونة يكلم الدكتور نبيل الشافعي.

الست صفية قعدت تدعيلي وهي بتبكي وتضم فيا، وداليا كانت بتبصلي بنظرات ذهول وإجلال كأنها شايفاني ملاك مش بشر.

آدم دخل بعد دقائق وقال: “الدكتور نبيل وافق عشان خاطري، وهيدي رامي مهلة شهر للسداد، بس بشرط… رامي يوقع على التنازل النهائي عن شقة التجمع بكره الصبح في الشهر العقاري، ويوقع على شيك بمؤخر داليا ونفقتها.”

الست صفية قامت وهي بتسند على عصايتها وقالت: “موافق… وميت موافق. بكره الصبح كل حاجة هتخلص يا ابني. كتر خيرك يا مريم… إنتي طلعتي ست بمليون راجل.”

خرجت الست صفية، وقفلنا الباب وراها.

داليا قربت مني وحضنتني وهي بتعيط وتقول: “شكراً يا مريم… شكراً إنك أنقذتينا كلنا.”

بصيت لآدم ونجلاء وابتسمت. المعركة خلاص بتخلص، والحق رجع لأصحابه من غير ما نلوث إيدينا بظلم أو شماتة.

لكن وإحنا بنستعد للنوم بعد اليوم الطويل ده، آدم جاله إيميل على تليفونه من إدارة الجامعة الأمريكية… إيميل خلى عيونه تبرق، ووشه يتغير تمامًا، وبصلي وقال بنبرة مليانة مفاجأة: “ماما… إنتي مش هتصدقي الإيميل ده جواه إيه!”

قربت من آدم وأنا قلبي بيدق بسرعة من اللهفة، ونجلاء وداليا وقفوا جنبه وهما مبرقين عينيهم مستنيين يسمعوا.

آدم كان بيبص للشاشة وهو مش مصدق، وصوته كان بيرعش وهو بيقرأ الكلام المكتوب:

“ماما… الإيميل ده مش بس بخصوص تعييني في الجامعة هنا في مصر. ده خطاب رسمي من جامعة ‘ستانفورد’ في أمريكا… بعتين شراكة وتوأمة مع الجامعة الأمريكية، ومختارين الطالب الأول على الدفعة اللي هو أنا، عشان أسافر منحة دكتوراه كاملة مدفوعة التكاليف والمصاريف، وهناك هشتغل في معمل أبحاث الذكاء الاصطناعي براتب شهري يبدأ من الشهر الجاي!”

الصالة اتقلبت زغاريط وصريخ من الفرحة. نجلاء بقت تنط وتصقف، وداليا كانت بتضحك من قلبها وبتوجّه لآدم التهنئة، وأنا… أنا لقيت نفسي بنزل على الأرض ساجدة سجدة شكر لله، ودموعي بتغرق السجادة.

آدم نزل على ركبه جنبي، وحضنّي بقوة وهو بيدفن رأسه في كتفي وبيقول:

“المفاجأة الأكبر يا أمي… إن المنحة بتشمل إقامة كاملة لمرافق من الدرجة الأولى. يعني إنتي مسافرة معايا يا مريم يا سيوفية. مش هسيبك ثانية واحدة هنا، وهناك هخليكي تشوفي الدنيا وتعيشي في المكان اللي يليق بيكي.”

رفعت رأسي وبصيت في عيونه اللي بقت عيون راجل بجد، راجل حقق وعده للطفل اللي ساب ورقة على المخدة زمان ومكتوب فيها: *”ماما… ماتعيطيش. لما أكبر هخليكي ترتاحي.”*

قلتله وصوتي مخنوق بالفرحة: “أنا راحت الدينا كلها عندي يا آدم وأنا شايفك بالمنظر ده. ربنا يرضى عنك ويفتحها عليك.”

في اليوم التالي الصبح، كانت الحركة سريعة والخطوات واثقة.

بدأنا بتنفيذ الشروط؛ رامي جه الشهر العقاري وهو زي الضِل، وشه شاحب، وعينه ما جتش في عين حد فينا. وقع على التنازل النهائي لآدم عن شقة التجمع، ومضى على شيكات مستحقات داليا كاملة وهو ساكت، كأنه بيمضي على وثيقة نهاية غروره وكبريائه.

داليا استلمت ورقها وشيكاتها، وبصتلي بامتنان حقيقي وقالت: “أنا هبدأ حياتي من جديد يا مريم، وهفتح مشروعي الخاص اللي كنت بحلم بيه، وعمري ما هنسى إنك الست اللي أنقذتني في الوقت اللي الكل رماني فيه.” ودعناها وإحنا بنتمنى لها كل خير.

أما شقة التجمع الفخمة… فإحنا ما سكنّاش فيها.

آدم قرر يبيعها فورًا وبأعلى سعر، وبالفلوس دي اشترى بيت دافي وجميل في مكان هادي، وحط الباقي في حساب بنكي باسمي عشان يأمن حياتي تمامًا.

وبعد شهرين من اليوم ده…

كنا واقفين في صالة المغادرة بمطار القاهرة الدولي.

نجلاء كانت واقفة وماسكة فيا وبتعيط طبعًا كالعادة، وبتقول: “أهو ده بقى عياط الفضايح بجد.. هتوحشيني يا مريم، البيت من غيرك هيبقى ضلمة.”

حضنتها وقلت لها: “يا هبلة كلها كام شهر وتيجي تزورينا، وإنتي اللي هتجهزيلي حاجتي من هنا.”

آدم كان واقف لابس لبسه الكاجوال، شايل الشنط، ورافع راسه لفوق، وعينه بتلمع بالأمل والمستقبل اللي مستنيه في بلاد بره.

بصيت لروحي في مراية المطار الكبيرة.

ما كنتش لابس الفستان الأزرق البسيط بتاع يوم التخرج، كنت لابة طقم جديد راقي، ووشي منور، ومفيش في عيني أي أثر للتعب أو الخوف من بكرة.

آدم قرب مني، مسك إيدي اليمين، ورفعها وباسها قدام كل الناس في المطار، وقال بابتسامته الصافية:

“يلا بينا يا أم البطل؟ طيارتنا هتطلع.”

ابتسمت من كل قلبي، ودرت ضهري لكل سنين الوجع، ومشينا خطوة بخطوة للمستقبل الجديد، وأنا عارفة ومتأكدة إن اللي يزرع بالدموع والتعب والأصول… لازم يحصد بالنور والكرامة والرفعة.

**تمت.**

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *