رفضوا ترقيتي 1

رفضوا ترقيتي في المصنع لأنهم قالوا إن وجهي لم يعد مناسبًا لاستقبال العملاء…

 

وقبل أن أغادر…

أغلقتُ النظام الوحيد الذي لم يكن أحد يعرف كيف يعيده للعمل غيري.

 

ساد الصمت في الكافتيريا.

 

ضحك المدير بخفة وهو يعدّل أزرار بدلته، بينما وقفت المشرفة الجديدة تبتسم بثقة زائفة، تحمل ملفات الإنتاج بين ذراعيها وكأنها حققت إنجازًا عظيمًا.

 

أما أنا…

فوقفت قرب ماكينة القهوة بزيّ العمل الأزرق الملطخ بالزيوت، ويداي ترتجفان من شدة القهر.

 

قال المهندس سامر أمام الجميع:

“لا تأخذي الموضوع بحساسية يا أمينة… صحيح أنكِ خبيرة، لكن الشركة اليوم تحتاج وجهًا أصغر وأكثر جمال وليس وجه يخيف العملاء.”

 

تجنّب بعض العمال النظر نحوي.

بينما خفض آخرون رؤوسهم بصمت.

 

لكن سامر أكمل بثقة مستفزة:

“غدًا سيزورنا وفد من الخليج… ولا يمكن أن نستقبلهم بوجهٍ متعب يذكرهم بالشيخوخة.. وبصراحة يا أمينة، شكلِكِ لم يعد مناسبًا للواجهة.. نحن نحتاج امرأة أصغر سنًا وملامحها أفضل.. فتاة شابة حين يرى وجهها العميل يأخذ عن الشركة انطباعًا جيدًا.”

 

شعرت بحرقة في صدري…

لكنني لم أبكِ.

 

قبل اثنين وعشرين عامًا، دخلت هذا المصنع حين كان تسجيل الطلبات يتم يدويًا في دفاتر كبيرة.

أنا من أصلح خط الإنتاج الثالث يوم احترقت لوحة التحكم.

وأنا من درّبت نصف الموظفين الموجودين هنا.

 

حين كان النظام يتوقف…

كان الجميع يركض إليّ.

 

لكنهم اليوم، أمام قسم الجودة والمشغلين والموارد البشرية، قرروا أنني أصبحت:

عجوزًا.

مرهقة.

وصورة غير مناسبة للشركة.

 

ثم أعلن سامر:

“اعتبارًا من اليوم… ريم هي مديرة الإنتاج الجديدة.”

 

ابتسمت ريم بثقة، بأظافرها الطويلة وكعبها الأبيض، بينما كانت تحمل ملف التشغيل الخاص بي… ملفي أنا، الذي استعارته قبل أسابيع بحجة المراجعة ولم تعيده أبدًا.

 

ثم قالت بابتسامة ساخرة:

“يمكن للأستاذة أمينة أن تبقى للدعم فقط… الأعمال البسيطة، الملصقات، تجهيز الملفات، وربما تحضير القهوة للضيوف.”

 

وانفجرت الضحكات في المكان.

 

كان ابني يعمل في قسم المستودعات.

رأيته يضغط قبضته بغضب، فوقفت أنظر إليه بسرعة وأشرت له أن يصمت.

 

لم أكن مستعدة لأن يخسر عمله بسببي.

 

وضع سامر ورقة أمامي وقال:

“وقّعي هنا… هذا تعديل المسمى الوظيفي والراتب.”

 

نظرت إلى الرقم…

كان راتبي قد انخفض إلى النصف تقريبًا.

 

سألته بهدوء:

“وإن رفضت؟”

 

اقترب مني وقال بثقة:

“ستغادرين ببساطة… هناك عشرات النساء ينتظرن مكانك.”

 

ابتسمت لأول مرة.

 

لا…

لم يكن هناك أحد مثلي.

 

كان هناك من يعرف تشغيل الآلات…

لكن لا أحد يعرف لماذا تتوقف.

 

أمسكت القلم.

ظن الجميع أنني سأوقّع.

 

لكنني كتبت كلمة واحدة فقط:

 

“استقالة.”

 

تغير وجه ريم فورًا.

أما سامر فقال بغضب:

“ماذا تفعلين؟”

 

أجبته بهدوء:

“ما طلبتموه تمامًا… أنا أغادر.”

 

ضحكت ريم وقالت:

“لا تبالغي يا أستاذة أمينة… المصنع لن ينهار بدونك.”

 

نظرت إليها مباشرة وقلت:

“أتمنى ذلك فعلًا.”

 

ثم غادرت الكافتيريا ببطء.

 

كانت خطوط الإنتاج لا تزال تعمل.

أجهزة التغليف تتحرك.

والشحنة الطبية المفترض أن تغادر نحو المطار بعد أقل من ساعة ما زالت قيد التجهيز.

 

جلست أمام الحاسوب القديم الذي كان الجميع يكرهه لأنه لا يعمل إلا بالأوامر النصية السوداء والخضراء.

 

اقترب مني فني الأنظمة الشاب وقال:

“خير يا خالة أمينة؟”

 

ابتسمت له بهدوء:

“فقط أنهي آخر مناوبة لي.”

 

أدخلت كلمة المرور الخاصة بي.

 

فتح النظام فورًا.

 

لم يكن أحد يعلم أن المصنع كله ما زال يعمل بالمفاتيح البرمجية التي كتبتها بيدي قبل سنوات، عندما أرسلت الشركة نظامًا معطوبًا من الخارج وكاد المصنع يخسر عقده الأكبر.

 

وقتها…

أصلحت كل شيء وحدي.

 

ولم يشكرني أحد.

 

تنقلت بين الأقسام بهدوء.

 

أوقفت صلاحيات الجودة.

ثم الشحن.

ثم المخزون.

 

لم أحذف ملفًا واحدًا.

ولم أخرّب أي شيء.

 

فقط…

ألغيت حسابي الشخصي الذي كانوا يقولون دائمًا إن أي موظف يستطيع تعويضه.

 

وبعد أقل من دقيقة…

 

انطلق أول إنذار داخل المصنع.

 

ثم الثاني.

 

ثم توقف خط الإنتاج الثالث بالكامل.

 

وفي المستودع…

توقفت أجهزة المسح عن قراءة البضائع.

 

وفجأة دوّى صوت المشرف عبر المصنع كله وهو يصرخ بفزع:

 

“من الذي عطّل النظام؟!”

 

خرجتُ من باب المصنع الحديدي، والهواء البارد يلفح وجهي الذي زعموا أنه “لم يعد مناسبًا”. لم ألتفت خلفي، لكن صدى الإنذارات التي بدأت تتعالى كان يتردد في أعماقي كمعزوفة انتصار صامتة.

ركبتُ الحافلة وجلستُ بجانب النافذة، أراقب انعكاس وجهي في الزجاج؛ التجاعيد حول عيني لم تكن علامة “قبح”، بل كانت خارطة طريق لسنوات من السهر تحت أضواء الفلورسنت الباهتة، وتلك الهالات السوداء كانت أثر المعارك التي خضتها مع التروس والبرمجيات ليبقى هذا المكان واقفًا على قدميه.

بعد ساعة واحدة، وأنا في طريقي للمنزل، اهتز هاتفي في حقيبتي.

لم يكن اتصالاً واحدًا، بل كان سيلًا من الإشعارات.

**”المهندس سامر يتصل…”**

تجاهلته.

**”ريم (مديرة الإنتاج) تتصل…”**

وضعتُ الهاتف على الصامت.

حين وصلتُ إلى بيتي الصغير، وجدتُ ابني “ياسين” بانتظاري. كان قد غادر المستودع فور خروجي. نظر إليّ وعيناه تلمعان بدموع محبوسة، وقال بصوت مخنوق:

“يا أمي، المصنع انقلب رأسًا على عقب. الشحنة الطبية المتوجهة للمطار عالقة في الميزان الإلكتروني، النظام يرفض إصدار بوليصة الشحن، والوفد الخليجي وصل قبل موعده بنصف ساعة ليجدوا المهندسين يركضون كالدجاج المذعور!”

ابتسمتُ وأنا أضع إبريق الشاي على النار:

“دعهم يا ياسين.. ألم يقولوا إنني مجرد ‘وجه متعب’؟ دع الوجوه الجميلة تنقذهم الآن.”

لم تمر دقائق حتى طُرق الباب بعنف.

فتحتُ لأجد “سامر” يقف أمامي، عطرُه الفاخر يمتزج برائحة العرق والتوتر، وبدلته التي كان يعدل أزرارها بغرور، باتت مجعدة والقميص مفتوح الياقة.

قال وهو ينهج:

“أمينة! ماذا فعلتِ؟ النظام توقف بالكامل! الشاشة السوداء تطلب رمزًا لا يملكه أحد.. ريم حاولت الدخول بحسابكِ فتم حظر المصنع بالكامل من السيرفر الرئيسي!”

نظرتُ إليه ببرود:

“أستاذ سامر، أنا استقلت.. ألم توقّع على الورقة بنفسك؟ ثم إنني مجرد ‘موظفة دعم’ للأعمال البسيطة، والأنظمة المعقدة تحتاج لمديرين ‘شباب’ بملامح نضرة.. لماذا أتيت إليّ؟”

اندفعت “ريم” من خلفه، كانت قد فقدت فردة من كعبها الأبيض وهي تركض في ممرات المصنع المتعطلة، وصاحت بهستيريا:

“أنتِ قمتِ بتخريب النظام! سأرفع عليكِ دعوى قضائية! الوفد الخليجي في مكتب المدير العام الآن، والخسائر بمئات الآلاف!”

رفعتُ حاجبي ببطء وقلت:

“أنا لم أخرب شيئًا.. أنا فقط قمت بـ ‘تسجيل خروج’ نهائي. وبما أنني صاحبة الكود البرمجي الذي يدير الربط بين الإنتاج والشحن، فالنظام ببساطة لم يجدني.. فقرر هو الآخر أن يستقيل.”

اقترب سامر وهو يحاول تهدئة صوته المرتجف:

“أمينة.. أرجوكِ، عودي معنا الآن. المدير العام غاضب جدًا، وقد وعد بمنحكِ ترقية فورية وراتبًا مضاعفًا.. فقط أعيدي تشغيل الخطوط قبل أن تضيع صفقة العمر.”

نظرتُ إلى ساعتي، ثم نظرتُ إلى ياسين الذي كان يبتسم بفخر خلفي.

قلتُ لسامر وأنا أغلق الباب ببطء:

“للأسف يا باشمهندس.. أنا الآن مشغولة بتحضير القهوة، لكن لنفسي ولابني فقط. أما بخصوص العودة.. فالوجه الذي يخيف العملاء لا يمكنه أن يظهر في واجهة شركتكم ‘المتطورة’.. أليس كذلك؟”

أغلقتُ الباب في وجوههم، بينما كان صوت رنين هواتفهم لا يتوقف من اتصالات المدير العام الذي بدأ يدرك الآن أن “الجمال” لا يدير المصانع، وأن “الخبرة” لا تشيخ أبدًا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *