بعد ما جوزي حكايات رومانى مكرم 2
أحمد وقف وسط الصالة وعينه بتلف بين أمه اللي بتلطم على الكنبة، وعروسته الجديدة اللي فستانها الأبيض المنفوش بقى مبهدل من التراب والدموع، وبين المفتاح بتاع العربية “الزيرو” اللي محطوط على الترابيزة قدامي. كان حاسس إن السقف بيقع فوق دماغه.
شهد مسحت دموعها بغل وبصت لأحمد وقالت بصوت عالي:
“يعني إيه؟ يعني إنت ضحكت عليا وعلى أبويا؟ فين الشقة اللي قولتلي هقعد فيها هانم؟ أنا مش هتبهدل في الشوارع بفستان فرحي.. كلم أبويا ييجي ياخدني!”
أحمد صرخ فيها وهو خلاص على تكة ويفقد أعصابه:
“اسكتي خالص دلوقتي! مش ناقصك إنتِ كمان!”
التفت ليا، ونبرة صوته اتقلبت تماماً، وبقى فيها شحاتة صريحة وكسرة عين عمري ما شفتها فيه:
“رانيا.. عشان خاطر ربنا، بلاش فضايح قدام البنت وأهلها، وبلاش الفجر في الخصومة ده. خدي كل حاجة، بس سبينا نبات الليلة دي هنا، والصبح يحلها ألف حلال.. الجيران لو شافونا خارجين بالمنظر ده شكلنا هيبقى زبالة في المنطقة.”
بصيت له ببرود تام، وطلعت موبايلي من جيبي وسندت ضهري على السرير:
“أنا قولت ساعة.. فات منها عشر دقائق. لو الـ 50 دقيقة الباقيين خلصوا وإنتوا هنا، هطلب الأمن بتاع الكومباوند يطردكم برة، والمنظر ساعتها هيبقى أحلى بكتير والجيران كلهم هيتفرجوا على عريس التجمع وهو مطرود بالبيجامة والبدلة.”
الحاجة هدى قامت وقفشت في قميص ابنها وهي بتنهج:
“قوم يا أحمد.. قوم يا ضنايا لم هدومك، البت دي قلبها حجر ومش هترحمنا. حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ يا رانيا يا بنت فوزية.. يا خرابين البيوت!”
طبعاً هما ما كملوش الـ 50 دقيقة؛ الرعب من الفضيحة وخوف أحمد من أمن الكومباوند خلاه يلم هدومه وهدوم أمه في شنطتين سفر على السريع. شهد كانت ماشية وراهم وهي بتجر ديل فستانها الأبيض في الطرقة، بتبكي من القهر والكسرة.. دخلت الشقة ملكة، وخارجة منها مش لاقية حتة تبات فيها.
فتحت لهم الباب، ووقفت أتفرج عليهم وهم شايلين الشنط ومستنيين الأسانسير. بصيت لأحمد وقولتله بابتسامة:
“آه صحيح يا أحمد.. متنساش تسيب مفتاح العربية على الجزمة برة، ومفتاح الشقة كمان.”
رما المفاتيح على الأرض بغل، والأسانسير فتح ونزلوا فيه.. وبمجرد ما الباب قفل، حسيت بنَفَس طويل بيخرج من صدري، حطيت إيدي على بطني وهمست:
“خلاص يا قلب أمك.. أخدنا أول حق من حقوقك.”
## صباح اليوم التالي.. في مقر الشركة
الساعة دقت تسعة الصبح. أحمد وصل مقر الشركة في منطقة البنوك، وشه كان دبلان وعينه حمرا من قلة النوم.. طبعاً بات الليلة دي كلها هو وأمه وعروسته في شقة أخت أحمد القديمة في منطقة شعبية، نايمين على المرتبة في الأرض وسط العفش المكركب.
كان داخل وعينه في الأرض، بيحاول يداري كسرة عينه قدام الموظفين، وماشي بسرعة في اتجاه مكتبه (مكتب رئيس مجلس الإدارة) عشان يقفل على نفسه ويفكر هيتصرف إزاي في الكارثة دي.
لكن أول ما حط إيده على أكرة الباب عشان يفتحه.. لقى إيد قوية بتمسكه من كتفه وتمنعه.
التفت لورا، لقى اتنين من أفراد الأمن بتوع الشركة واقفين ورا بوش خشب جامد. أحمد برّق عينه وزعق:
“إنت بتمسكني أنا كدة إزاي يا جدع إنت؟ إنت اتجننت؟ أنا أحمد بيه المنياوي!”
فجأة، صوت كعب جزمة عالي رن في الطرقة.. الموظفين كلهم سكتوا وبصوا ناحية الصوت.
كنت داخلة بكامل أناقتي، لابسة فستان فورمال أسود وشيك جداً، وفي إيدي الشنطة الجلد وفي الإيد التانية المحامي بتاعي، أستاذ مدحت.
وقفت قدام أحمد، والموظفين كلهم كانوا بيتهامسوا ومستغربين من المشهد. بصيت للأمن وقولت بنبرة حاسمة هزت المكان:
“سيبوه يا رجالة.. خليه يسمع الكلمتين دول ويمشي بالذوق.”
أحمد بصلي بغل مكتوم وهمس عشان الموظفين ميسمعوش:
“رانيا.. لحد هنا وكفاية! إنتِ جاية تكسري هيبتي قدام موظفيني في شركتي؟”
أستاذ مدحت المحامي ضحك وطلع من الشنطة السجل التجاري الجديد وعقد التنازل الموثق، ورفعه في وش أحمد وقال بصوت عالي سَمّع الطرقة كلها:
“يا أستاذ أحمد، مبقاش في حاجة اسمها ‘شركتك’.. الشركة دي من تاريخ الأسبوع اللي فات بقت ملك كامل للسينير مدام رانيا الشناوي. وحضرتك صفتك الحالية هنا.. ولا حاجة! مالكش أي صفة قانونية أو إدارية في المكان.”
أحمد صوته علي وعروقه ظهرت:
“أنا المدير التنفيذي للشركة دي! أنا اللي قومت الشغل ده على رجله!”
قربت منه خطوة، وبصيت في عينه بمنتهى التحدي وقولت بصوت مسموع للكل:
“كنت يا أحمد.. كنت المدير التنفيذي لما كنت جوزي وبتراعي ربنا فيا وفي بيتك. لكن من اللحظة دي، وبناءً على قرار مجلس الإدارة الجديد (اللي هو أنا)، تم إقالتك من منصبك وعزلك من أي إدارة.. وحسابك البنكي الخاص بالشركة اتقفل من الساعة 8 الصبح.”
أحمد لقى نظرات الموظفين كلها عليه.. نظرات شفقة على ذهول على شماتة من بعض الناس اللي كان بيتكبر عليهم. وشه جاب ألوان، وبقى يتنفس بسرعة كأنه هيجيله جلطة.
شاور بأصبعه في وشي وهو بيترعش:
“والله ما هسيبك يا رانيا.. هوريكي إزاي تاخدي شقايا وفلوسي.. أنا هخرب بيتك!”
الأمن قرب خطوة وحاصروه، وقولتله ببرود:
“يا ريت تاخدوا الأستاذ برة.. وميدخلش المبنى ده تاني.. ويلا يا جماعة كل واحد على مكتبه وشغله.”
أحمد خرج وهو بيجر رجليه وسط نظرات الفضيحة، مطرود من شركته وبيته في أقل من 24 ساعة.
دخلت مكتبي الجديد، قعدت على الكرسي الجلد المريح، وبدأت أراجع الحسابات.. لسه مخلية المحامي يجهز قضية “تبديد منقولات الزوجية” وقضية “النفقة”، يعني لسه الحبل هيتلف حوالين رقبته أكتر وأكتر.
لكن الصدمة الحقيقية مكنتش هنا.. الصدمة كانت بعد ساعتين بالظبط، لما تليفوني رن، ولقيت رقم غريب بيتصل بيا. فتحت الخط، ولقيت صوت بيبكي ويستغيث.. صوت شهد، العروسة الجديدة!
صوت شهد في التليفون كان ماليان شهقات عياط وخوف، لدرجة إنها مكنتش عارفة تنطق جملة على بعضها.
سكتّ ثواني، وقولتلها بنبرة جافة:
“جرى إيه يا عروسة؟ بتعيطي ليه يوم صباحيتك؟ مش المفروض تكوني في الكوشة بتشوفي طلبات ‘ست البيت الكبيرة’؟”
شهد شهقت وقالت بصوت مكسور:
“أنا بنهار يا مدام رانيا.. والنبج الحقيني.. أنا ماليش ذنب في كل اللي حصل ده، أنا كمان اتضحك عليا واترميت رمية كلاب!”
أخدت نَفَس طويل وسندت ضهري على كرسي المكتب وقولت:
“اتضحك عليكِ في إيه بالظبط؟ ما إنتِ كنتِ داخلة وفستانك منفوش وعارفة إنه متجوز ومعاكِ حماتك بتزغرد عشان يلحق اسم أبوه من خلفة البنات!”
شهد ردت بسرعة وخوف:
“والله العظيم ما كنت أعرف موضوع البنت ده غير وأنا في الكوافير امبارح بالليل! هما أخدوني من بيت أبويا على أساس إنك مب تخلفيش خالص وإنك وافقتِ على الجوازة عشان أحمد يجيب حتة عيل.. لكن الصدمة مش هنا يا مدام رانيا.. السر اللي عرفته من ساعتين لما أحمد رجع البيت مطرود ومغلول يخليكي تقلقي على بنتك وعلى نفسك!”
انتبهت والبرود اللي في جسمي كله اتحول لشدة، قعدت وبصيت للموبايل بتركيز:
“سر إيه؟ انطقي تخلصي.”
شهد وطّت صوتها خالص كأنها مستخبية في مكان وبتقول برعب:
“أحمد بعد ما رجع من الشركة وشه أسود وزي المجنون، قعد مع أمه في الصالة.. وأنا كنت واقفة ورا باب المطبخ وسامعاهم. أحمد مديون لناس تقال قوي في السوق برة برقم خيالي، غير الفلوس اللي كان واخدها منك.. الفلوس دي مأخرة عليه وشيكاتها هتروح النيابة الأسبوع الجاي، وهو كان عاقد أمل كبير على صفقة في شركتك كان هيمضيها النهارده ويقبض مقدمها كاش عشان يسدد ليهم!”
ضحكت بسخرية:
“طب وأنا مالي؟ ما يتسجن! ده حقه وقضاه.”
شهد كملت ونبرتها رعب حقيقي:
“لأ يا مدام رانيا.. أمك الحاجة هدى قالتله نصاً: ‘البت دي مش هتسيبك في حالك يا أحمد، والورق اللي معاها ده لازم يختفي، ولو هي جابت البنت دي هتاكل ورثك وورث عيالك اللي جايين.. إحنا لازم نكسر عينها باللي في بطنها، يا إما تسقط البت دي وتتربى، يا إما نخلص من الاتنين والشركة ترجعلك ورث!’.. أحمد وافقها يا مدام رانيا، وقاعدين دلوقتي مع واحد قريبه بيخططوا إزاي يعملوا ليكي حادثة أو يتهجموا عليكي في الشقة يسرقوا العقود ويتخلصوا من البيبي!”
حسيت بدمي بيفور، وإيدي اتثبتت على بطني تلقائي.. الرعب اتمكن مني للحظة، لكن الغل والقوة اللي جوايا عموا عيني. هما مش بس طماعين، دول مجرمين ومستعدين يقتلوا بنتي عشان الفلوس والشركات!
شهد كملت وهي بتبكي:
“أنا قولتلك عشان ترحميني يا مدام رانيا.. أنا عايزه أطلق وأرجع بيت أبويا قبل ما أتمسح في جريمة ماليش دعوة بيها.. أرجوكي احميني منه وخليه يطلقني!”
قفلت مع شهد بعد ما قولت لها تفضل عينها عليهم وتعرفلي هيتحركوا إمتى وفين.
التفت لأستاذ مدحت المحامي اللي كان قاعد قدامي ومتابع ملامح وشي اللي اتقلبت، وقولتله بصوت طالع من قاع جهنم:
“أستاذ مدحت.. جهزلي بلاغ فوري للنيابة، واطلبلي حراسة خاصة على الشقة وعليا.. أحمد وأمه قرروا يلعبوا في الممنوع، وأنا مش هستنى لما ييجوا لحد عندي.. أنا اللي هوديهم ورا الشمس من الليلة دي!”
حكايات رومانى مكرم
تليفوني اتقفل مع شهد، ومبقاش في عيني دموع.. بقى في عيني شرار. الغريزة اللي جوة أي أم لما بتحس إن ضناها في خطر بتتحول لغريزة وحش كاسر. بصيت لأستاذ مدحت المحامي وقولتله بكلمات بطيئة وحاسمة:
“أحمد وأمه حكموا على نفسهم بالإعدام يا مدحت.. الليلة دي اللعبة هتنتهي تماماً.”
أستاذ مدحت كان راجل قانون ذكي، اتصل بجهات التحقيق وسجلنا بلاغ رسمي بتهديد بالقتل وإجهاض قسري، وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، حطينا خطة مُحكمة بالاستعانة بشهد اللي كانت مرعوبة وعايزة تخلص من الورطة دي بأي تمن.
## ليلة الكمين.. السقوط في الهاوية
الساعة دقت واحدة بعد نص الليل. الشارع اللي فيه شقتي في التجمع كان هادي تماماً. كنت قاعدة جوة الصالة، الأنوار مطفية، لكن الشقة مش فاضية؛ كان مستخبي في المطبخ وفي البلكونة رجال المباحث، منتظرين الإشارة.
شهد كانت بعتتلي رسالة قبلها بساعة: *(أحمد وقريبه نزلوا ومعاهم مية نار وجنزير.. وأمه قعدت تدعيلهم).*
فجأة، سمعت صوت حركة غريبة برة الباب.. خربشة خفيفة، وبعدين صوت مفتاح بيحاول يفتح.. أحمد كان ناسي إن الكالون اتمسح وتغير بالكامل الصبح! لما فشل، قريبه استخدم آلة حادة لكسر الباب بعنف.. وبمجرد ما الباب اتفتح ودخل أحمد وضله وراه، نورت النور في وشهم!
أحمد برّق عينه ورفع الجنزير وهو بيصرخ بغل: “والله ما هسيبك يا رانيا! هسقطك وآخد عقودي الليلة!”
وقبل ما يتحرك خطوة واحدة، هجم عليهم رجال المباحث من كل حتة في الشقة. في ثوانٍ معدودة، كان أحمد وقريبه متكتفين على الأرض، والكلابشات في إيديهم، وزجاجة مية النار اللي كانت مجهزة لتشويهي وقعت على الأرض وخرجت منها ريحة حرقت قلوبهم قبل ما تحرق أي حاجة تانية.
أحمد وهو وشه في الأرض كان بيصرخ زي الحريم: “رانيا.. ارحميني! أنا اتعميت.. أُمي هي اللي وزتني!”
بصيت له من فوق لتحت بمنتهى القرف وقولتله: “الرحمة دي للبلادين يا أحمد.. إنتوا مجرمين، ومكانكم الطبيعي ورا القضبان.”
وفي نفس الليلة، القوة الأمنية اتجهت لشقة أخته وقبضت على الحاجة هدى بتهمة التحريض على القتل والإجهاض.. شهد طُلبت كشاهدة ملك، وقدمت تسجيلات بصوتهم وهم بيخططوا للجريمة.
## بعد مرور 3 سنوات.. إشراق جديد
الحياة مابتوقفش على حد، والضربة اللي مابتكسرش الضهر بتقويه.
المحكمة حكمت على أحمد وقريبه بالسجن المشدد 7 سنوات بتهمة الشروع في القتل والسرقة بالإكراه، والحاجة هدى أخدت 3 سنوات بتهمة التحريض.. والشركة بتاعته القديمة صُفيت تماماً لسداد ديونه للناس برة، وخرج من الدنيا “لا يملك مليم واحد ولا اسم يشيله”.
أما أنا.. فكنت واقفة في جنينة فيلتي الجديدة، وببص على أجمل كائن في الدنيا.. بنتي “فريدة”.
فريدة دلوقتي عندها سنتين ونص، شعرها أسود غجري، وعيونها بتلمع بالذكاء والمرح.. كانت بتجري ورا الفراشات وضحكتها مالية المكان.
قربت منها، شلتها وضميتها لصدري بقوة، وشميت ريحتها.. وبقيت ببتسم وأنا بفتكر اليوم اللي كانوا فاكرين فيه إن البنت “كسرة” أو “عَار”. فريدة بقت هي السند، وهي اللي كبرت بسبع أرواح جوايا عشان أحميها وأبني لها مستقبل يرفع راسها للسما.
## الحكمة من هذه القصة
> **الحكمة الأولى: “ما بُني على باطل فهو باطل”**
> الرجل الذي يبيع عشرة عمره وسند أيامه (زوجته التي ضحت بمالها وصحتها لأجله) بمجرد أول اختبار أو طمعاً في مظهر زائف، سيسقط حتماً وبأبشع طريقة. الأنانية ونكران الجميل هما أسرع طريق لخراب البيوت وزوال النعم.
>
> **الحكمة الثانية: “البنت رزق وليس نقصاً”**
> العقول المتحجرة التي ما زالت ترى في خلفة البنات تقليلاً من شأن العائلة أو انقطاعاً للذكر، يعاقبها الله بذات النقص الذي يخشونه. الأبناء (ذكوراً أو إناثاً) هدايا من الله، وكم من بنت كانت بارّة بوالديها وأقامت بيوتاً، وكم من ابن عاق هدم تاريخ عائلته.
>
> **الحكمة الثالثة: “اتقِ شر الحليم إذا غضب”**
> على كل امرأة أن تعلم أن ضعفها الظاهري وصبرها على شقاء زوجها ليس قلة حيلة، بل هو رصيد من الحب والاحترام.. فإذا ما انتهى هذا الرصيد بالخيانة والغدر، تحول هذا الصبر إلى قوة جبارة قادرة على استرداد الحقوق وحماية الأبناء، فالقانون والعدالة ينصران دائماً من يملك الحق والإرادة.
>
