اهل جوزى حكايات رومانى مكرم 2

صُدمت الحماة، واشتعل رأسها بالشرار. لم تتوقف لتفكر أو تطلب دليلاً؛ فابنها الكسير المطلق بالنسبة لها هو الصادق دائماً، والكنة الغريبة هي العانس الشريرة في روايتها. أخذت الهاتف فوراً وهي ترتجف غضباً اتصلت بمدحت في الخارج، وصبّت في أذنيه سماً ذعافاً، مؤكدة له أن زوجته خرجت عن حدود الأدب، وأنها كانت تحاول التقرب من أخيه الكبير واستغلال مرضه وغربته، وأنها فرت إلى بيت أهله خوفاً من الفضيحة!
في تلك الليلة، كانت أميرة تجلس في غرفتها ببيت أهلها تحاول ترتيب أفكارها، وفجأة رن هاتفها. كان الاسم “مدحت”.
فتحت الخط بابتسامة باهتة كانت تظن أنها ستسمع صوت حبيبها يطئن عليها، لكنها فوجئت بسيل من الصراخ والغضب الهستيري الذي لم تعهده منه طوال سنوات زواجهما:
* “إنتي إيه اللي عملتيه ده يا أميرة؟ إنتي نسيتي نفسك ولا فاكرة إني مش موجود هتعملي اللي على كيفك؟ بتتسللي لأخويا وتتبلي عليه كمان؟ إنتي للدرجادي معندكيش أصل ولا صيانة للبيت اللي آواكي؟”
تجمّعت الدموع في عيني أميرة وشعرت بأن الأرض تدور بها. استجمعت شجاعتها وقالت بصوت يرتجف:
* “مدحت.. أرجوك اسمعني! اللي بيتقالك ده كذب ونصب! أخوك هو اللي طلعلي الشقة في الضلمة وهو اللي استغل إن رجل تعبانة ومسكها بالغصب، وهو اللي حاول يهددني في المخزن تحت السلم! أنا هربت لبيت أهلي عشان أحمي نفسي وكرامتك!”
لكن مدحت، الواقع تحت تأثير الصدمة وكلام أمه الشديد، لم يستوعب منطقها وسألها بصوت كالسيف:
* “أخويا الكبير؟ أحمد اللي شايل البيت في غيابي يعمل كده؟ ولو هو اللي حاول يتدخل، ليه ما حكيتيليش من أول لحظة؟ ليه سكتِ ليلة كاملة وجمعتِ هدومك ومشتِ من غير ما تقوليلي الحقيقة في وقتها؟ إنتي مخبية إيه يا أميرة؟”
سكتت أميرة. كانت هذه هي اللحظة التي خافتها؛ سكوتها في الليلة الأولى لشدة الصدمة والذهول تحول الآن إلى إدانة في نظر زوجها.
أكمل مدحت بقسوة:
* “انتي تقعدي عند أهلك وماتعتبيش بيت العيلة تاني لحد ما أنزل بنفسي! وأقسم بالله يا أميرة لو اتطلع كلام أمي وأخويا صح، لا هتشوفي وشي تاني ولا هتبقي على ذمتي ثانية واحدة!”
أغلق الخط في وجهها. انهرت أميرة وبكت ببكاء مرير شق سكون الليل. أحست بالظلم القاطع، وبأن كل الطرق سُدت في وجهها، وأن أحمد استطاع ببراعة أن يحولها من مجني عليها إلى متهمة تنتظر المحاكمة.
