اهل جوزى حكايات رومانى مكرم 2

الجزء الثالث

تسمرت أميرة في مكانها داخل المخزن الضيق، وانقبض صدرها حتى كادت أن تفقد القدرة على التنفس. كانت المساحة ضيقة ورائحة المنظفات والغبار تملأ المكان، بينما يقف أحمد كالجسد المنيع يسد المنفذ الوحيد للنور والخروج.

رجعت خطوة إلى الخلف حتى ارتطم ظهرها بالرف الخشبي القديم، وجذبت زجاجة المنظف المقواة بيدها، ورفعتها أمامه بنبرة تتفجر غضباً وخوفاً مكتوماً:

* “أحمد! ورب العزة لو ما بعدت عن الباب حالا لتشوف مني تصرف مش هيعجبك.. ابعد عن الرمز ده واطلع بره!”

لم يتحرك أحمد إنشاً واحداً، بل أمال رأسه بقليل من الشماتة والبرود، وقال بنبرة هادئة ومبتسمة:

* “تصرخي؟ وتجمعي البيت كله؟ قوليلي.. لما حماتك تنزل وتشوفك واقفة معايا في مخزن مقفول تحت السلم، تفتكري مين اللي مظلوم ومين اللي هيترمي عليه العيب؟ هتقوليلهم إيه؟ إن سلفي بيعالجني ولا إني جيت وراكي بأمر منك؟”

كانت كلماته كالسهم المسموم الذي يضرب أدق نقاط ضعفها. علمت أميرة أن البيئة التي تعيش فيها لا ترحم المرأة، وأن الشبهة في مجتمع بيت العيلة تحكم على الزوجة بالإدانة قبل التحقيق. سادت لحظة صمت خيمت كالجبل، عيناها تتوسلانه بالابتعاد وفي نفس الوقت تتحدى شره.

استغل أحمد ترددها وخطا خطوة أخرى لداخل المخزن، ومد يده يحاول الإمساك بكتفها وهو يهمس:

* “أميرة.. أنا مش عايز أذيكي ولا أعملك مشاكل، أنا بس شايفك عايشة زي الشغالة هنا، جوزك رميكي واديكي شايفه مبيفكرش غير في الفلوس والشغل.. إنتي تستاهلي واحد يحس بيكي، واحد يقدر النعمة دي…”

قبضت أميرة على زجاجة المنظف بكل ما أوتيت من قوة، وبدون أي تردد أو خوف، دفعتها بقوة في صدره، وبيدها الأخرى دفعت كتفه العريض بعيداً بكل طاقتها، واستغلت اختلال توازنه للحظة، لتنسل من جانبه بسرعة كالسهم خارجة إلى صالة الدور الأرضي.

وقفت في منتصف الصالة تتنفس بسرعة وجسدها يرتجف، بينما خرج أحمد من المخزن ببطء وهو يصلح ياقة قميصه وكأن شيئاً لم يكن، ونظر إليها بنظرة حادة تحمل تهديداً صامتاً قبل أن يتجه نحو الشارع ويغلق الباب خلفه بقوة.

صعدت أميرة إلى شقتها وهي تجر قدميها جراً. سقطت على الكنبة وأجهشت بالبكاء. كانت تبكي حرقة على حالها، وعلى زوجها الذي يكدح في الغربة دون أن يعلم أن أقرب الناس إليه يحاول هدم بيته واغتصاب كرامة زوجته. لم تعد القصة مجرد موقف عابر أو اهتمام مشبوه، بل أصبحت حرب استنزاف نفسية، تسعى لكسر شرفها وإجبارها على السقوط.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *