حكايات زهره الربيع 4

الدكتور قلع كمامته الطبية ببطء، وبصلي بنظرة فيها دهشة ممزوجة بجدية شديدة وقال: “الحالة استقرت بعد ما عملنا لها غسيل معدة فوري وبروتوكول تنظيف كبد مكثف.. هي عديت مرحلة الخطر الجسدي بـمعجزة، بس المحير مش هنا يا مدام مروة.. المحير في اللي ندى قالته أول ما بدأت تفوق!”

قلبي دق بسرعة ولحقت نفسي بكرسي جمبي مسكت فيه: “قالت إيه يا دكتور؟ ندى كويسة؟”

الدكتور كمل كلامه وهو بيعدل نضارته: “ندى أول ما فتحت عينيها وبدأت تستوعب اللي حصل، صرخت وطلبت تشوف ضابط المباحث فوراً.. وقالت نصاً: (سامح مكنش بيـقـ*تـل مروة لوحدها.. سامح كان عارف إني أنا اللي باكل الأكل بقالي شهرين بالظبط!)”

الكلام نزل عليا كأنه صاعقة تانية هزت كياني. شهرين؟ سامح كان عارف؟!

الدكتور سابني ودخل يتابع مريض تاني، وأنا وقفت في الطرقة والمستشفى كلها بتلف بيا. دخلت لندى الأوضة بخطوات مرعوبة، لقيت خراطيم المحاليل متوصلة في إيديها ووشها دبلان، بس أول ما شافتني، عينيها لمعت بدموع حارقة وقالت بصوت مبحوح ومخلوق: “سامحيني يا مروة.. أنا مكنتش أقدر أقولك الحقيقة في الشركة قدام الناس.. بس أنا مكنتش باكل أكلك من ورا جوزك.. جوزك كان عارف!”

قربت منها وأنا مش مصدقة، مسكت إيدها المتلجة وقلت: “يعني إيه يا ندى؟ إزاي كان عارف وهو بيجي بالثانية يديني العلبة ويقولي كليها وهي سخنة؟”

ندى عيطت بقهر وقالت: “من شهرين.. كنت واقفة في البلكونة بتاعة الشركة المخفية اللي ورا الكانتين، وسمعته بيتكلم في التليفون بغضب مع أمه وبيقولها: (السم مبيعملش حاجة، دي زي الجن ومفيش عليها أعراض!)، أنا ساعتها اتخضيت وفهمت إنه بيحطلك حاجة.. وتاني يوم لما جه يسلّمك العلبة، مشي ورايا لحد الكافتيريا ولما لقاني ببدل معاكي الأكل وبندفع لبعض العلب، مسكني من إيدي وشدني ورا السلم!”

جسمي كله قشعر وأنا بسمعها، وندى كملت وبكاءها بيزيد: “أنا خفت منه وكنت هصرخ، بس هو هددني.. قالي لو نطقتي بكلمة لمروة، أنا هفضحك في الشركة بالصور اللي معايا ليكي وأنتِ بتتكلمي مع المحاسب القديم، وهخرب بيتك وأخلي سيرتك على كل لسان.. وقالي بالحرف: (مروة كده كده هتموت.. لو مش بالأكل، هق*تلها بطريقة تانية.. فريحي نفسك وخدي العلبة دي كليها أنتِ، وأنا هزود الجرعة في المشروبات اللي بعملها لها في البيت عشان تخلص بسرعة.. وأنتِ لو مكلتيش الأكل قدامي كل يوم وتأكدت إن العلبة فضيت، هوديكي في داهية!)”

أنا بقيت بصالها ومش قادرة أنطق.. ندى كانت بتاكل الموت وهي مجبرة وتحت التهديد! كانت خايفة من الفضيحة وخايفة على نفسها منه، وسامح المجرم استغل ده عشان يداري ج*ريمته؛ كان بيسيبها تاكل الأكل المسموم عشان العلبة ترجع فاضية ومشكش في حاجة، وفي نفس الوقت يركز السم في العصاير والمشروبات اللي كان بيدهالي في البيت بالليل!

ندى مسكت إيدي وقالت بتوسل: “أنا كنت بـمـوت بالبطيء بسببه وبسبب خوفي، ولما جيتِ النهاردة وورقة التحاليل طلعت، عرفت إن كبدي خلاص انتهى ومكنش ينفع أسكت أكتر من كده.. أنا بلغت الضابط بكل ده حالا وهو في طريقه للنيابة عشان يواجه سامح بالاعتراف الجديد!”

سبت المستشفى وأنا حاسة إن البشر دول مش بني آدمين.. دول شياطين عايشة وسطنا. رجعت على القسم تاني وأنا منهارة، ودخلت لوكيل النيابة اللي كان لسه مخلص مواجهة مع سامح وأمه والمحامي الهارب اللي الشرطة نجحت في القبض عليه على كمين الصحراوي.

وكيل النيابة أول ما شافني، وقف وقال بأسف: “مدام مروة.. القض*ية أخدت أبعاد تانية خالص.. سامح اعترف بكل حاجة بعد ما واجهناه بأقوال زميلتك ندى وأقوال أخته، والمحامي طليق أخته انهار واعترف بالطبخة كلها.”

دموعي نزلت وقلت: “والشقة والفلوس يا فندم؟”

وكيل النيابة طلع ملف كبير وقال: “المحامي اعترف إن العقود دي كلها تزوير وتدليس، وتم إبطالها رسمياً.. بس الاعتراف المرعب اللي سامح قاله في التحقيق دلوقتي بخصوص المشروبات اللي كان بيدهالك في البيت، هو اللي هيقلب القض*ية دي لجناية تانية خالص.. حاجة أنتِ مكنتيش تتخيليها أبداً يا مدام مروة!”

بصيت لوكيل النيابة ونبضات قلبي وقفت تماماً وأنا بسأله: “حاجة إيه يا فندم؟ سامح كان بيحط إيه في المشروبات بالليل؟”

وكيل النيابة بص للتقرير اللي في إيده، وملامحه اتقبضت وقال بصوت هز كياني كله..

 

وكيل النيابة أخد نفس طويل، وبصلي بعيون مليانة أسى وذهول في نفس الوقت، وقال: “سامح اعترف إن المشروبات الدافية والعصاير اللي كان بيسقيهالك بالليل في البيت، مكنش فيها سم فئران زي الأكل.. هو مكنش غبي عشان يديكِ جرعة مزدوجة فتظهري أعراض سريعة تفشل خطته.. المشروبات دي كان بيحطلك فيها مادة كيميائية تانية خالص مخدرة ومذهبة للوعي الجزئي، مادة بتخلي البني آدم في حالة استسلام تام ومنوم مغناطيسي، ومبتسبش أي أثر في الدم بعد ٦ ساعات!”

وقعت على الكرسي وأنا حاطة إيدي على بوقي، ووكيل النيابة كمل بصوت مرعب: “المادة دي كان بيدهالك عشان يفقدك القدرة على التركيز تماماً.. وفي الوقت ده، كان بيمضيكِ على ورق التنازلات ووصولات الأمانة وأنتِ شبه غايبة عن الوعي ومبتكرةش تاني يوم الصبح إيه اللي حصل بالليل! بس المشكلة الأكبر مش هنا يا مدام مروة.. الج*ريمة الحقيقية إن سامح اعترف إنه استخدم غيابك عن الوعي ده في مصيبة تانية!”

جسمي كله اتصلب وركبي سابت، وقلت بصوت مش مسموع: “مصيبة إيه تاني يا فندم؟ عمل إيه فيا وأنا مش دريانة؟”

وكيل النيابة قلب الصفحة وقال: “سامح والمحامي بتاعه استغلوا بصمتك وتوقيعك وأنتِ غايبة عن الوعي، وفتحوا حساب بنكي سري باسمك، وبقوا بيستخدموا الحساب ده والموقع الإلكتروني بتاعك في عمليات غسيل أموال ضخمة وتهريب مبالغ خيالية لبره مصر تخص شبكة مقاولات مشبوهة! يعني سامح مكنش بس عايز يخلص منك عشان يورثك.. ده كان بيمهد إنه يخلص منك بالسم، وعشان لو السم م جابش نتيجة أو الخطة اتكشفت، تلبسي أنتِ ق*ضية غسيل أموال وتهريب دولية، وتدخلي السجن المؤبد، وهو يطلع منها ملاك بريء ومجني عليه وطليق المتهمة!”

أنا في اللحظة دي حسيت إن الأوضة بتضلم في وشي. الضحكة الملائكية، الحنية المبالغ فيها، الخوف عليا من الهوا الطاير.. كل ده كان ترتيب لشيطان بيمهد لدماري التام! إما الموت بالسم، أو الموت وراء القضبان!

حماتي من الأوضة التانية كان صوت صريخها لسه مسموع وهي بتشتم في بنتها هبة وفي الشرطة، وسامح كان قاعد في الكلابشات وشه زي الج*ثة بعد ما أوراقه كلها اتحرقت وبقى في مواجهة حبل المشنقة بتهم الشروع في الق/تل، التزوير، التدليس، وغسيل الأموال.

وكيل النيابة خبط على المكتب وقال للضابط: “الق*ضية كده اتقفلت جنائياً من كل النواحي، والمتهمين كلهم هيترحلوا على السجن العمومي على ذمة المحاكمة العاجلة بمحكمة الجنايات.”

التفت ليا وقال: “تقدري تمشي يا مدام مروة، ربنا نجاكي بـمعجزة وبسبب تبديل الأكل.. الحساب البنكي السري جاري تجميده والتحفظ عليه لإثبات التدليس.”

خرجت من باب القسم وأنا حاسة إني اتولدت من جديد، بس ولادة مشوهة، ولادة مليانة وجع وخوف من كل بني آدم هقابله بعد كده. ركبت التاكسي ورجعت على شقتي.. الشقة اللي شهدت على أبشع مؤامرة في حياتي.

أول ما فتحت الباب، الشقة كانت ضلمة وهادية هدوء مرعب. مشيت في الطرقة ودخلت المطبخ.. بصيت على علب العصير، وعلى برطمانات الأعشاب الدافية اللي كان بيعملهالي بحب مصطنع. مسكت علبة العصير المفتوحة وبدأت أدلقها في الحوض وأنا بعيط بهستيرية.

وأنا بدلق العصير، ولمحت حاجة غريبة ورا برطمان السكر في ضلفة المطبخ العالية.. حاجة سامح دايماً كان يمنعني أقرب منها ويقولي دي حاجات تخص تظبيط المطبخ.

قربت ومديت إيدي، وطلعت علبة صغيرة مقفولة ببلاستر أسود.. فتحتها وفجأة لقيت جواها فلاشة صغيرة (USB) ومفتاح غريب مش بتاع الشقة خالص!

مسكت الفلاشة وإيديا ب we بتترعش، وجريت على الأوضة فتحت اللاب توب وحطيت الفلاشة عشان أشوف سامح كان مخبي إيه تاني ورا ضهري.. أول ما الفايلات فتحت قدام عيني، صرخت صرخة رعب هزت جدران الشقة، والدم هرب من عروقي للمرة الألف!

اللي شفته على الفلاشة دي مكنش ورق، ولا كان عقود.. ده كان فيديو لايف شغال حالا، ومكتوب تحته عنوان خلاني أدرك إن الكابوس لسه مخلصش، وإن حياتي لسه في خطر أكبر بكتير من سامح وأمه!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *