ورثي حكايات رومانى مكرم 2
الاسم اللي كان منور على شاشة الموبايل خلاني أقف مكاني مش قادرة أتحرك.. الاسم مكنش غريب عليا، كان مكتوب: **”المحامي مدحت – طليق أخته”**!
مدحت ده مكنش مجرد محامي عادي، ده يبقى طليق أخته الكبيرة، والكل عارف إن بينهم قضايا ومشاكل في المحاكم بسبب مؤخر ونفقة، وبسبب إن مدحت ضحك عليها قبل كده في شقة الزوجية وطلعها منها ملهاش أي حق!
جوزي اتهجم عليا عشان يخطف الموبايل من إيدي، ووشه بقا أبيض زي الورقة، وصوته اتهز وهو بيقول: “هاتي التليفون ده.. إنتِ بتمدي إيدك على حاجتي؟”
رجعت خطوتين لورا، وفتحت الخط وفتحت السبيكر قبل ما يلحق يوصل لي.. وجالي صوت المحامي مدحت وهو بيقول بلهفة:
“إيه يا صاحبي عملت إيه؟ وافقت تكتب النص بالنص؟ اخلص وامضوا العقد بسرعة قبل ما تغير رأيها.. أنا مجهزلك ورق قضية الحجر على فلوسها لو رفضت، ومجهزلك صيغة تنازل تانية تخليها تمضي عليها بعد الجواز بسنتين تضمن بيها الشقة كلها ليك.. طمني!”
المكتب.. السمسار.. حماتي.. الشنطة اللي اتلمت.. كل التمثيلية دي كانت متخططة! جوزي مكنش بس طمعان، ده كان شغال مع محامي محترف عشان يسرق تعب أبويا بالقانون! مستغلين إني ست لوحدي ومستضعفيني بعد وفاة سندي.
جوزي خطف الموبايل وقفل السكة بسرعة، وبصلي وهو بيلهث وقال بمحاولة يائسة للدفاع عن نفسه: “إنتِ فاهمة غلط.. ده.. ده مدحت كان بيساعدني بس عشان نضمن حقوق الولاد.. والله العظيم أنا بحبك ومستحيل أأذيكي!”
بصيتله بنظرة احتقار عمري ما حسيت بيها لبني آدم في حياتي. الدموع اللي كانت في عيني جفت تماماً، وحسيت بنار قوية جوايا.. نار الحق.
قلتله بصوت ثاقب وهادي:
“حقوق الولاد؟ إنت بني آدم رخيص.. إنت وأهلك كنتوا بتخططوا تسرقوني وتلوا دراعي باسم البيت والرجولة.. اطلع برة بيتي.”
قال بعصبية محروقة بعد ما قناعه سقط بالكامل:
“مش هطلع! والبيت ده إيجاره باسمي، وإنتِ اللي هتطلعي.. ولو فاكرة إن فلوسك دي هتنفعك، أنا هرفع عليكي قضايا تدوخك في المحاكم وأخليكي تصرفي المليون جنيه دول على المحامين ومنشوفش منك مليم!”
سبته ودخلت أوضتي، قفلت الباب بالمفتاح وأنا بتهز من الصدمة.. بس مفيش وقت للضعف. كلمت عمي، الراجل الوحيد اللي باقي من ريحة أبويا، وحكيتله كل حاجة وأنا بنهار. عمي قالي كلمتين اتنين: “اقفلي بابك عليكي يا بنتي، وأنا مسافة السكة ومعايا رجالتي.”
ساعتين بالظبط، وسمعت صوت خبط رعد على الباب.. عمي وصل ومعاه ولاد عمي الكبار. أول ما جوزي فتح الباب وشافهم، رجع لورا وخاف. عمي دخل زي الأسد، وبص لجوزي وقال بلهجة متقبلش النقاش:
“لم هدومك اللي في الشنطة دي يا ابن الناس.. واطلع برة من غير صوت.. وبنت أخويا هتوصلها ورقة طلاقها بحقوقها كاملة، وإلا قسمًا بالله تعب أخويا اللي كنت عايز تسرقه، هصرفه كله عشان أحبسك!”
جوزي م نطقش، أخد شنطته للمرة التانية بس المرة دي وهو عينه في الأرض، مكسور ومفضوح، وخرج من البيت وهو بيجر ذيول الخيبة.
عمي أخدني في حضنه، وطبطب عليا وقالي: “فلوسك بكرة الصبح هتنزل من الحساب ونشتري بيها الذهب ونشيله في خزنة في البنك.. وأبوكي الله يرحمه نامي وارتاحي وهو مرتاح في تربته، عشان عرف يربي ست بـ 100 راجل وقفت وحمت شقاه.”
عدت الشهور.. وورقة طلاقي وصلتني، وفلوسي بقت في أمان، وجمعت كل دهب أبويا وشيلته.. خسرت جوز كنت فاكراه سند، بس كسبت نفسي، وكسبت كرامتي، وحميت أماني اللي أبويا سابهولي.
النهاردة، وأنا قاعدة في شقتي الجديدة اللي اشتريتها باسمي لوحدي من غير ما حد يشاركني فيها، ببص للدنيا وبعرف إن كلام أبويا كان صح.. الدنيا مبتأمنش لحد، بس الست القوية هي اللي بتجبر الدنيا تأمنلها.
**يا ترى لو كنتوا مكاني، كنتوا هتتصرفوا بنفس القوة دي؟ ولا الخوف من لقب “مطلقة” كان ممكن يخليكم تتنازلوا؟**
مرّت سنة كاملة على اليوم اللي قفلت فيه الباب في وش طليقي وأهله. سنة كاملة وأنا ببنّي في نفسي من جديد، خطوة بخطوة. المليون و400 ألف جنيه اتحولوا لسبائك دهب شيلتها في مكان أمين، والجزء الباقي اشتريت بيه شقة صغيرة على قدي، اتكتبت باسمي أنا لوحدي.. مفيش فيها شريك، ومفيش فيها اسم راجل يهددني بكلمة “البيت بيتي”.
في السنة دي، عرفت يعني إيه “قرشِك الأبيض ينفعك في يومك الأسود”. طليقي حاول بكل الطرق يرجع، بعت ناس، وكلم عمي، وحاول يظهر بمظهر النادم اللي اتضحك عليه من المحامي ومن أهله، بس قلبي كان مات من ناحيته تماماً. البني آدم اللي يرتضي يسرق أمان ست وثقت فيه، مستحيل يتأمن على لقمة عيش تانية.
الدنيا بدأت تبتسم لي من جديد، ونزلت اشتغلت، وبقيت حاسة إن أبويا الله يرحمه معايا في كل خطوة، كأن روحه حرساني بفلوسه وتعب عمره اللي صان كرامتي.
وفي يوم، وأنا نازلة من شقتي الجديدة رايحة شغلي، لقيت جارة ليا واقفة مع ست تانية غريبة عن المنطقة. أول ما شافتني، جارتي شاورت عليا وقالت للست بصوت مسموع:
“هي دي الأستاذة اللي حكيتلك عنها.. اللي وقفت لطليقها وأهله وحمت ورث أبوها.”
الست الغريبة بصت لي بنظرة فيها إعجاب شديد، وقربت مني وقالت بنبرة رجت قلبي:
“يا بنتي، أنا جاية لك مخصوص ومش هتحرك من هنا إلا لما تسمعيني.. أنا بنتي بتمر بنفس كابوسك بالظبط دلوقتي، وحماتها بتلوي دراعها بقرشين ورثاهم.. أرجوكي قولي لي، عملتي إيه بالظبط لما…”
وقبل ما تكمل جملتها، تليفوني رن برقم غريب.. رقم مكنتش أتوقع أشوفه تاني أبدًا بعد السنة دي كلها، ورسالة صوتية اتبعتت بعد المكالمة دي، غيرت مسار كل حاجة كنت رتبتها في حياتي!
**تفتكروا مين اللي كلمني؟ وإيه السر الجديد اللي هينكشف في الجزء الأخير وينهي الحكاية دي تمامًا؟**
فتحت الرسالة الصوتية وأنا إيدي بترتعش، وجالي صوته.. بس مكنش صوت طليقي، كان صوت المحامي مدحت، طليق أخته! وصوته كان مكسور وباكي، بريء تماماً من النبرة الثعلبية اللي سمعتها منه من سنة.
قال في الرسالة:
“أنا أسف يا مدام إني بكلمك.. بس ضميري مكنش هيرتاح لو مقتلكيش الحقيقة قبل ما الحكاية تقفل خالص. أنا عرفت إنك اتطلقتي بسببي، بس والله العظيم أنا مكنتش شريك في سرقتك.. طليقك أخد تليفوني من ورايا، وخلى صاحبه يقلد صوتي في المكالمة دي عشان يعمل التمثيلية دي قدامك، ولما لقى الخطة فشلت، جه ورمى التهمة عليا وخلاني أنا الشرير في نظر الكل.. أنا طليق أخته آه، وبيننا مشاكل، بس عمري ما أسرق ست ولا أعمل اللعبة الرخيصة دي.. هو اللي خطط لكل حاجة لوحده مع صاحبه عشان يبان بريء قدام أهله لو اتكشف!”
قعدت على السلم وأنا مش مصدقة.. يعني الراجل اللي عشت معاه سنة مكنش بس طماع ومخادع، ده كان مخرج سينمائي وممثل محترف! كان مستعد يدمر ناس تانية ويتبلى عليهم عشان يداري وساخته وطمعه في ورث أبويا.
قفلت الموبايل، ورفعت رأسي للسما وتنفست براحة مكنتش حسيتها من سنة كاملة.. حسيت إن ربنا جابلي حقي ونضّف اسمي تماماً، وأكد لي إن خطوتي بالبعد عنه كانت أعظم قرار أخدته في حياتي.
بصيت للست الغريبة اللي كانت واقفة مستنياني، ابتسمت ليها ودموعي نازلة بس المرة دي دموع فخر وقوة. مسكت إيدها وقلت لها بوضوح وثقة:
“قولي لبنتك.. القرش اللي يجي بتعب أبوكي، هو شرفك وأمانك وضهرك.. الراجل اللي يحبك بجد، هيشيلك في عينه وفي بيته من غير ما يبص في جيبك، واللي عينه تزوغ على شقاكي قبل ما يبني معاكي، يبقى مش شاريِك، ده شاري فلوسك.. قولي لها تقف وم تخافش، لقب مطلقة بكرامة، أحسن بمية مرة من زوجة مكسورة ومسروقة في بيت ملغوم بالطمع.”
الست ضمتني وهي بتدعي لي، ومشيت وأنا شايفة في عيونها أمل جديد هتنقله لبنتها.
النهاردة، قفلت الصفحة دي تماماً.. سبائك الدهب في البنك، وشقتي الصغيرة ملكي، وكرامتي في السماء. اتعلمت إن الوجع بيبني، وإن الأمان مش راجل.. الأمان هو إيمانك بنفسك، وقدرتك على الوقوف في وش العاصفة.
نام في تربتك وارتاح يا أبويا.. بنتِك صانت الأمانة، والدنيا لفّت ودارت، بس أنا اللي أجبرتها تأمن لي!
**تمت الحكاية**
#الكاتب_رومانى_مكرم