حكايات زهره الربيع 3

انفتح باب المكتب الفخم ببطء، ودخلت الحجة سعاد يسبقها ماجد بخطوات مترددة ووجوه كاسفة لا يغطيها سوى الخزي والذعر.

كانت سعاد قد فقدت كل مظاهر الفخامة والتعالي التي ظهرت بها في ليلة الأمس؛ شالها الدانتيل غائب، وعقد اللولي لم يعد يطوق جشعها، ووجهها الذي كان ينضح بالكبر أصبح شاحباً ومجعداً بفعل الخوف من الفضيحة والسجن. أما ماجد، فكان يمشي مطأطأ الرأس، كتفاه مائلتان إلى الأسفل كمن يحمل وزر العالم كله، وعيناه لا تجرؤان على الارتفاع لتلتقيا بعينيّ.

وقف الاثنان عند حافة السجادة العجمية المفروشة في وسط المكتب، بينما كنتُ أجلس بجوار الحاج إسماعيل النويري بثبات، وأضع قدماً فوق الأخرى وأمامي الملف البنكي والقانوني كاملاً.

ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت سحب الأنفاس المتهدجة لسعاد، قبل أن تتجاوز كبرياءها المزعوم وتقدم خطوة نحو الطاولة، واضعة يديها المرتعشتين على الحافة، وقالت بنبرة متحشرجة يحاول التودد تخفيفها:

* “يا حاج إسماعيل.. أرجوك، إحنا عيلة واحدة، والموضوع كله سوء فهم بسيط! سما بنتنا، وماجد ابنك، ومينفعش السوالف دي تطلع للنيابة والمحاكم وتفضجنا قدام يسار ومين!”

رد الحاج إسماعيل بنبرة باردة كالجلييد، وهو يشير بيده نحو المقاعد:

* “اقعدي يا سعاد، ومتدخليش الأصول في كلامك لأنك أول واحدة دستِ عليها إمبارح قدام مئات المعازيم. الكلام مش معايا.. الكلام مع الباشمحاسبة سما، وهي صاحبة القرار الأول والأخير.”

التفتت سعاد إليّ، ولأول مرة في حياتي أرى في عينيها هذه النظرة: الانكسار والترجي. تلك المرأة التي طالما أسمعتني يومياً موشحات إني “مش من مستواهم”، وأن أهلي “ناس على قدهم”، تقف الآن تتوسل بنظراتها لي.

قال ماجد بصوت مبحوح وهو يقترب خطوة أخرى:

* “سما.. عشان خاطر الأيام اللي بيننا، وعشان خاطر زياد.. أمي المباشر محجوز على حساباتها من النيابة، وشركة الخدمات الخاصة بيا جالي إخطار بفحص ضريبي وفحص تزوير بسبب الفواتير! شغلي بيتدمر يا سما، وأمي ممكن تروح فيها لو المحضر كمل!”

نظرتُ إليه بجمود تام، دون أن ترف لي عين، وقلت بصوت واضح وصارم:

* “شغلك بيتدمر يا ماجد؟ وأنت فين كان عقلك لما تحويشة عمري اللي شلتها القرش على القرش اتسرقت من ورايا؟ فين كان عقلك لما أمك زقت ابنك زياد البالغ من العمر خمس سنين على الرخام عشان أكل حتة كب كيك، وأنت واقف زي الصنم بتقولي ‘بلاش فضايح’؟ الفضايح أنت اللي عملتها بضعفك، وأمك اللي عملتها بجشعها!”

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *