لو هتسمحلي أقعد أنا وولادي1

قالت منى بصوت حاولت أن تجعله دافئًا:
— افطر يا ياسين، النهاردة هنرتب المكان ونخليه يلمع.
رد الصغير بعينين لامعتين:
— هو عمو عمر هيرجع بدري يا ماما؟ أنا مش هخليه يشوف أي كركبة عشان ما يزعلش مننا.
كلمات الصغير نزلت على قلبها كالجمر؛ طفل في السابعة يتحمل همّ الإقامة وثمن المأوى. مسحت على رأسه وابتسمت، ثم انطلقت تفرغ طاقتها في العمل، تنظف الرخام، وتعيد ترتيب الكتب في الصالة، وتجهز طعام الغداء، محاولة أن تدفع عن عقلها فكرة الترقب القاتلة.
على الجانب الآخر من المدينة، في أحد الأبراج الإدارية بالدقي، دخل عمر إلى مكتب المحاسب القانوني القديم للشركة، رجل يدعى «الأستاذ رفعت»، تجاوز الستين من عمره، وكان هو من صاغ العقود الأولى لشراكته مع حسام قبل أن ينفصلا وديًا منذ ثماني سنوات.
جلس عمر على المقعد الجلدي دون مقدمات:
— الملفات التأسيسية لسنة 2009 يا أستاذ رفعت. بالأخص إيداعات رأس المال المبدئي.
عدّل العجوز نظارته ونظر إليه بدهشة:
— خير يا باشا؟ الدفاتر دي في الأرشيف ومحدش قرب منها من سنين، والضرائب مقفولة ومفيش أي مشاكل قانونية بينك وبين حسام بيه.
قال عمر بنبرة قاطعة:
— عايز أشوف شيك الإيداع اللي حسام قدمه بحصته في رأس المال.. فورًا.
استغرق الأمر قرابة الساعتين حتى أحضر رفعت صندوقًا كرتونيًا يعلوه الغبار. قلب الأوراق بأصابع مرتعشة حتى سحب ملفًا أزرق باهتًا، وفتحه أمام عمر.
أشار رفعت بإصبعه:
— أهو.. يوم 14 مارس 2009، حسام بيه أودع مبلغ مليون ومئتين ألف جنيه مصري، وقال وقتها إن ده نصيبه في التأسيس كحصة نقدية جاية من سلفة عائلية.
سحب عمر الورقة، وقربها من عينيه. لم يكن شيكًا شخصيًا، بل كان إشعار تحويل بنكي صادر من بنك استثماري. وقعت عيناه على خانة «الراشي/المحوّل»:
لم يكن اسم خال حسام.
ولم يكن اسم حسام نفسه.
بل كان اسم: «منى إبراهيم عبدالسلام».
تجمدت ملامح عمر تمامًا. حسام لم يأخذ الفلوس كاش ليودعها باسمه كما زعم، بل تمت المعاملة حينها بتحويل مباشر من حساب البيع الخاص بشقة منى، ولكن حسام قدم للبنك والشراكة إقرارًا غريبًا جدًا..
سحب عمر الورقة الملحقة بالإشعار، وقرأ السطور بعناية:
«إقرار تنازل عن حصة وحق انتفاع.. وتفويض كامل غير مشروط في الإدارة والتصرف والتوقيع».
