حكايات انجى الخطيب 3

قالتلي وهي بتبتعد خطوة لورا: “أنا جبتلك حقك عشان ربنا أمرنا بالعدل، وعشان ما أقبلش إن حد يظلمك حتى لو كان خصمي.. أنا جبتلك حقك عشان أثبت لنفسي وليك إن ربنا ما بيبسيبش مظلوم، وعشان أقفل صفحتك من حياتي وأنا ضامنة إني ما ظالمتكش ولا شمت فيك.”
كملت وهي بتحط إيدها على قلبها: “لكن المشاعر اللي ماتت بسبب القسوة والضغط وتأنيب الضمير.. ما بتموتش وترجع تاني. أنا دلوقتي واحدة تانية خالص غير البنت الساذجة اللي كانت بتصدق كل كلمة بتجاملها بيها. أنا عرفت ربنا، وعرفت قيمة نفسي.. وأنت، بقيت بالنسبة لي مجرد درس قاسي اتعلمت منه، والدرس خلاص انتصى.”
وقفت على رجلي وأنا حاسس إن الدنيا كلها فضيت حواليا. الفلوس في إيدي ملهاش أي قيمة، الحق اللي رجعلي ملوش أي طعم.. لأن الحاجة الوحيدة اللي كانت ممكن تنقذ روحي وتباركلي في حياتي، راحت مني وللأبد.. بإيدي أنا.
سيبت البيت ونزلت.. مشيت في الشارع وأنا شايل حقيبتي وفلوسي، بس قلبي كان فاضي تماماً. عرفت إن أصعب عقاب ممكن يتدوقه إنسان مش إنه يخسر فلوسه أو يتضرب أو يتهان.. أصعب عقاب إن ربنا يخليك تشوف النعمة اللي كانت في إيدك، وتعرف قدرها وحقيقتها، في نفس اللحظة اللي تتأكد فيها إنك مستحيل تطولها تاني.
الشارع كان فاضي والهدوء قاتل. الفلوس والمستندات في إيدي وزنها أتقل من الجبال، ومشيت مسافة طويلة مش عارف أنا رايح فين ولا أقدامي واخداني لفيين. كل خطوة كنت بمسح دموعي وأفتكر نظرتها الأخيره.. نظرة الست القوية اللي سامحت بس قفلت الباب للأبد.
وصلت البيت، ودخلت. أمي وأختي كانوا قاعدين قلقانين، أول ما شافوا المظروف والورق في إيدي، أختي قامت شهقت: “إيه دا؟! الحاجات دي جيبتها إزاي؟!”
حطيت المظروف على الترابيزة وقعدت على أقرب كرسي. حكيتلهم كل حاجة.. حكيتلهم إزاي البنت اللي أنا رميتها وظلمتها، هي اللي جابتلي حقي وحمتني من السجن والفضايح، وإزاي ردتلي كرامتي قدام العيلة والمنطقة، وفي الآخر رفضت ترجعلي وقالتلي إن الدرس انتهى.
أمي بكت وانحنت باست رأسي وهي بتقول: “الحمد لله يا ابني إن حقك رجع، والحمد لله إن البنت دي طلعت بنت أصول وبرأتك.. بس يا خسارة اللي ضاع من إيدك يا ابني، يا خسارة الجوهرة اللي ما عرفتش قيمتها إلا لما راحت.”