حكايات انجى الخطيب 3

أنا كنت أسمع الكلام دا ودموعي نازلة من غير ما أحس.. الفك بتاعي كان بيرعش. البنت اللي أنا استضعفتها.. البنت اللي أنا استغليت جهلها وقلة خبرتها واقتحمت حياتها وعلمتها الغلط ودست على ضميرها، هي نفسها اللي راحت وجابتلي حقي! هي نفسها اللي وقفت قدام عيلة كاملة بتستغل الناس، وجابتلي كرامتي وفلوس أخدوها مني بالقوة والتهديد!
سألته بصوت مخنوق: “هي.. هي عملت كدة ليه؟ بعد كل اللي أنا عملته فيها؟”
والدها قام وقف، مسك عصايته وبصلي أخر نظرة وقاللي: “عملت كدة عشان هي تربية راجل.. وعشان لما بعتتلها تقولها (أنا أخدت نصيبي وزيادة وبتمنى توقفي دعا)، هي بعتتلك تقولك (القصة لسه ما خلصتش) عشان كانت عايزة تقولك إن عدل ربنا مش بس إنه ينتقم منك.. عدل ربنا إنه يخليك تشوف إن البنت اللي أنت رميتها ونعتها بالنكدية وشفتها مفيش منها فايدة، هي الوحيدة اللي صانتك وردتلك حقك لما أقرب الناس ليك نهبوك ورموك في الشارع.”
الراجل ساب المظروف ومشي.. سابني قاعد في الكافيه لوحدي، قدامي فلوسي وكرامتي اللي اتقصت، بس روحي من جوه كانت بتموت.
طلعت يجري بره الكافيه، ركبت تاكسي ورحت لبيتها. طلعت السلم بسرعة جنونية، وقفت قدام باب شقتهم وخبطت. فتحتلي أمها، بصتلي بهدوء وقالتلي: “ادخل يا ابني.”
دخلت الصالة.. لقيتها واقفة هناك. كانت لابسة إسدالها الصلاة، وشها هادي، صافي، فيه نور عجيب ما شفتوش قبل كدة. ما كانش فيه في عينها أي كره، ولا انتقام، ولا حتى تشفي.
قربت منها وأنا مبحوح، نزل على ركبي قدامها في الصالة وأنا بعيط زي الطفل: “سامحيني.. والله العظيم أنا آسف.. أنا أوسخ بني آدم على وش الأرض. أنا عرفت قيمتك، عرفت إنك أطهر وأنضف حاجة دخلت حياتي وأنا بإيدي دمرتها. أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا.. مستعد أعيش خدام تحت رجليكي، بس سامحيني وارجعيلي.”
بصتلي وهي واقفة، مكانها ثابت ما اتهزتش. بصتلي بنظرة كلها رحقة شفقة، وقالتلي بصوت هادي جداً، صوت زي النسمة بس قطع كل أمل جوايا:
“أنا سامحتك من زمان يا (اسمك).. سامحتك لوجه الله عشان أعرف أعيش وأكمل حياتي من غير ما أكون شايلة كره في قلبي. بس الرجوع؟ دا المستحيل بعينه.”
رفعت وشي ليها وأنا بترجاها: “ليه؟ طالما سامحتيني وجبتيلي حقي.. ليه رافضة نبتدى من جديد؟”
