حكايات انجى الخطيب 3

كلمة واحدة بس كانت كفيلة تخلي الدم يبتدئ يهرب من عروقي. الشاشة كانت مطفية في إيدي وأنا بتنفس بصعوبة، بصيت للرسالة ألف مرة عشان أتأكد إني مش بتخيل: “القصة لسه ما خلصتش.”
يعني إيه ما خلصتش؟ هو فيه إيه تاني ممكن يخرب في حياتي؟ أنا خسرت فلوسي، وكرامتي، وسمعتي، وطلقت، وبعت عربيتي عشان أسدد ديوني، ووشي لسه فيه علامات الضرب.. هو فيه القاع أعمق من كدة؟
الليل دا ما نمتش فيه ولا ثانية. الكلمة كانت بتتردد في دماغي زي صدى صوت في مكان مهجور. بقيت أقوم وأقعد، أروح للشبك وأرجع، وأبص في الموبايل كل دقيقة يمكن تبعت توضيح، أو تحظرني، لكن هي سابت الرسالة مفتوحة وسكتت.. سكتت السكوت اللي يخوف أكتر من أكبر جعد وتهديد.
تاني يوم الصبح، نزلت الشارع وأنا حاسس إن كل الناس بتبصلي بنظرات مريبة. المنطقة عندنا صغيرة، والأخبار فيها بتطير زي النار في القش. اكتشفت إن طليقتي الحالية وعيلتها ما اكتفوش باللي أخدوه مني تحت التهديد والابتزاز؛ دول بدأوا ينشروا في المنطقة إني دخلت بيتهم واستقويت عليهم وحاولت أعتدي عليها، وإنهم “ستروا عليا” ورمولي ورقتي عشان مش عايزين فضايح!
الناس اللي كانت بتسلم عليا وبتحترمني، بقت تتفاداني في الشارع. صحابي اللي كنت بقعد معاهم على القهوة، بقوا ينسحبوا واحد ورا التاني لما أقرب منهم. حسيت بقمة القهر والوحدة.. بقيت ماش في الشارع زي المجذوب، مش عارف أدافع عن نفسي إزاي ولا أقول إيه، لأني لو حكيت الحقيقة محدش هيصدقني، ولو سكت التهمة ثابتة عليا.
في وسط القرف دا كله، جالي اتصال من رقم غريب. فتحت الخط بصوت مبحوح: “ألو؟”
جالي صوت راجل كبير، هادي بس حاسم: “أنت الأستاذ؟”
قلتله: “أيوه أنا.. مين معايا؟”
قاللي: “أنا والد (اسم خطيبتك الأولى).. عايز أقابلك. قدامك ساعة وتجيلي المكان اللي هبعتهولك في رسالة.”
قلبي اتخلع من مكانه. والدها؟ الراجل الطيب المحترم اللي كان بيعاملني زي ابنه، الراجل اللي لما فسخت الخطوبة مع بنته اتعامل معايا بكل أدب ورجولة وما طلبش مني غير إننا نخرج بالمعروف! إيه اللي خلاه يطلب يقابلني دلوقتي؟ وهل الرسالة اللي بنته بعتتهالي ليها علاقة بالدعوة دي؟
وصلت الكافيه اللي حدده. كان قاعد في زاوية بعيدة، حاطط إيده على عصايته وبيبص بره الشباك. قربت منه بخطوات مرتعشة، حسيت إني صغرت أوي قدامه.
