حكايات ندى الجمل 2

توقفت الخطوات أمام باب المخزن.
رفع الرائد كريم صوته:
“ادخل… إحنا مستنيينك.”
اتفتح الباب ببطء.
دخل رجل في أواخر الأربعينات، ملامحه كانت شبه أحمد بشكل صادم.
بص أحمد فيه للحظات، وكأن الزمن رجع بيه ثلاثين سنة.
همس بصوت مرتعش:
“سامح…”
رد الرجل بهدوء:
“أيوه… أنا سامح.”
ساد صمت طويل.
لا أحمد عرف يجري يحضنه…
ولا سامح قدر يقرب منه.
كل واحد فيهم كان شايل عمر كامل من الأسئلة.
اقترب الرائد كريم وقال:
“إحنا محتاجين نفهم كل حاجة.”
تنهد سامح وجلس على كرسي خشبي قديم.
وقال:
“أنا ما رجعتش علشان أنتقم… رجعت علشان الحقيقة.”
بدأ سامح يحكي.
بعد اختفائه وهو طفل، عاش بعيدًا عن العائلة سنوات طويلة، ولم يعرف الحقيقة كاملة إلا بعدما كبر.
ولما عرف أن والدته ما زالت على قيد الحياة، حاول يتواصل معاها أكثر من مرة.
كانت ترفض تقابله.
مش لأنها بتكرهه…
لكن لأنها كانت خايفة ينكشف سر قديم فرّق العيلة كلها.
وفي الأيام الأخيرة قبل وفاتها، وافقت أخيرًا تقابله.
قالت له إنها تعبت من حمل الأسرار، وإنها ناوية تعترف بالحقيقة لأحمد وليلى.
لكنها طلبت منه يصبر لحد بعد كتب الكتاب.
بص الرائد كريم إلى ليلى.
“يعني إنتِ كنتِ عارفة؟”
هزت رأسها بالنفي.
“كل اللي عرفته إنها كانت عايزة تمنع الجوازة، وكانت ناوية تقول لأحمد حاجة هتغير حياته.”
سأل أحمد بصوت مكسور:
“ليه ما قالتليش؟”
رد سامح:
“لأنها كانت خايفة تخسرك للمرة التانية.”
انحنى أحمد برأسه، وانهمرت دموعه.
لأول مرة فهم أن أمه كانت تحمل شعورًا بالذنب سنوات طويلة.
فتح الرائد كريم الملف، ثم قال:
“فضل سؤال واحد.”
“ليه اعترفتي يا ليلى؟”
ابتسمت ليلى ابتسامة حزينة.
وقالت:
“لأن كل الناس كانت مستعدة تصدق إن الست المقهورة ممكن تعمل أي حاجة.”
سكتت لحظة، ثم أكملت:
“وأنا وقتها كنت فاكرة إن خلاص… حياتي انتهت. لما شفت الكل بيبصلي كأني المذنبة، استسلمت وقلت يمكن الاعتراف يريحني من وجع السنين.”
قال الرائد بهدوء:
“لكن التحقيق أثبت إن اعترافك ما كانش الحقيقة.”
هزت رأسها وهي تمسح دموعها.
“عارفة.”
بعد أسابيع…
أُغلق التحقيق بعد أن تبين أن وفاة الحاجة سعاد لم تكن ج/ريمة قت/ل، وأن اعتراف ليلى لم يكن صحيحًا، وإنما صدر وهي في حالة انهيار شديد بعد انهيار أسرتها. ولم تثبت الأدلة مسؤولية جنائية عليها.
أما أحمد…
فوقف أمام قبر أمه لأول مرة من غير غضب.
قرأ الفاتحة، وقال بصوت خافت:
“كان نفسي تقوليلي الحقيقة وإنتِ عايشة.”
ثم التفت إلى ليلى.
“أنا ظلمتك.”
ردت وهي تنظر بعيدًا:
“إحنا الاتنين خسرنا سنين من عمرنا.”
قال:
“ممكن تسامحيني؟”
ابتسمت ابتسامة باهتة.
“المسامحة حاجة… والرجوع حاجة تانية.”
لم تمد يدها إليه.
واستدارت تمسك يد ملك ويوسف.
ومشت.
أحمد فضل واقف مكانه، يشوفها وهي بتبعد، لحد ما اختفت من آخر الطريق.
وقتها فهم إن في أخطاء، حتى بعد ظهور الحقيقة…
مستحيل الزمن يصلحها.
تمت.
