حكايات نور محمد1

وهنا بص لي الدكتور رؤوف وبص لمراته، وقال وهو بيقلب في الذكريات:
“مراتي حكتلي إن بنتك جات النهاردة الصاغة، وباعت خاتم دهب صغير—ذكرى من جدتها—وجابت بيه ألفين جنيه.. والفلوس دي بالظبط هي اللي تبرعت بيها لست عجوزة غريبة في الشارع وسابت أبوها في زنقته رحمةً بالست دي! انت مربي ملكة يا حاج عبد الرحمن.. بنت أصول، خرجت من نسلك النقي.. نفس المبلغ اللي انت اديتهولي زمان عشان تسترني وتنقذ مستقبلي، بنتك طلعت بنفس القيمة النهاردة وتبرعت بيه لربنا، فربنا رد لك المبلغ في نفس اليوم ونفس اللحظة، بس على هيئة طوق نجاة لعنيك!”
الدموع كانت نازلة مننا كلنا في العيادة.. حرم الدكتور كانت بتبكي بكاء صامت، وأمي كانت بتتنفض من الفرحة والذهول، وبابا رفع راسه لفوق وقال: “الحمد لله.. سبحانك يا رب.. الودائع عندك لا تضيع أبداً”.
الدكتور رؤوف مسك سماعته وأمر الممرضين فوراً:
“أغلقوا جدول العمليات للنهاردة.. مافيش ولا حالة هتدخل غرفة العمليات قبل الحاج عبد الرحمن شاكر! هاتوا أطقم التخدير والتجهيز فوراً!”
قرب الدكتور من بابا، وباس إيده قدام كل الأطباء والمساعدين اللي كانوا واقفين مش فاهمين حاجة، وقال له:
“العملية دي مش مجاناً يا حاج عبد الرحمن.. العملية دي دفعة بسيطة جداً من دين قديم قوي في رقبتي. انت زمان رجعتلي بصري للحياة وللمستقبل، والنهاردة بأمر الله أنا هرجعلك بصرك عشان تشوف بيه عمل بنتك الصالحة”.
أتجهز بابا للعملية، ودخل غرفة العمليات الاستثنائية، وقعدنا أنا وأمي وحرم الدكتور في الصالة بره ننتظر. الوقت كان بيمر بطيء جداً، وكل ثانية بتمر كان قلبي بيدق فيها مع كل استغفار. افتكرت اللحظة اللي كنت فيها واقفة في حارة الصاغة محتارة بين إني أساعد الست العجوزة ولا أقفل جيب شنطتي وأجري على المستشفى.. وعرفت إن ربنا ما بيسيبش حد يجبر خاطر عباده.
بعد ساعتين كاملين، باب غرفة العمليات اتفتح، وخرج الدكتور رؤوف وهو بيقلع الكمامة، ووشه منور بابتسامة عريضة هزت أركان المكان كله…
