حكايات نور محمد1

الدكتور رؤوف كمل وكأنه بيفرغ كبت سنين طويلة:

“أنا زمان كنت طالب فقير جداً في كلية طب أسيوط، وباشتغل بعد الكلية في بيت العمدة عشان أصرف على دراستي.. وفي يوم، خزنة العمدة اتسرقت، والاتهام أتركب عليا بطريقة مجرمة. العمدة غرس فيا ناس ضربوني لحد ما أغمى عليا ورموني في الترعة، ولفقوا لي ق\ضية سرقة مقترنة بجناية، وكان مستقبلي وحياتي هيضيعوا للأبد. الق\ضية اتعرضت عليك يا عبد الرحمن بيه، وكنت وقتها وكيل نيابة شاب، والكل كان بيمارس عليك ضغوط عشان تقفل ال\ق\ضية وتتهمني، لكن انت بذكائك ونزاهتك، رفعت عينك في عين العمدة وقولتله: ‘الولد ده بريء، وأنا مش هظلم نفس زكية عشان ترضي كبرياءك’!”

أمي حطت إيدها على بقها من الصدمة، وأنا واقفة أسمع والذهول آكل قلبي.. بابا كان طول عمره راجل طيب وساكت ومابيتكلمش عن ماضيه إطلاقاً.

الدكتور رؤوف كمل بصوت أبح:

“بس السر مش هنا يا حاج عبد الرحمن.. السر في اللي حصل ليلة ما أفرجت عني! لما قفلت الق\ضية وحفظتها، العمدة حلف ما يسيبنيش عايش، وبعتلي ناس يصفوني وأنا مروح. انت عرفت بالخبر ده، وما اكتفيتش بأنك أديتني براءتي القانونية.. انت نزلت بنفسك بليل، وجبت عربيتك الشخصية، وخبيتني في شنطة العربية، وسوقت بيا من أسيوط للقاهرة طول الليل! مش بس كده.. انت طلعت من جيبك وقتها ألفين جنيه—مبلغ كان يشتري فدان أرض زمان—واديتهم لي وقولتلي: ‘يا رؤوف، كمل كليتك في القاهرة، ويا رب أشوفك أكبر جراح في مصر، وافتكر إن ربنا نجاك عشان تداوي الناس’!”

بابا نزل راسه والأرض ودموعه نزلت بللّت قميصه، وقال بصوت واطي: “يااه يا رؤوف… انت فاكر الكلام ده لحد النهاردة؟”

الدكتور رؤوف رد عليه بحرقة:

“أفتكر؟! أنا عشت ٣٥ سنة ببحث عنك! لما تخرجت وبقيت معيد، وبعدها سافرت ألمانيًا وأخدت الدكتوراه، ورجعت بقيت أكبر جراح عيون، كنت كل يوم بادور على وكيل النيابة النزيه عبد الرحمن شاكر. سالت عليك في النيابة قالوا إنك استقلت بدري ورجعت قعدت في القاهرة واختفيت عن الأنظار. أنا بنيت اسمي وثروتي دي كلها بفضل ربنا ثم الألفين جنيه بتوعك يا حاج عبد الرحمن! الفلوس اللي ادتهالي زمان هي اللي نجت حياتي، وهي اللي دفعت بيها مصاريف سنتي الأخيرة في الكلية!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *