حكايات رومانى مكرم 2
قبل ما حد فيهم يستوعب صوت السرينة اللي بتهز الشارع، طلعت فتح الشنطة اللي في إيده بسرعة، وجرّد منها ملف أحمر ورماه على أدهم وهو بيقول بصوت واطي ومكتوم:
— “لو البوليس دخل هنا والملف ده اتلقى معاك، مش هتطلع منها أنت وإخواتك… الأوراق دي فيها توقيعاتكم كلكم على استلام مبالغ السلف بضمان بيت مصر القديمة!”
أدهم مسك الملف وإيده بترتعش، وبص لتيسير اللي كانت واقفة زي الصنم، وشها خالي من أي لون. شيماء قربت من أدهم بخطوات سريعة وحاولت تشد الملف من إيده وهي بتصرخ:
— “أنا ماليش دعوة بملفات ولا سلف! أنا ليا المجوهرات والدهب اللي الحاج كتبهم في الوصية! أنت وهيا اللي كنتم بتديروا الشغل مع طلعت!”
أدهم زق إيد شيماء بعنف وقالها بصوت مليان غل:
— “اسكتي خالص يا شيماء! التحويلات اللي دخلت حسابك في دبي السنة اللي فاتت كانت من نفس الحساب اللي طلّع منه طلعت الفلوس دي… افتكري كويس إنك مضيتي على إيصالات أمانة صريحة عشان تاخدي نسبتك من غير ما تعتبِي البيت!”
في اللحظة دي، الخبط على الباب البراني بقى أعنف، وصوت ضابط شرطة ينادي من الشارع:
— “يا أستاذ أدهم… افتح الباب! معانا أمر نيابة بتفتيش العقار وإحضار الأستاذ طلعت الشاذلي!”
طلعت بصلنا برعب، وعينيه زغللت في الصالة كأنه يدور على مخرج طوارئ أو شباك ورا. بس البيت القديم مالهوش غير باب واحد براني والشباك الخشب المصفح اللي بيطل على الشارع.
قربت من الترابيزة، ومسكت الملف الأحمر اللي أدهم كان سايبه مفنوح. وبصيت في الصفحة الأولى… كانت عبارة عن عقد كفالة تضامنية، موقع باسم تيسير وأدهم، وبصمة شيماء تحت بند “المستفيد الثاني”. التواريخ كانت مكتوبة بوضوح؛ كلها تمت في السنة الأخيرة لما كان أبويا الحاج أمين طريح الفراش، ومش قادر حتى يمسك القلم.
بصيت لأدهم وقلتله ببرود:
— “أنتوا ما استنيتوش لما يموت… أنتو بعتوه وهو صايص بين الحياة والموت، وكنتم بتاخدوا ثمنه أقساط!”
تيسير قربت مني والدموع نازلة من عينها، بس المرة دي ما كانتش دموع تمثيل زي اللي في العزا؛ كانت دموع خوف حقيقي، ومسكت في دراعي وقالت:
— “يا نعمة… إحنا إخواتك! الراجل ده هو اللي أغرانا، قالنا إن أبوكي كدة كدة مريض والفلوس دي هتضيع في مصاريف المستشفيات والعلاج. أنقذينا يا نعمة… أنتِ شغالة مع الجهات دي وعارفة تخرجينا منها إزاي!”
شلت إيدها من على دراعي بهدوء وبصيت في عينها:
— “أبوكي ما ماتش من المرض يا تيسير… أبوكي مات بالقهرة لما اكتشف إن أدوية الضغط والقلب اللي كنتم بتجيبوها له كانت مجرد مسكنات رخيصة، عشان توفروا باقي الفلوس للحسابات المتغطية!”
شيماء شهقت وحطت إيدها على بقها، بينما أدهم اتراجع لورا وضرب ضهره في الحيطة، ووشه بقى زي الج\ثة.
طلعت استغل المشهد، وجري ناحية الباب الخلفي للمطبخ اللي بيطل على المنور، بس قبل ما يلمس أوكرة الباب، الباب البراني اتكسر بدفعة قوية من رجال الشرطة، ودخل القوة يقودها ضابط برتبة مقدم ومعاه اثنين من أمناء الشرطة بالزي المدني.
الضابط بص في الصالة وشاف طلعت محشور جنب باب المطبخ، وبص لأدهم وتيسير وشيماء، وبعدين وجه نظره ليا وقال:
— “الأستاذة نعمة أمين؟”
— “أيوا يا فندم… أنا نعمة.”
الضابط طلع أمر التفتيش والإحضار وقال:
— “الأستاذ طلعت الشاذلي صادر ضده أمر ضبط وإحضار في قض\ية التزوير والاستيلاء على أصول شركة ‘المستقبل’… وإحنا هنا بناءً على البلاغ المقيد برقم 8044 الصادر من مكتب المراجع القضائي.”
طلعت صرخ وهو بيتكتف بالأغلال:
— “البلاغ ده كاذب! الأوراق دي كلها موثقة وبصمات الحاج أمين موجودة عليها!”
الضابط بص لطلعت وقال بنبرة حاسمة:
— “البصمات حقيقية يا أستاذ طلعت… بس التقرير الطبي الشرعي الصادر النهاردة الصبح أثبت إن البصمات اتأخدت من المريض وهو في حالة غيبوبة تامة قبل وفاته بتلات أيام.”
الكلمات نزلت على أدهم وإخواته زي الصاعقة. شيماء قعدت على الأرض وهي بتبكي بانهيار، وتيسير حاولت تتكلم بس لسانها اتعقد، وأدهم بقى واقف زي المصدوم ومش قادر يستوعب إن كل خطتهم انكشفت بالدقيقة والثانية.
الضابط التفت ليا وقال:
— “يا أستاذة نعمة… الصندوق الخشب الأرز اللي ذكرتيه في البلاغ موجود فين؟ النيابة طالبة التحفظ عليه فوراً كدليل إثبات رئيسي.”
بصيت لإخواتي الثلاثة، وبعدين بصيت للباب المفتوح اللي داخل منه هوا مصر القديمة البارد…
ورديت بثبات:
— “الصندوق موجود في الخزنة القديمة… بس الأوراق اللي جواه مش بس تخص طلعت وشركته. الصندوق فيه كمان الأسماء الحقيقية للشبكة الكبيرة اللي كانت بتدير المبالغ دي من برة مصر… والاسم الأول في القائمة دي مش غريب عن العيلة.”
أشار الضابط لأمين الشرطة إنه يتحرك معايا ناحية الأوضة القديمة عشان نتسلم الصندوق. أدهم خطى خطوة سريعة ناحيتي، ووشه كان ممتقع وشبه المجانين، ومسك في كتفي بصوت واطي ومخنوع:
— “نعمة… الاسم الأول اللي بتتكلمي عنه ده… أنتِ قصدك عمنا ‘ممدوح’؟ أنتِ عارفة لو الاسم ده طلع في النيابة إحنا مش بس هنتحبس، إحنا هينتهي وجودنا كعيلة للأبد!”
زقيت إيده عن كتفي بمنتهى البرود وبصيتله بثبات:
— “العيلة دي انتهت من اليوم اللي وافقتوا فيه تأكلوا مال أبوكم وهو صاحي ومريض، وتبيعوا بيته لراجل نصاب زي طلعت عشان شوية أرقام في الحسابات!”
شيماء كانت لسة قاعدة على الأرض بتبكي وتولول، وتيسير حاولت تتدخل وتترجاني:
— “يا نعمة، عمك ممدوح مش هيسكت… ده راجل واصل وممكن يقلب الطاولة علينا وعليكي! افتكري إننا ملناش غير بعض في الآخر، بلاش تخربي بيوتنا بأيدك!”
رديت عليها وأنا ماشية ناحية الأوضة:
— “البيت اتخرب يوم ما بقى الحرام هو الأكل والشرب واللبس اللي على أبدانكم… أبويا ما سابش الصندوق ده عشان ينتقم، أبويا سابه عشان يطهر الفلوس دي ويرجع الحق لأصحابه.”
دخلت الأوضة القديمة، ومعايا الضابط وأمين الشرطة. وفتحت الخزنة المتدارية ورا صورة أبويا وأمي. طلعت الصندوق الخشب الأرز الصغير… ريحة العتق والزيت العطري طلعت منه أول ما مسكته. الصندوق كان مقفول بقفل نحاسي قديم، ومفتاحه كان معلق في رقبتي في سلسلة فضة أبويا أداهالي قبل ما يموت بيومين وهو بيبس إيدي وبيوصيني.
حطيت الصندوق على المكتب القديم، وحطيت المفتاح في القفل ولفيته.
القفل اتفتح بصوت تكّة واضحة.
جوة الصندوق، ما كانش فيه بس أوراق ومستندات وشيكات متسجلة… كان فيه دفتر مذكرات صغير بخط إيد الحاج أمين، وتحته أظرف بيضا مقفولة ومكتوب على كل ظرف اسم واحد من العيلة، وبجانبهم جهاز محمول صغير جداً (فلاشة) وشهادات أسهم قديمة باسمي أنا.
الضابط قرب عشان يتحفظ على الصندوق، بس أنا رفعت إيدي وقلتله بنبرة حازمة:
— “يا فندم، أنا المراجع القضائي المكلّف بإرفاق الأدلة بالتقرير. في ظرف هنا أبويا كاتبه بخطه وموجه للنيابة العامة مباشرة، وفي تسجيل صوتي بصوته بيوثق اللحظة اللي ادسّت فيها العقود المزورة تحت مخدته.”
خرجنا الصالة تاني، وكان الظابط بيدون كل كلمة في المحضر. أدهم وتيسير وشيماء كانوا واقفين جنب بعض، بس المرة دي كانوا بيعيطوا ويبصوا لبعض بشك وغل؛ الخوف بدأ يفرقهم وكل واحد فيهم بقى يفكر إزاي يرمي التهمة على الثاني عشان ينفد بجلده.
أدهم صرخ في شيماء:
— “أنتِ اللي أخدتي النصيب الأكبر ورتبتي مع عمك ممدوح تحويلات دبي!”
ردت عليه شيماء وهي بتصرخ وتدبه برجليها:
— “أنا أخدت بفرمان من تيسير! تيسير هي اللي قالتلي إن أدهم مضى على تنازل كامل عن العقارات!”
تيسير زقت شيماء وقالت:
— “أنا ما قلتيش حاجة! أنتوا الاتنين كنتم بتتفقوا من ورايا وأنا كنت مجرد واسطة!”
وقف الضابط المهزلة دي وأمر العساكر بتكبيل أدهم وتيسير وشيماء ونقلهم مع طلعت الشاذلي لسيارة البوليس.
قبل ما يخرج أدهم من باب الصالة، التفت لي وعينيه مليانة دموع وكسرة وقالي:
— “يا نعمة… أبويا سابلنا إيه حقيقي؟ معقول ما سابش لينا أي حاجة نضيفة نعيش بيها؟”
طلعت الدفتر الصغير من الصندوق، وبصيت لأدهم وقلتله:
— “أبويا سابلكم الحقيقة اللي استكثرتم تدورو عليها وهو حاي… وسابلي أنا الأمانة اللي هكشف بيها الوش الحقيقي لعمكم ممدوح في الجلسة المفتوحة بكرة الصبح.”
خرجوا جميعاً في كلابشاتهم، واتقفلت أبواب عربيات البوليس في الشارع وسط ذهول وأصوات الجيران اللي اتجمعوا في حارة مصر القديمة.
رجعت الصالة، وقعدت على الكنبة القديمة اللي كان بيقعد عليها الحاج أمين. المكان بقى فاضي وهادي تماماً، وما فضلتش غير أنا والصندوق الخشب.
فتحت الفلاشة وحطيتها في جهازي المحمول…
وظهر على الشاشة مجلد مصور، عنوانه كان صدمة أشد من كل اللي فات:
**”مشروع غسيل أموال العمارة الكبرى… المالك الحقيقي: أدهم أمين.”**
الشاشة كانت بتنور بملفات التتبع المالي اللي جمعها أبويا في أيامه الأخيرة. الاسم اللي كان مكتوب بالبنط العريض ما كانش عمي ممدوح زي ما أدهم افتكر ورمى التهمة عليه عشان يغطي على نفسه… المالك الحقيقي والعقل المدبر لعملية بيع أصول العيلة وتبييض الأموال كان أدهم نفسه، بالاتفاق مع طلعت الشاذلي، وعمي ممدوح ما كانش غير غطاء ورقي بيستخدموا اسمه ورقم قوميه عشان يبعدوا الشبهات عنهم!
أبويا الحاج أمين كان عارف. كان قاعد على سريره، ساكت، وشايف ابن بيكتب نهايته بإيده، وبنتين بيبيعوا شرف أبوهن عشان شوية مجوهرات وفلوس حرام.
ثاني يوم الصبح، في مبنى النيابة العامة بوسط البلد…
الهدوء كان يعم القاعة، وأنا قاعدة على الكرسي الخشب قدام رئيس النيابة. وعلى الشمال كان واقف أدهم، تيسير، وشيماء، ومعاهم طلعت الشاذلي. أدهم كان شكله مكسور ومطفى، بدلة العزا الشيك بقت مبهدلة، وعينيه مثبتة في الأرض ومش قادر يرفعها في عينيا.
فتح وكيل النيابة الملف، وبدأ يقرأ التقرير الفني اللي قدمته بصفتي المراجع القضائي المكلف بالقصية، ومعاه تسجيلات الفلاشة والمذكرات الصريحة بصوت الحاج أمين:
— “بناءً على المستندات والتسجيلات المرفقة، وتبين تزوير توقيعات المتوفى وهو في حالة مرضية مستعصية، واستغلال أختام شركات وهمية لتهريب الأصول… تقرر النيابة العامة حبس المتهم أدهم أمين، والمتهم طلعت الشاذلي، أربعة عشر يوماً على ذمة التحقيق بتهم التزوير والإضرار العمدي بالأموال وغسيل الأموال… وإحالة المتهمتين تيسير وشيماء للتحقيق بتهمة الاشتراك والمساعدة والتستر.”
صرخة تيسير زلزلت القاعة، وشيماء وقفت مكانها مش مصدقة إن اسم “نعمة” اللي كانوا بيسخروا منها وبيسموها الممرضة، بقى هو الاسم اللي بيحسم مصيرهم ويدخلهم ورا القضبان.
أدهم رفع راسه بالعافية، وبصلي بصوت مبحوح وهو بتسحب إيده في الكلبشات:
— “نعمة… هترميني في السجن؟ أنا أخوكي الكبير! هتسيبيني أضيع؟”
قمت وقفت بثبات، وقربت منه خطوات معدودة، وبصيت في عينيه وقلتله بمنتهى الهدوء:
— “أنا ما رميتكش يا أدهم… أنت اللي رميت نفسك يوم ما فتحت الخزنة وأبويا بيموت، وافتكرت إن السكوت ضعف. أبويا ما ماتش مديون ولا فقير… أبويا ساب بيت مصر القديمة وقف لله ولأعمال الخير، وسابلي أنا الحق إني أرجع كل مليم اتسرق منه لأصحابه الأصليين.”
التفت للمحامي فاروق اللي كان واقف ورايا، واديتله نسخة من التنازل الرسمي والأوراق النهائية:
— “البيت الكبير هيتحول لدار أيتام باسم الحاج أمين… والفلوس اللي اتجمعت من القضايا والتحويلات المترجعة هتروح للجمعيات الخيرية اللي أبويا كان بيكفلها في السر.”
سحبت شنطتي والصندوق الخشب الأرز في إيدي، ومشيت في راهرو النيابة الطويل. صرخات شيماء وتوسلات تيسير وصوت أدهم وهو بيبكي كانت بتبعد ورايا تدريجياً.
خرجت لشوارع القاهرة والشمس طالعة بتنور البيوت القديمة. بصيت للسما وابتسمت…
أبويا الحاج أمين ما سابليش دهب ولا عقارات باسمي، بس سابلي أهم حاجة: اسم نضيف، وضمير مرتاح، وورقة صغيرة كانت في قاع الصندوق كاتب فيها بخطه الضعيف:
> **”يا نعمة… الحق يوجع بس بيحرر. اعفِي عنهم لو حابين، بس رجّعي حق الغلابة.”**
>
قفلت الصندوق، ومشيّت في زحمة الناس… وأنا عارفة إن الورث الحقيقي مش اللي بنحطه في الجيوب، الورث الحقيقي هو اللي بنقابل بيه ربنا وأيدينا نضيفة.